






هنا، أنت قريب من الله، هنا أنت قريب من السماء، تشمّ رائحة البخور الذكية التي تعبق في المكان وتشعر بالقداسة أينما مررت. هنا، للوطن معنى آخر، للتاريخ طعم جميل. بين أغصان هذه الشجرات الخالدة، من عمر لبنان وتاريخه، تتجسد قضية اللبنانيين وصمودهم، فالأرزة الشامخة في وجه غدر الدهر وعواصف الطبيعة وثلوجها، خير مثال على اللبنانيين الصامدين الذين استشهدوا لتبقى أرزاتهم التي شغلت أساطير الزمان شامخة ويبقى وطنهم مصاناً.
ورد في “سفر أيّوب” الفصل الأوّل، (4 – 5: 1) أنَّ آدم اتخذ غابة الأرز مقاماً خاصاً له، يقدم فيها القرابين عنه وعن بنيه. إذاً، ارتبط اسم أرز لبنان وتحديداً أرز الربّ، منذ أقدم العصور، بالحكايات والرموز الإيمانية، وروت الأساطير القديمة أن آلهة الأرض هالهم أن يتركوا جبل لبنان من دون حارس يدافع عنه إذا اشتدّ الخطر، فاتفقوا على أن يكون أرز الرّب هو الحارس الأمين. وهكذا، كلّما “دقّ الخطر على الأبواب”، ترى الأرز ينتفض ويثور لحماية لبنان وشعبه.
قصتنا والأرزة اليوم لا تعود الى العصور القديمة، إنما الى 40 سنة مضت، اي الى العام 1983 حين دمّر انفجار إرهابي مقراً لقوات المارينز الأميركية، مخلفاً 241 شهيداً، إضافة الى مبنى “دراكار” الذي أودى بحياة 58 شهيداً من المظليين الفرنسيين.
وإيماناً من اللبنانيين بقدسية دماء من سقط على أرضهم دفاعاً عن الحرية والسلام والإنسان، بادر لبنانيون في فرنسا الى تكريم شهداء الجنود الفرنسيين الذي سقطوا في لبنان في تفجير “دراكار” في العام 1983 وتخليد ذكراهم، في واحدة من أهم المعالم التاريخية والوجودية في لبنان، ألا وهي غابة ألأرز في بشري.
إذاً، الموعد في أرز بشري كان منذ أيام بمبادرة من الرفيق روجيه بونادر، وحضور رئيس بلدية بشري فريدي كيروز، ورئيس الاتحاد الوطني للعمليات الخارجية ورئيس جمعية جنود السلام الدولية المقدم لوران عطار ـ بايرو، ولجنة أصدقاء غابة الأرز، وقائد منطقة الشمال العميد الركن نجيب بولس ممثلاً قائد الجيش العميد جوزف عون، وممثلين عن المؤسسات العسكرية والمدنية والدينية وفعاليات بشري، أقيم أول نصب تذكاري رسمي على الأراضي اللبنانية لشهداء فرنسا والسلام في لبنان. 153 أرزة زرعت باسم 153 جندياً فرنسياً ضحوا بحياتهم لإعطاء الأمل والسلام، وتم إزاحة الستار عن النصب التذكاري، واقيم قداس إلهي في غابة أرز الرب الدهرية ترأسه وكيل وقف أرز ـ التجلي الأب شربل مخلوف.
“كانوا جميعاً متطوعين. ماتوا لأنهم أحبوا لبنان ولأنهم أحبوا اللبنانيين وبالتالي، لم يعودوا جنوداً فرنسيين فقط بل صاروا شهداءنا”، يقول بو نادر.
الفكرة بدأت من رغبة القوات اللبنانية في فرنسا تكريم هؤلاء الجنود، فيحتفلون سوياً بقداس الشهداء السنوي. أمن روجه بونادر التواصل بين قدامى المحاربين الفرنسيين ولجنة أصدقاء غابة الأرز، وبعد سنتين من المتابعة والتنسيق والعمل، “نفذ الأمر”.
