
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” ـ العدد 1746
إنها الحرب وقد تكون آخر الحروب التي ستطوي معها عقودًا من الحروب والصراعات تحت مظلة الصراع العربي – الإسرائيلي. لكن الأكيد أن ما قبل عملية «طوفان الأقصى» ليس كما بعدها. والمؤكد أن خاتمة حرب 7 تشرين الأول 2023 لن تكون كما خاتمة حرب 6 تشرين الأول 1973 . فالأول سيسجل محطة فاصلة قد تغير وجه المنطقة جغرافيا، وتنهار أنظمة دول، في وقت أفضى الثاني إلى توقيع إتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.
هي الحرب وقد تكون آخر الحروب المقبلة على المنطقة. لكنها ستكون حربًا طويلة وجارفة ومكلفة بالأرواح والممتلكات. فهل يجدي نفعًا السؤال عن مصير لبنان واللبنانيين في ما لو توسعت رقعة الحرب وتجاوزت قواعد الإشتباك المعمول بها بين “الحزب” وإسرائيل منذ العام 2006؟
كل شيء رهن بلحظة ما. وقد تكون هذه اللحظة ربطا بالإجتياح البري لغزة المؤجل بطلب أميركي، أو بالأوامر التي سيمليها خامنئي على حزب الله. والمرجح أن هذه اللحظة رهن بقواعد غنائم الحرب.
أما عن مصير اللبنانيين فالجواب مكتوب منذ اللحظة: لا حول لهم ولا قوة!
ثمة العديد من الأسباب التي شجعت حركة حماس على إطلاق عملية “طوفان الأقصى” وخوض تلك المواجهة الخطيرة التي من المبكر التكهن بنتائجها وتداعياتها على الطرفين. من هنا يبقى الرهان على ما سيقدمه مفهوم وحدة الساحات من شرعنة العمل المقاوم، وربط قوى تمتلك مخزونًا من التناقضات ببعضها، كما أنه يسهم في بناء هدف وإجماع سياسي بين هذه القوى.
وبينما لا يصل هذا المفهوم إلى إتفاقية دفاع مشترك، إلا أنه يقترب من هذا النوع من الإتفاقيات بحيث يشكل رويدًا رويدًا إمكانيات متعددة ويعقّد حسابات الحرب والسلم بالعلاقة مع إسرائيل. فهل يتحقق مفهوم الساحات ويدخل لبنان الحرب، أم يبقى مجرد شعار؟
منذ أعوام خرج محور الممانعة بمقولة توحيد الساحات أو توحيد الميادين.وكان الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصرالله السبّاق في الترويج لهذه النظرية. لكن حتى الآن لا أثر فعليًا ولا ترجمة فعلية لهذا الشعار على أرض الواقع على رغم الأحداث التي حصلت في سوريا واستهداف عشرات الغارات الإسرائيلية المدمرة الحرس الثوري الإيراني و”الحزب” وحماس وصولا إلى الغارات التي طالت دمشق وريفها والشمال المحسوب مباشرة على النظام وما فيه من قواعد للحزب وإيران. أما المناوشات التي كانت تحصل في جنوب لبنان فلم تلقَ صدى لا في الجولان ولا في نقاط حساسة تابعة لإسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية الداعمة لها.
عدم تلاحم الساحات أو توحيدها كان تبريره “بأن محور الممانعة يدرس الرد في المكان والزمان المناسبين” إلى أن جاء تاريخ 7 تشرين وأطلقت حماس عملية طوفان الأقصى مستعيدة بالزمان (إنشغال الإسرائيليين باحتفالات يوم الغفران)، والتوقيت (انطلقت العملية صباحًا في المعركتين ليتسنّى للقوات المهاجمة ترجمة مخططها في اليوم الأول على مدى ساعات النهار)، والتكتيك العسكري خطة هجوم الجيش المصري على إسرائيل في 6 تشرين الأول 1973.
وإذا سلّمنا بأن نتائج حرب 6 تشرين الأول 1973 لم تستثمر، فإن الحرب الحالية على غزة لم تظهر أي أثر فعلي لشعار توحيد الساحات. وكان لإيران تبرير لتغطية هذا الغياب من خلال وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان الذي أعلن تكرارًا من بيروت أن قرار دخول لبنان الحرب وتوقيته ودراسة معطيات المشاركة يعود لـ”الحزب” والحقيقة أنه كما لإيران سلطة معنوية وسياسية وعسكرية على حركة حماس والجهاد الإسلامي في غزة، كذلك لها السلطة نفسها على”الحزب” والأذرع الأخرى في العراق واليمن وسوريا.
كل هذا يؤشر إلى أن الحرب لا تزال في مرحلة الضبط والإيقاع المدروس برعاية الولايات المتحدة الأميركية المباشرة، وهذا ما يفسر إستمرار جولات الديبلوماسية الأميركية والأوروبية إلى لبنان وبعض دول المنطقة. أما بالنسبة إلى “الحزب” فهو ينتظر كلمة السر من خامنئي ولا يأبه للوضع الإقتصادي والإجتماعي في لبنان ولو كان كذلك لسهّل عملية انتخاب رئيس للجمهورية. ومتى وصلت كلمة السر من إيران يعلنها نصرالله حربًا مفتوحة، مما يعني أننا أمام خطرين: الأول أن تأتي الأوامر من إيران فيدخل الحزب في جحيم الحرب التي ستكون مدمرة وهذا وارد وله شروطه، والثاني أن تقرر إسرائيل توجيه ضربة مزدوجة تطال “الحزب” لضمان إزالة كابوس الصواريخ عن مستوطناتها الشمالية مستغلة موجة التعاطف الدولي.
مقاربة هذا الواقع ليست بعيدة وهنا لا بد من السؤال عن التدابير الوقائية التي يفترض أن تتخذها الأحزاب والمجتمع المدني والمسؤولين على كافة المستويات في ظل الغياب التام للدولة.
الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بإعلان حياد المناطق كما حصل في رميش، والتوجّه نحو الأمم المتحدة من خلال القرار 1701 وفتح خطوط إمداد للمساعدات في حال تعرّض مطار بيروت الدولي والمرفأ للقصف، واستحداث قنوات ديبلوماسية لإيصال الرسائل إلى الأمم المتحدة، وإلا سيدفع الشعب اللبناني الثمن غاليًا وربما أضعاف ما عاناه في حرب تموز 2006. أما بالنسبة إلى الجيش، فدوره يجب أن يتركز على حماية المناطق الآمنة التي قرر فيها الأهالي البقاء على الحياد.
حتى اللحظة تبقى الأمور والتطورات المرتقبة رهن بالإجتياح البري لقطاع غزة، لكن الواضح أن هناك قرارًا بإنهاء كل عملاء إيران في المنطقة وعلى رأسهم حماس. ويخطئ من يظن أننا دخلنا الحرب الموسعة إنطلاقا مما يجري على الحدود الجنوبية في لبنان. ما يحصل هو بمثابة إنذارات متبادلة بين “الحزب” وإسرائيل، وإمكانية أن تتعداها إلى حرب موسّعة رهن بساعة الإجتياح. وإذا حصل ذلك فهذا يعني أن أبواب جهنم فُتحت على آخر الحروب في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]