
كتبت “المسيرة” – العدد 1746
هذا ما قاله شارل مالك عن القضية الفلسطينية
لو سمعَ العرب!
5 آب من العام 1949 وبعد مرور سنة على قيام إسرائيل، رفع شارل مالك تقريراً إلى رئيس الجمهورية آنذاك بشارة الخوري وتناول فيه نقاطاً من المهم تأملها في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي اندلعت في 7 تشرين الأول 2023 إثر قيام حركة حماس بهجوم على مستوطنات غلاف غزة.
في هذا التقرير يتحدث مالك عن “مراحل الحركة الصهيونية” و”أميركا والعالم العربي” و”مصير لبنان”. ثلاثة عناوين ترتبط بالإستراتيجيات الإسرائيلية وانعكاساتها على الواقعين اللبناني والعربي وتعقيداتهما ومعضلاتهما. ماذا في تفاصيلها؟
منذ العام 1949 يقول شارل مالك إن وزن العرب في أميركا لا يساوي شيئاً بالنسبة إلى الحركة الصهيونية، لذلك حين تتصادم المصلحة الإسرائيلية مع المصلحة العربية ستقدم الولايات المتحدة المصلحة الإسرائيلية.
قبل أكثر من 60 عاماً ينصحنا شارل مالك بأن لا نغتر بمواردنا الطبيعية، خصوصاً النفط، وموقعنا الاستراتيجي، لأنهما من العوامل التي يمكن التغلّب عليها. فالرهان فقط على الإنسان، ولن يكون للعرب وزن إلا إذا أصبح الإنسان العربي مؤهلاً لأن تستشيره الحكومات الغربية في الصناعة ومختلف العلوم، وأن يصبح نتاج المفكر العربي والعالم العربي موضوع تدريس في جامعات الغرب، وفي ذلك الوقت تنبّه مالك إلى أهمية الدعاية والإعلام، مع أنه لم يرَ مطلقاً ثورة الاتصالات الراهنة.
بالمباشر قالها مالك عام 1949 “لن نستطيع أن نكب الصهاينة في البحر”، لا في العام 1949 ولا في المستقبل المنظور. فمن حيث المبدأ لن يستطيع العرب خوض معركة تحرير فلسطين وحدهم.
راهن شارل مالك على الولايات المتحدة على الرغم من قوة اللوبي الصهيوني، وتفاءل أكثر بدور أوروبي، وطالـب العرب بالانفتاح على الهند، لكنه كان حذراً، وبضراوة، من أي تحالف عربي ـ روسي.
أهم عوامل تحرير فلسطين، كما قال مالك، كامن في النهضة العربية. هناك حاجة إلى تقوية الجيوش العربية وتطوير الجامعة العربية لتصبح حلفاً، لكن الأهم في كل ذلك هو تطوير الإنسان العربي.
يبدأ مالك تقريره بعرض وصفي للأوضاع العربية فيقول: “كانت القضية الفلسطينية ولا تزال، أخطر قضية عربية على الإطلاق، ومآلها بالتالي هو مآل العالم العربي بكامله، ونكبة فلسطين هي صورة جلية للنكبة العربية، والضعفات التي ولّدت الفشل العربي في فلسطين، هي عين الضعفات التي ولّدت وتولّد الاندحارات الشاملة في العالم العربي”.
يتابع: “كل ما حصل حتى الآن في فلسطين وبصدد فلسطين، ليس سوى بداية، أما الخاتمة، فإما ستكون محق العالم العربي واستعماره من قبل اليهود، أو نهوضه من جديد عالماً عصرياً محترماً ومشتركاً مع الحضارات الحية في خلق القيم وصيانتها. ومهما يكن من أمر، فالمستقبل القريب سيكون أكثر ظلامة من الحاضر وأقوى خطراً من الماضي”.
لماذا المستقبل أكثر ظلامة وأقوى خطراً؟
يشرح شارل مالك تفاصيل ذلك بالقول: “دخول إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة، ليس عملاً تقف عنده مطامع اليهود وينتهي به خطرهم، ودولة إسرائيل بوضعها وحدودها الحالية، ليست مستقراً للقوة اليهودية الغازية، بل هي مركز تجمّع لها وتربة لنموها، ونقطة لانطلاقها وتوثبها على الأقطار العربية المتاخمة فالنائية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وليست عديمة المعنى أو ضئيلة المغزى أقوال اليهود: سيكون في العالم بعد خمسين سنة دولتان فقط: أميركا وإسرائيل، وفي هذه الأقوال ما هو حري بالتفحّص والاكتراث”.
وماذا عن تلك الأخطار؟
بحسب مالك، فإن “المرحلة التي انتهت بنشوء إسرائيل، هي توطئة للمرحلة التكميلية التالية، التي تهدف إلى استعمار واستعباد العالم العربي بالفعل، وفي هذه المرحلة سيُعمل على التأهب للتوسّع في العالم العربي وتعميق الاستيلاء على مقدّراته”.
