
يضاعف توالي دعوات السفارات الأجنبية والعربية في لبنان لرعاياها إلى مغادرة أراضيه، على خلفية الحرب في غزة بين إسرائيل وحماس وتصاعد التوترات على الحدود الجنوبية بين إسرائيل و”الحزب”، المخاوف من توسع دائرة الحرب لتشمل كل لبنان. وشكّل إعلان وزارة الخارجية البريطانية، قبل يومين، عن سحبها موقتاً بعض موظّفي السفارة البريطانية من لبنان، وتجديدها النصيحة للبريطانيين بعدم السفر إليه وحضّ الموجودين فيه مجدداً على المغادرة، عامل خوف جديد يضاف إلى تحذيرات السفارات الأجنبية والعربية السابقة.
إعلان الخارجية البريطانية حول بعض موظفي السفارة البريطانية في بيروت وتحذيراتها المتجددة لرعاياها لمغادرة لبنان، سبقه منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب في غزة وبدء الإشتباكات على الحدود الجنوبية اللبنانية مع إسرائيل، تحذيرات من غالبية السفارات الأجنبية والعربية إلى رعاياها لمغادرة لبنان فوراً وتجنب السفر إليه، ومنها: سفارات الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وأستراليا، وكندا، وهولندا، وأوكرانيا، والسعودية، والكويت، والبحرين، وسلطنة عمان، وغيرها من السفارات الأجنبية والعربية التي حذرت رعاياها من أن وتيرة الاشتباكات في المنطقة الحدودية الجنوبية قد تتصاعد في أي وقت.
رئيس جهاز العلاقات الخارجية في القوات اللبنانية الوزير السابق ريشار قيومجيان، يشير إلى أنه “منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب في غزة بين إسرائيل وحماس وبدء التوترات على الحدود الجنوبية اللبنانية، كان من الطبيعي أن تلجأ الدول الأجنبية والعربية التي لديها رعايا في لبنان إلى خطوات استباقية لحماية رعاياها”، لافتاً إلى أن “سفارة الولايات المتحدة في بيروت، على سبيل المثال، أعطت الحرية لموظفيها غير الأساسيين بمغادرة لبنان إذا رغبوا بذلك، وكذلك فعلت غيرها من السفارات”.
قيومجيان يوضح، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “السفارات تتخذ عادة إجراءات استباقية مماثلة بموجب تصنيف معيّن. فالسفارات الأجنبية والعربية تركز أولاً على رعاياها واستباق مخاطر تعرّضهم لأي أذى محتمل، ولا تريد مواجهة أي ارتباك أو مشاكل في استقدام بواخر وطائرات لإخلائهم بحال وقعت حرب مماثلة لحرب الـ2006، وذلك في إطار تخفيف الأعباء عنها. علماً أن هناك أعداداً كبيرة من الرعايا الأجانب يحملون جنسيات مزدوجة، لبنانية وأجنبية، (أميركيون لبنانيون، وفرنسيون لبنانيون، وألمان لبنانيون، وغيرها)”.
“بالتالي، الخطوات التي تتخذها السفارات الأجنبية والعربية على هذا الصعيد، هي إجراءات لوجستية استباقية وطبيعية”، وفق قيومجيان، الذي يضيف: “أما في القراءة السياسية، ممّا لا شك فيه أن سفارات هذه الدول ولحماية رعاياها وموظفيها، ترى أن الحالة لم تستقر على ستاتيكو معيّن”، لافتاً إلى أن “بعض السذج الذين اعتبروا أن خطاب الأمين العام لـ”الحزب” حسن نصرالله الجمعة الماضي سيكون نقطة تحوّل ومحطة أساسية في الصراع، اكتشفوا أن خطابه لم يكن كذلك، بل أكد على ما يسمّيه قواعد الاشتباك التي اخترعها بنفسه، وعلى إبقاء الاحتمالات مفتوحة بانتظار التطورات”.
قيومجيان ينوّه، إلى أن “كل هذا الجو يحتّم على السفارات الأجنبية والعربية أن تأخذ إجراءات لحماية رعاياها. أما هل يمكن أن تذهب الأمور نحو تصعيد أكبر؟ كله وارد، لأن عوامل الانفجار لا تزال قائمة”، لافتاً إلى أنه “في الحروب إجمالاً، ولو كانت رغبة المتحاربين إبقاء درجة القتال على مستوى معيّن، غير أن المسألة يمكن أن تفلت من أياديهم في أي لحظة. فعلى سبيل المثال ربما قذيفة تتسبب بمقتل 20 شخصاً وتكون شرارة لتوسيع إطار الحرب، وتستجر فعلاً وردة فعل لا يمكن التحكم بها وتتجه الأمور إلى قتال أوسع وحرب أشمل”.
بالتالي، يضيف قيومجيان: “سفارات هذه الدول ترى أن الوضع بمجمله غير مستقر على ستاتيكو معين ولا يزال متحركاً بشكل كبير، والتطورات متلاحقة بشكل يومي وعلى مدار الساعة”، مشيراً إلى أن هناك “سؤالاً أساسياً مطروحاً يحدد ربما وجهة الحرب: هل إيران والحزب جدّيان عندما يقولان إن هناك خطاً أحمر في غزة هو منع سقوط حماس وسيتم تصعيد الحرب بحال كان هناك خطر جدي بحصول ذلك، أم أن حماس ستسقط ولن ينفذا تهديدهما”.
هنا السؤال، برأي قيومجيان: “هل موقف إيران والحزب تجاه التصعيد بحال الخطر على سقوط حماس في غزة، هو في سياق المناورة وتعزيز أوراق التفاوض في الكواليس والقنوات الخلفية مع الأميركيين والمجتمعين الدولي والعربي بما يخدم مصالحهما وأدوارهما المستقبلية؟ علماً أن ما طرحه نصرالله باسم طهران حول الاحتمال الآخر بأنه سينخرط أكثر في الحرب بحال هجمت إسرائيل على لبنان بعملية برية، مستبعد حتى الآن وغير مطروح حالياً، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لعدم توسيع رقعة الحرب وتجنيب لبنان”.
قيومجيان يختم، موضحاً أن “مجمل هذا الوضع يحتّم على سفارات الدول الأجنبية والعربية أخذه في الاعتبار، والقيام بحماية رعاياها ودبلوماسييها وموظفيها، والطلب إلى مواطنيها بتجنب السفر إلى لبنان والموجودين فيه مغادرة الأراضي اللبنانية، في ظل هذه الظروف واستمرار التوترات وتطور الأحداث في غزة وعلى الحدود الجنوبية اللبنانية”.
