
“لتفرح البريَّةُ والقفر وتبتهج الباديَّة وتُزهر كالنَّرجس والشَّارون”!
بحضرة الآب والطوباوية مريم وبولا أول النسّاك، فتح الحبيس يوسف نوافذه الفكرية وعواطفه الروحيَّة على ملاحم حكايات آباء البريَّة الكبار وملهماتهم ورفاقه، في بهاء ذلك المرتقى الصخري الهاجع في الصمت والسكون، بيت الجسد الإلهي وإنجيل العهد الجديد وقرَّاية شحيم صلواته السريانية الأسبوعيَّة وسنكسار الشهداء والقديسين وكتبُ الاقتداء بالمسيح ومروج الأخيار وبستان الرهبان وأمجاد مريم. بمؤازرتهم يواجه التَّجارب الدائمة ويلجمها تجربة تلوى التَّجربة محرّراً جسده من رواسب غرائزه ورغائبه الطبيعية ليقارب ويشابه أطياف الملائكة، فامتاز بعطيَّة صلبانيَّة مدهشة خاصة، وحظي برؤيا يوميَّة تتراءى له فيها جراحات المصلوب تتفتَّح وتنزف بدماء تصيب غزارتها عين الرائي وأحاسيسه!
ذات يوم مُستغرَبٍ تفاجأت السلطتان الديرية والرهبانية بالنّاسك المتفوِّق بمناهج النسك والنسّاك، يطلب إعفاءه من عيشة المحبسة والعودة للعيشِ مع جماعة أخوتِه الرهبان.. وحده الرَّب المصلوب حبيس الجلجلة كان يعلم بأنَّ راهبه وحبيسه الراهب اللبناني الماروني الأب يوسف فرح، سيكون صلة الوصل بين استشهاده الروحي يوم دخل محبسة مار بولا غبتا في 29 أيار من العام 1930 وبين استشهاده الجسدي داخل دير مار جرجس دير جنين ليل 18 كانون الثاني من العام 1976!
مدينة جنين الواقعة جغرافياً وعسكرياً شمال الضفَّة الغربية الساقطة في قبضة الآلة العسكرية الإسرائيليَّة منذ حرب 6 حزيران 1976، اكتشفت لها أحقاد منظَّمات التَّحرير في العام 1976 طريقاً نافذة سهلة الوصول واقتلاع العدو الغاشم ورميه في البحر الأحمر… هذه الطريق تنطلق تحديداً وتهديداً من بلدة دير جنِّين المسيحيَّة إحدى عرائس بلاد الدريب العكارية أقصى شمال لبنان وأقساه. دير جنِّين الميراث الغالي النَّفيس مِن إرث وطن السيادة والكرامة والإباء، ومن إرث الكنيسة المُجاهِدة المُضطَّهدة لأجل أسم سيِّدها.
دير جنين ملتقى وجامعة حضارة التلاقي العائلي والإنساني المُتفرِّع الطوائف والمذاهب والانتماءات، دير جنين الفاتحة عقلها وقلبها لكل بلاد عكار المُشرِّعة أبواب مدرستها التكميلية الخلاَّقة لكل طلاّب بلدات الجوار يأتونها قاصدين العلم العالي الجّودة والثقافة الرَّحيبة الكريمة الرسائل، الأرقى تبشيراً بلبنان واحد ضابط الكل، وبشعب لبنانيّ واحد في ثمانية عشرة طائفة. دير جنّين مواسم غزل الحرير وملابس الأهل في كلّ تفصيلاتها وتفاصيلها، ومواسم الزيتون والزَّيت المقطَّر كعسل يوحنا المعمدان، ومواسم الكَرمَة وكرَم عرقها البلدي المثلَّث على موائد ثالوث الخبز والملح والوفاء لكلّ ضيف وجار يحفظان عهد ودِّها وأمانها وسلامها. دير جنّين وأهلها الفرسان الأُباة الميامين داهمهم هدير بوسطة عين رمانة 13 نيسان من العام 1975، فطافت عليها قرقعة سلاح القلوب الملآنة… واستبدل العار المشين معركة تحرير جنين الفلسطينية، بغزوة بلدة دير جنين دارة الأمان المهدور الدم والسلام المذبوح من وريد ” كلّنا للوطن إلى وريد ” للعلى للعلم”!