أين الولايات المتحدة الأميركية من ذلك؟
“يجب تفسير مشاريع المساعدة والتنمية التي تصدر عن أميركا بأنها في الغالب، جوائز ترضية مغرية للشعور العربي المنفعل، وتهدئة ظاهرها ينم عن عطف على العالم العربي واهتمام بتقدمه، وباطنها يربط التقدم العمراني العربي باستتباب الدولة اليهودية، ويجعل الأول مشروطا بالثاني”.
ما الإستراتيجيات الإسرائيلية المقبلة؟
يجيب شارل مالك عن هذا السؤال بالقول: “لقد نجح الصهيونيون، بيد أنهم لن يقنعوا بهذا النجاح الجزئي، لأن مطامحهم لن تنتهي عند الرقعة من فلسطين التي استولوا عليها، وأما المرحلة الثانية فهمّهم أن يبرهنوا أنهم هم المختارون لإنماء الشرق، وأنهم هم القوة الحقيقية فيه، وهم ممثلو مصالحه ومقررو إرادته، وفلسطين بكاملها لا تكفي حاجات اليهود، فإسرائيل تريد السيطرة على العالم العربي، وتريد أن تكون وريثة جميع عهوده السابقة، فكما أنه عُرف مرة، كله أو جزؤه، بالعهد الروماني، أو البيزنطي، أو العربي، أو التركي، أو عهد الانتداب، هكذا تريد الصهيونية أن يُعرف في عهده العتيد بالعهد الإسرائيلي، فالعالم العربي هو المدى الحيوي للصهيونية، وأقول: إذا ظل هذا هو الحال في العالم العربي (الترقيع، السطحيات، التفكك، النشوة بالماضي، السياسات المرتجلة، عدم الإصلاح الصادق)، فإنني أجزم بأن مستقبلنا هو استعمار واستعباد من قبل اليهود، ولن يحزن على استعبادنا أحد”.
هل يوجد ما هو أكثر خطراً؟
وفقا لما ورد في هذا التقرير التنبؤي، يوجد من الأخطار والمخاطر ما لا يمكن عدّه ولا حصره، ومن هذه المخاطر، على ما يقول شارل مالك، “سيأتي يوم، وقد يكون قريباً إن لم يكن حاضراً، لا يُحل فيه ولا يُربط في العالم العربي شيء إلا برضى اليهود، ويكون عندذاك أن الحكومات والنظم والأشخاص، تثبت أو تُقلب، بناء على رضى اليهود أو غضبهم، فرئيس دولة أو رئيس حكومة، ينهض أو يسقط، لأن تل أبيب ومن ورائها اليهودية العالمية المتمركزة في نيويورك وغيرها من العواصم الغربية، أرادت نهوضه أو سقوطه”.
وماذا بعد في جعبة الأيام؟
يكمل مالك ويقول: “سيأتي يوم ينجح فيه اليهود في إقناع الغرب وإقناع بعض سياسيينا ومفكرينا نحن، أنهم هم واسطة الاتصال بين الغرب والشرق الأدنى في الاقتصاد والعمران والثقافة والسياسة، وسيأتي يوم تصبح فيه المشاريع الاقتصادية والتعميرية والخطط الإنقاذية كافة، مستندة في أساسها إلى الإرادة اليهودية، رامية إلى إرغام العرب على الاعتراف بإسرائيل والتعاون معها، وستكون هذه المشاريع مركّبة بشكل يؤدي في الدرجة الأولى إلى ترسيخ أركان إسرائيل وجعلها حجر الزاوية في بنيان الجهاز الاقتصادي وركن التقدم العمراني في الشرق الأدنى”.
كيف يمكن مواجهة هذا التحدي؟
يربط شارل مالك عوامل مواجهة التحدي الإسرائيلي المدعوم من دول الشرق والغرب، بضرورة قيام حركة إصلاحية تحررية على المستوى العربي العام، وفي هذا المجال يتساءل: “أين يمكن لهذه الحركة التحررية الإصلاحية أن تنشأ في العالم العربي؟ إنني أشك جدًا في أن أيًا من البلدان العربية يستطيع أن يكون السبّاق، أو أن يكون حامل مشعلها إلى البقية الباقية من البلدان العربية، بقي أمامنا بين الدول العربية كلها لبنان وسوريا. إنني أجزم بأن هذه النهضة المرجوة لن تقوم إلا في لبنان أو في سوريا أو في لبنان وسوريا، فهل يعي لبنان مسؤولياته في هذا الحقل، وهل هو مستعد للتعاون مع النظام السوري الجديد، من دون التفريط في أي من حرياته وفي استقلاله؟”.
أي نصائح إلى لبنان واللبنانيين؟
“ثمة خطر، هو أن يحصل اتفاق خفي بين إسرائيل وبين بعض اللبنانيين قصيري النظر، فيحدثوا انقلاباً موالياً لإسرائيل، لكن انقلاباً كهذا، يجرّ حتماً إلى فوضى، فتدخل سوري، فتدخل إسرائيلي، وبالتالي إلى حرب جديدة، ولن يكون لبنان الكاسب فيها على الإطلاق”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]