إذاً، اقيم في غابة أصدقاء أرز لبنان، على مشاعات بلديّة بشري ما بات يعرف بغابة “الذاكرة والتضحية”، باﻹضافة إلى ذلك، تدرس لجنة أصدقاء غابة الأرز امكانية تحويل بيت العرابين مكتباً سياحياً لكافة منطقة الأرز لأنه منطقة وسط لاستقبال الحجّاج للّذين سيقصدون الغابة لمعاينة أرزة شهيدهم التي ترمز إلى ديمومة الخلود والشهادة المغروسة بالدمّ. وذاك بدعم من حزب القوات اللبنانية في بلاد الانتشار والجمعيات الفرنسية.
يبدو أن المشروع لن ينتهي عند هذا الحد. الأفكار عديدة للسنوات القادمة. وفد من قدامى الجيش الفرنسي يزرع 58 وردة “دراكار” خصصت لتخليد ذكرى رفاقهم ورفع العلم الفرنسي على النصب التذكاري، كما يأمل المقدم عطار ـ بايرو، الذي سيعمل على إقناع مشاة البحرية الأميركية واليونيفيل بالقيام بالشيء نفسه، فيصبح عدد الأرزات 750 أرزة لـتكريم 750 جندياً سقطوا من أجل السلام في لبنان، كي يستريحوا في ظل أرز الربّ الأزلي، وانطلاقاً مما تقدم، تخصص غابة يطلق عليها اسم “غابة الأمم المتعددة الجنسيات”، حتى يتمكن أصدقاء غابة “الذاكرة والتضحية” من تبني أرزة لهم أو لرفاقهم. “إنه لشرف لنا أن نستقبلهم مع شهدائنا. دعونا نصلي للرب يسوع كي يتم استقبالهم مع الشهداء والقديسين إلى جانبه”، يقول بو نادر.
رئيس بلدية بشري فريدي كيروز، تحدث عن دور البلدية والبروتوكول الذي اعتمدته لتنظيم هذه المناسبة، لافتاً الى أنه بعد غرس شجرات الأرز باسم الجنود الفرنسيين وزعت لهم الشهادات.
ويشير في حديث الى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أهمية هذا الاحتفال، وارتباطه بالفرنسيين، بحيث بات الأمر سياحياً لاستقطاب شريحة كبيرة من الراغبين بزيارة “أرزهم”، مذكراً بأنه في أيلول من كل عام، يُقام يوم العراب، وهو يوم يجتمع فيه كل من غرس أرزة في أرز الرب للاطمئنان الى زرعه.
يضيف: “نحن نقدر الشهادة ويجب تكريم كل شخص كان حاضراً للدفاع عن أرضنا ووجودنا وكياننا، ومن هذا المنطلق وافقنا كبلدية على أن تصبح قطعة الأرض هذه بتصرف المُكرمين الفرنسيين. نحن لا ننكر فضل أي شخص قرر الدفاع عن لبنان، كيف بالأحرى إذا كان من نكرمهم سقطوا لأجلنا وللسلام في وطننا”.
رئيس لجنة أصدقاء غابة الأرز بيار كيروز يتحدث بدوره عن تاريخ وعمق العلاقات اللبنانية – الفرنسية، مشدداً على ضرورة الاستمرار بهذا النهج، لما فيه خير البلدين. وإذ يشير في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الالكتروني الى أن التحضيرات لتكريم شهداء “دراكار” استغرقت أكتر من 500 يوم، يشدد على أن أهمية هذا الحدث تكمن بمدى ارتباطه بمجد الأرزة الأبدي، وبالتالي من تغرس الأرزة على اسمه يبقى “خالداً” خلودها، والعلم اللبناني خير مثال على تاريخ لبنان وأرزه الخالد، لافتاً في المقابل الى أن أهمية ما جرى مرتبط الى حد بعيد بكون معظم الذين سقطوا من الجنود الفرنسيين هم من المتطوعين، وأقل الإيمان تخليد ذكراهم.
Pour lire l’article en Francais, cliquez sur le lien suivant:
“Spécial – Le cèdre du Seigneur étreint la France… “mission accomplie