يوم 11 أيلول من العام 1975 على التوقيت اللبناني تمَّ اجتياح قلعة سمعان العمودي وبيت الكلمة بلدة بيت ملاَّت بنجاح قبائليّ منقطع النظير خارق التنظير، فكان التَّهجير المسيحي الأول والمنظَّم من عكار معقل بدلات رجال الشرف والتضحية والوفاء… وبعد صبغها بدم شهدائها وبأسود شحتار النيران التي أحرقت بيوتها وقلوب أهلها، توجَّه التهديد والوعيد إلى بلدة دير جنين وإنذارها بأنَّها ستكون مقصد الغزوة التالية…
لكنَّ رِكاب الدير جنّينيين من كعابِ زيتونهم، وأعصابهم من أعصاب صلبان قباب ديرهم وكنائسهم، ونسيج أراضيهم هي ذاتها نسيج شرايينهم، لكنَّ قبائل منظمات العودة مصرَّة على أن تعود إلى جنين الضفة الغربية، انطلاقاً من دير جنين العكّارية، فتمَّم عناصرها إنذارهم الأول، يوم 5 تشرين الأول باختطاف مختار البلدة جرجس ملحم سعد وولديه ناصر مدير المدرسة التكميلية ونجيب طالب الحقوق، وبرفقتهم العسكري المتقاعد المقدام خليل الطَّحان وذلك من خلال عملية “كوماندوس” باهرة قاهرة، نفَّذها الخاطفون على طريق حلبا، بحقِّ رجالٍ آمنين أمناء كانوا ذاهبين إلى مركز عاصمة عكار التربوي، لأجل إحضار رواتب أهلهم المُعلِّمين والموظَّفين !
ليل 20 ـ 21 نعبَ البوم الأسود المُدجَّج الصوت، بالغدر وبدوي القذائف وخرطشة السلاح الأكثر إجراماً، بوم العار والنار والدمار، فتمت عملية تزنير دير جنين بكامل متفجِّرات الأحقاد الدفينة على كل مدينة وبلدة وبقعة لبنانيَّة تدين بدين الحرية والكرامة والسيادة والشرعية، فتأهَّب أهاليها ببسالة شهداء دياميس المسيحية الأولى المقتادين، إلى وحوش ملاعب أباطرة روما، لكنَّ وحوش استباحة دماء وأرواح وبيوت وأرزاق دير جنين الشهيدة بالطَّبعِ لم يكونوا روماناً…
من حي إلى حي ومن موقع إلى موقع دافع رجال العز والعزيمة عن دير جنِّينهم بكل وسيلة قتاليَّة دفاعيَّة بقيت معهم حتى الطلقة الأخيرة، لكن كثرة جحافل الهمج وعديد سلاحهم المتفوّق حسما المواجهة المختلة الميزان، فهام من بقي على وجوههم والحقول البعيدة تأوي تشرُّدهم عن جنى أعمارهم، وتلك التلال العكارية تردِّد صدى نحيب المريمات على فتى تلة الجمعة العظيمة، واكتملت دائرة إكليل الشوك داخل دير مار جرجس بحكم الإعدام المُبرم على الراهبين الأب الرئيس جرجس حرب والأب المَهيب يوسف فرح مع سبعة شهداء جنِّنيين لم يجدوا مَن يقيم صلاة الجنازة عن أنفسهم !!
راهب دير قزحيا الأب أرميا سعد الدير
جنِّيني طلبت منه السلطة الرهبانية مغادرة ديره في وادي كنز الحياة، لأجل أن يفتح كنزاً رهبانياً في مسقط رأسه وقريته دير جنين، فوصلها يوم عيد انتقال العذراء في 15 آب من العام 1845 حيث وضع حجر المدماك لدير مار جرجس دير الشهادة والشهداء!
مطارحكَ يا رب ومواعيدك لا تخضع لأي صدفة جغرافيَّة وتاريخية، فيوم غادر الأب يوسف فرح الحبيس محبسته مار بولا قزحيا في العام 1934، كانت مغادرته بإرادة منكَ أنت الذي كنت تفتِّح لناظريه جراح المصلوب الوفيرة، تفيض دماؤه بعد 42 سنة بجسد أخيه الأب جرجس حرب السماوي الابتسامة، الشَّمسي الطَّلعة والطَّلة، الحامل قلباً بمساحة مائدة يدعو إلى خبزها وطعامها كل قريب وبعيد، كلَّ وليف وغريب وعابر سبيل. بونا جريس أبن بلدة كفرزينا في زاوية زغرتا، ذو العقل الرسوليِّ المتواصل مع سمو رسالته وبلاغة رسائله مع الطوائف الإسلامية قبل الطوائف المسيحية!
دماء مصلوب محبسة مار بولا قزحيا غسَّلت جسدك الموصوف بهيكل الروح القدس، كما غسلت عيون وقلوب مسقط رأسك وبلدتك ممنع العكارية التي نالت حظها الوافر من دفع مستحقات وزناتها المسيحانية!
ودماء مصلوبك يا حبيس محبسة ملكوت قزحيا صبغت بدم حمل الله الحامل خطايا العالم أجساد شهداء دير جنين السبعة المُكلَّلين بأكاليل ورايات الظَّفر حتى من ليل ذبيحة 21 كانون الثاني من العام 1976 حتى اكتمال أنوار القيامة:
أبراسيدا خوري
أنطونيوس الخوري
أسعد جرجس ملحمة
بطرس نخل
بطرس خوري
عبدالله ليشا ليشا
نجيب جرجس سعد
سلامنا لأرواحكم، ودماؤكم طيوب ميروننا. صلاتكم معنا وشفاعتكم صمودنا وبقاؤنا!
