








هنا رميش، هنا دبل، هنا عين إبل، هنا القليعة، وهنا كل قرى قضاء بنت جبيل، تلك القرى الرامشة على الصمود الكبير، والبقاء المناضل، والتصدي شبه المستحيل لاحتمال وقوع الحرب، لاحتمال تحويل تلك القرى الى منصات لإطلاق الصواريخ، لأرض محروقة بصواريخ إسرائيل، ومع ذلك ما زالت الحياة هناك تنبض بوجود شجعان مقاومين فعليين، باقون في أرضهم كي لا تصبح أرضهم بيوتاً للغربان والغرباء.
قرى حدودية منذ انطلقت حرب 7 تشرين، تحولت الى جمر يتّقد بالخوف والنزوح، وكادت أن تصبح قرى مهجورة أسوة بغالبية القرى المحيطة، لكن قلب الشجعان حوّل تلك القرى الى حكاية صمود ومقاومة.
“عندما بدأت الحرب بـ7 تشرين شعرنا أننا نواجه خطراً كبيراً، إذ في اليوم التالي، بدأ القصف يقترب منا، بيتي مثلاً قريب جداً من الحدود هناك على تلة مواجهة، وصلت مجموعة وأطلقت عدة قذائف وهربت، فجاء الرد من إسرائيل مباشرة، وبدأ القصف باتجاه بلدة عيتا، شعرنا بالخطر الكبير وما يمكن أن ينتظرنا في الأيام المقبلة، وفوجئنا بقصة النزوح السوري، إذ بعدما طال القصف عيتا الشعب، نزح الأهالي باتجاه صور، وبقي نحو ألف نازح سوري، فطردهم “حزب الله” من هناك. أتوا الى بلدتنا وحاولوا احتلال البيوت الفارغة، فتواجهنا معهم وطردناهم، وصرنا نراقب من يدخل ويخرج من الضيعة كي لا نتعرض للسرقات”، يقول غابي الحاج رئيس مركز رميش في “القوات اللبنانية”.
اذاً، فرغت القرى المسيحية أيضاً من ناسها، بعدما كان “حزب الله” أجلى غالبية سكان القرى الحدودية ذات الغالبية الشيعية، ووضعهم في مدارس صور، حيث يتولى مجلس الجنوب تأمين كل احتياجاتهم المعيشية والطبية، بينما بقيت القرى ذات الغالبية المسيحية متروكة في مهب الخوف والإهمال. بدأت البيوت تباعاً تفرغ من أصحابها بسبب القصف الذي يطال دائماً محيط تلك البلدات، وأحياناً تصل القذائف بين البيوت. كان يجب أن يبقى هناك من ينتبه الى الرزق كي لا تتحول البيوت الى مستوطنات للغرباء والسارقين. نزحت النساء والأطفال وبعض من الكبار في العمر، وبقي الشباب متنبهون ليل نهار، يساعدون من لم يتمكن من النزوح باتجاه بيروت.
“بقينا كي لا تصبح قرانا منصات لإطلاق الصواريخ وكي لا تُنهب بيوتنا، وبدأنا بتأمين المساعدات لمن بقي هنا، وحتى للذين نزحوا، وبالتعاون مع بكركي والأديرة والجمعيات الإنسانية وما شابه، نحاول تأمين بيوت لمن يريد النزوح. حتى اللحظة ما التفتت الينا الا الجمعيات التي ترعاها بكركي. الدولة لا تعيرنا أي انتباه وربما لا تعرف بوجودنا أصلاً منذ زمن طويل، وعبر بكركي حصل تحرك كبير باتجاه قرانا وباتجاه التلامذة، وأيضاً عبر كاريتاس التي أنشأت خطاً ساخناً للنازحين ليتمكنوا من الاتصال بها وتأمين احتياجاتهم. بمعنى آخر اطمأن بالنا على النازحين حيث هم، وتولينا نحن أمر من تبقى في تلك القرى. كان عندنا مخزون تجهيزات طبية من زمن كورونا، وما زال صالحاً، مثل بعض الأسرة وآلات الضغط وما شابه، أحضرناها الى مبنى التكميلية التي حوّلناها الى مستشفى ميداني، وذلك بعدما تلوعنا بحرب تموز، اذ كنا نموت ولا نجد مستوصفاً يقدم لنا إسعافات أولية، فقررنا أن نكون جاهزين لكل الاحتمالات الصعبة، وجهّزنا مستوصفاً يحوي كل الأدوية المزمنة وما شابه، واجتمعنا كبلدية وجمعيات وأحزاب، وأنشأنا مع القرى المجاورة لجنة تنسيق لمتابعة كل المواضيع”، يقول الحاج.
شباب، رجال رجال من رميش وعين إبل ودبل والقليعة، باقون صامدون في قراهم مهما حصل، اطمأنوا الى أن العائلات صاروا بمأمن في بيروت والمناطق التي نزحوا اليها، يهتمون ليل نهار بالبيوت التي خلت من ناسها وبمن لم يتمكن من النزوح، كما يحاولون الا تتحول قراهم الى منصات لإطلاق الصواريخ، كما يحصل في قرية القوزح المجاورة، إضافة الى حماية الممتلكات، “لن نقبل أن تتحول قرانا الى منصات لإطلاق الصواريخ ولذلك نطالب الجيش اللبناني الوجود بقوة أكبر هنا بين القرى لحمايتها وتطبيق القرار 1701″، يقول الحاج.
أبناء القرى هناك لا ينعسون ولا ينامون، وإذا أُغمض جفن أحدهم، ثمة جفون كثيرة لا تعرف النوم قبل أن تتأكد أن ليل الضيع آمن بحده الادنى، “لكن مشكلتنا أن اولادنا من دون مدارس، وأصحاب المهن الحرة تعطلت أعمالهم تماماً، وموسم الزيتون كارثة حقيقية، لأن كثراً لم يتمكنوا من القطاف بسبب القصف، ولا أحد يجرؤ على التوجه الى خراج الضيعة حيث البساتين لأنه سيتعرض للقصف حتماً، فتركوا مواسمهم عالقة على أمها ورحلوا وخسروا مورداً أساسياً لهم، ومع ذلك بقينا هنا لنزرع الطمأنينة في قلوب الأهالي، ونحن نتواصل مع الجميع ضمن مجموعات انشأناها عبر الواتساب ليكونوا على بيّنة من كل جديد ويطمئنوا بالحد الادنى. وجودنا هنا عامل أمان لمن تبقى في تلك البيوت ومن نزح عنها”، يقول الحاج.
الوضع العسكري خطير جداً هناك، وشبح الحرب الشرسة يحوم بقوة، لكن ظروف الصمود صعبة والشتاء آت ويحتاج كثر الى مازوت أو حطب للتدفئة، والمجهول القاسي يسكن تلك القرى الحدودية الصامدة منذ سنين وسنين، وستبقى كذلك، لأن “حتى لو اندلعت الحرب سيبقى الشباب فوق العين الساهرة، وما منترك أرضنا لو شو ما صار”، يقول أهل المنطقة. هذه حكاية صمود لا يكتبها الا أبطال مماثلون، وللبطولة أوجه كثيرة، واحدة منها البقاء في أرضنا على الرغم من هول كل تلك الأهوال.
