#dfp #adsense

غزّة تعرّي الممانعين الذين لم يتلبننوا بعد

حجم الخط

 

كشفت  أحداث غزّة زيف كثيرين، وأوّلهم الأمين العام لمنظّمة حزب الله اللبنانية. حيث لم يوفّر أي فرصة لربطها بالصراع الاقليمي، وآخر التجليات برزت فيما بات يعرف بنظريّة «وحدة الساحات». وها هي حرب غزّة تلامس الشهر على انطلاقها في السابع من تشرين الأوّل ٢٠٢٣، وكلّ ما قامت به هذه المنظمة لم يتعدَّ المناوشات الحدوديّة. فما نفع ترسانتها المسلّحة؟ وهل يمكن لهذه الترسانة أن تغيّر المعادلة الميدانيّة؟ أم دورها فقط للردع، هذا إن حصل؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ تداعيات الحرب الاسرائيليّة-الغزّاويّة ستكون كبيرة على المنطقة برمّتها؛ ولاسيّما مع ورود أخبار عن احتمال تعدّيها ساحة الصراع لتشمل الدول المحيطة، حتى لو لم تكن هذه التداعيات ميدانيّة حربيّة. وقد أشارت بعض المصادر إلى أنّ حدود بعض الدول قد تتغيّر إن زجّت نفسها في أتانين هذه الحرب. ولا يبدو أنّ لبنان سيكون بمنأى عن هذا الصراع، مع العلم بأنّه قد دخل ميدانيًّا عبر  المناوشات الحدوديّة التي تجاوزت حدّ المناوشة لتصبح حربًا مضبوطة الايقاع بحسب ما يعتبرها بعض الخبراء العسكريّين.

لكنّ هذه الحرب تُحاذر فيها منظمة حزب الله استخدام ترسانتها العسكريّة بشكل كامل، وقد يكون ذلك نتيجة استراتيجيّات عسكريّة لهذه المواجهة؛ بل اكتفى أمينها العام بالتلميح ككلّ مرّة عن امتلاكه أسلحة لكلّ الحالات؛ وآخر إعلاناته امتلاكه ما يسمح له بمواجهة حاملات الطائرات الراسية في المتوسّط. كما سبق وأعلن عن امتلاكه سلاحًا للجوّ في مرحلة سابقة، ليتبيّن اليوم ذلك من خلال المسيّرات التي يتمّ إطلاقها انتحاريًّا فوق أهداف عسكريّة رصدتها للعدو الاسرائيلي.

إلّا أنّ التجارب مع هذا العدو الذي لا يميّز بين سيّارة تقلّ أطفالاً أو سيّارة إسعافٍ تنقل مصابين، أو حتى بين طاقم صحافيّ ينقل الخبر، قد أثبتت عدم فعاليّة نوعيّة هذه الأسلحة التي ممّا لا شكّ فيه أنّها سبّبت إرباكًا له، وألحقت به بعض الأضرار. لكنّ الإشكاليّة الكبرى تكمن فيما بعد إلحاق الأضرار المحدودة نوعًا ما بهذا العدوّ الذي لا يرحم.

السؤال الذي يطرح اليوم، بعد السابع من تشرين، ماذا حلّ بالغزّاويّين بعد عمليّة طوفان الأقصى؟ وماذا حلّ بالجنوبيّين بعد عمليّة إطلاق الصواريخ التي بمعظمها كانت عشوائيّة، أو على الأقلّ لم تصب أهدافًا استراتيجيّة؟ يكفي أن نراقب حجم الدمار الذي تمّ إلحاقه بقطاع غزّة، وعدّاد الضحايا الذي ما زال حتّى الساعة بتصاعد هستيريّ، إضافةً إلى الأراضي الحنوبيّة التي تمّ إحراقها بالفوسفور المخظّر استعماله دوليًّا، وعدد النازحين من أبناء القرى الحدوديّة الذي يتزايد يومًا بعد يوم، حتى كادت معظم هذه البلدات أن تتحّول إلى ميادين للأشباح. ومَن قرّر البقاء في قريته تحوّل بإرادته إلى هدفٍ مشروعٍ بحسب حسابات هذا العدوّ الذي لا رحمة في قلبه.

