Site icon Lebanese Forces Official Website

في البدء كان وعد بلفور

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1746

في البدء كان وعد بلفور

هل تدفع حرب غزة الى فك “قواعد الاشتباك”؟

في الذكرى الخمسين على حرب عام 1973 التي انتصرت فيها إسرائيل على أعدائها العرب، أطلقت حركة حماس عملية “طوفان الأقصى”، وهي كانت عملية عسكرية هجومية اخترقت الدفاعات الإسرائيلية ووصلت إلى المستوطنات الإسرائيلية الواقعة في ما يُعرف بغلاف غزة. هدرت الأسلحة وسال الدم، وسقط للإسرائيليين بضع مئات من القتلى معظمهم من المدنيين، فيما ظفرت حركة حماس بعشرات الرهائن، وبسمعة سيئة إضافية في العالم.

حقوق الإنسان… الغائب الأبرز عن الصراع

يبدو الإنسان المدني هو أكثر من دفع وسيدفع ثمن تلك الحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة حماس. فعدا مئات القتلى المدنيين من الجانب الإسرائيلي، لم يتأخر رد هذا الأخير وأوقع آلاف القتلى من سكان قطاع غزة. القصف المركّز على الأبراج والمستشفيات والمساجد دمرها وأوقع قتلى من المدنيين. كل ذلك يخالف اتفاقيات جنيف الأربعة وبروتوكولاتها المكمِلة، والقانون الدولي الإنساني.

لا يسمح القانون باستهداف المدنيين بالمطلق، إلا في حالات نادرة. وهو الأمر الذي لا تطبقه لا حركة حماس ولا إسرائيل على حدٍ سواء. وهذا ما يَبرز من النزاع العسكري الدائر بينهما منذ بداية تشرين الأول 2023، حيث تتلاشى كل القواعد القانونية والقيم الإنسانية أمام وحشية الطرفين. مما لا شك فيه، أن أعمال الجانب الإسرائيلي أكثر شدّة من تلك “الحمساوية”، لا لأن الأول أقل التزاماً بالقوانين الدولية من الثاني، إنما، ببساطة، لأن قوة النار التي تملكها إسرائيل أشد قسوة بعشرات المرّات من تلك التي تملكها حركة حماس.

اشتداد الصراع العسكري مؤخراً لا يعني قرب نهايته، إذ إن الخطة الإسرائيلية الغامضة المعالم تنتهي كلها عند هدف واحد وهو التخلص من حركة حماس وإيجاد نظام بديل في قطاع غزة، وهو الأمر الصعب التحقيق من دون دفع المدنيين لأكلاف باهظة في الأرواح والممتلكات.

وفي الصراع العسكري الأخير يوجد كل شيء تقريباً، إلا تطبيق القانون الدولي الإنساني. أنواع أسلحة جديدة، واستهداف أماكن لم تكن عادة في مرمى النار، وتكتيكات عسكرية مثيرة وتدخل دولي كبير… كل ذلك موجود وبكثرة، فيما الغائب الوحيد هو حقوق الإنسان.

“قواعد الإشتباك” بين “حزب الله” وإسرائيل

دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة الصراع العربي – الإسرائيلي، فيما تحوّلت أراضيه إلى منطلق لعمليات عسكرية ضد إسرائيل وخارج نطاق السيادة وقرار الدولة اللبنانية. لا ضرورة لذِكر كل التاريخ اللبناني المعقد والعلاقة المزعزِعة للاستقرار مع الفلسطينيين، إلا أن الثابت في هذا التاريخ هو التالي: بعد أن كبر حجم اللجوء الفلسطيني إلى لبنان، وقوي عود المنظمات الفلسطينية فيه، راح هؤلاء يخوضون الكفاح المسلح مع الجنوب وفي بيروت وغيرها من المناطق، فقضوا على السيادة واستباحوا الأرض والعرض، فيما إسرائيل ردت عليهم وعلى لبنان في سلسلة طويلة من الحروب التي لا تُعد ولا تُحصى، فخسر لبنان سيادته وأمنه كما خيرة شبابه في آن.

مع تطور الأحداث بين إسرائيل وقطاع غزة، بات “حزب الله” أمام خيارين أحلاهما مرّ وصعب. الأول هو الوقوف كالمتفرج على ما يجري، الأمر الذي يُشكل له إحراجاً كبيراً أمام العنف الإسرائيلي المُمارس ضد الفلسطينيين، فيما الثاني هو الدخول في معركة مباشرة وعالية السقف مع إسرائيل وتحمّل تبعاتها، خصوصاً أن هذه الأخيرة قد حصلت على دعم أميركي وغربي شبه مطلق لـ”مواجهة الإرهاب”.

اختار “حزب الله” الخيار الوسط، من دون الوقوف بموقف المتفرج أو فتح حرب لا حدود لها، فاختار البقاء على التزامه القائم بما يُعرف بـ”قواعد الإشتباك”، وهي تنص على بقاء الاشتباكات بين إسرائيل والحزب ضمن الرد والرد المماثل في القوة والحجم، وتجنُّب استهداف المدنيين أو قصف العمق اللبناني أو الإسرائيلي. وهو الأمر الذي استمر في أول أسبوعين من الصراع.

هذه القواعد قائمة بين “حزب الله” وإسرائيل منذ عام 2006، وأبدى فيها الطرفان التزاماً مطلقاً بها خصوصاً في السنوات الماضية، فيما تجنح التطورات الأخيرة صوب سيناريو مخيف قد يطيح بهذه القواعد ويخلق أزمة عسكرية وسياسية لا أحد يعرف حقيقة شكل نهايتها.

ما المطلوب الآن؟

لم يلتزم “حزب الله” باتفاق الطائف القائل بضرورة نزع سلاح جميع الميليشيات على الأراضي اللبنانية وتسليمها للقوى الشرعية، ولن يلتزم كذلك باتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949 والمذكورة باتفاق الطائف. أما حصرية السلاح فحدث ولا حرج، حيث أبقى “حزب الله” من دون غيره بسلاحه لمواجهة إسرائيل حيناً وبقية اللبنانيين أحياناً أخرى.

على العموم، يبقى أن سوء إدارة “حزب الله” لقوته العسكرية، وسوء حساباته هو ما أدخل لبنان في أتون النار في ذلك الشهر المشؤوم من عام 2006 وربما تدخله أتوناً آخر الآن.

مما لا شك فيه أن أي عاقل لا يقبل بالممارسات الإسرائيلية القائمة حالياً في قطاع غزة، كما لا يقبل أي فرد يتمتع بحد أدنى من الحس الإنساني بالقتل العشوائي للمدنيين من جهة حركة حماس وإسرائيل على حدٍ سواء، إلا أن رمي “حزب الله” لنفسه وللبنان في النار لا يبدو من مصلحة أحد وأقرب إلى الانتحار، خصوصاً وأن الدعم الغربي لأعمال إسرائيل العسكرية والعدوانية يبدو كبيراً جداً في الوقت الحالي.

المطلوب، الكثير من الواقعية والقليل من الشعبوية والرهانات الخطرة من “حزب الله”. التضامن الإنساني مطلوب كذلك، تماماً كما هو العمل الدبلوماسي لإبعاد لبنان عن المأساة والمهزلة والتراجيديا والنار.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version