أمام هول الدمار ولا- إنسانيّة هذا العدوّ تُطرَحُ إشكاليّة نوعيّة هذا السلاح الذي إن حقّق خرقًا في مكانٍ ما، يأتي الردّ بالتدمير الساحق والماحق، من دون أي مراعاة لأي اعتبارات إنسانيّة. فما الجدوى من هذه الترسانة التي شنّفت آذاننا منظّمة حزب الله بنوعيّتها، وبأنّها نجحت بتشكيل قوّة ردع بينها وبين هذا العدو النّووي؟ لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا السلاح قد نجح بقلب المعادلات السياسيّة في الداخل اللبناني، وانقلاب السابع من أيّار في العام ٢٠٠٨ خير دليل. هذا من دون  الحديث عن كلّ الاعتداءات التي تلَت، وليس آخرها حادثة الاعتداء على أعالي عين الرمانة في ١٤ تشرين الاوّل ٢٠٢١.

هذا كلّه يفي إلى استنتاج وحيدٍ وهو أنّ هذا السلاح لا دور له في قلب المعادلات الاقليميّة وفي الصراع العربي- الاسرائيلي سوى التهويل والترهيب، فيما يخضع عند أوّل ترغيب يقدّمه له هذا العدوّ. ودليلنا في ذلك ما حدث في ٢٧ تشرين الأوّل من العام ٢٠٢٢ فيما عُرِفَ باتّفاقيّة الترسيم البحري. هذه الاتّفاقيّة التي لا تقلّ عن كونها اتّفاق سلامٍ صامتٍ وقّعه العدو الاسرائيلي بسعي من حليفه السرمدي، أي أميركا؛ فيما اعتبرته منظمة حزب الله كسرًا للعدوّ الاسرائيلي والشيطان الأكبر، وانتصارًا لاستراتيجيّة المواجهة التي تخوضها.

لكنّ الواضح في ذلك كلّه سرعان ما طهر للعيان من خلال إيقاع المواجهة العسكريّة الذي ما زال حتى الساعة مضبوط الايقاع، وبالتحديد على ساعة هذا الاتفاق الصامت. على الأقلّ حتى ساعة كتابة هذه السطور، لأنّ أمين عام هذه المنظمة ترك الأمور كلّها مفتوحة، وحاول أن يوهم الناس بربط النزاع الحدودي مع مدى فداحة الحرب في الميدان الغزّاوي. لكأنّه ينتظر هذا العدو أن يستخدم سلاحه النّووي ليتجاوز عدد الضحايا المليوني ضحيّة !

لقد كشفت حرب غزة زيف محور الممانعة حيث سارع أمين عام منظمة حزب الله في خطابه الأخير لتبرئة الجمهورية الاسلاميّة في إيران. إضافةً إلى عدم ردّه بطريقة فعّالة على اعتداءات العدو. وهذا ما أسقط بدوره فعاليّة هذا السلاح، وعدم قدرته على مواجهة العدو ميدانيًّا، لأنّ حجم الخسائر يفوق بكثير النتيجة التي قد يخرج منها لبنان. ودليلنا في ذلك الخسائر الفادحة التي مُنيَت بها الدولة اللبنانيّة بعد حرب تموز ٢٠٠٦؛ بغضّ النّظر عن إعلان أمين عام المنظمة نصره الإلهي. فهذا المبدأ الإيديولوجي، لن يتمكّن المحور من صرفه ميدانيًّا في ظلّ تزايد عدد الضحايا وعدم توقّف آلة القتل الاسرائيليّة؛ معطوف على ذلك الدعم الدولي غير المسبوق لإسرائيل كدولة، بنظر المجتمع الدولي، تواجه منظّمة إرهابيّة.

فحتّى نظريّة الردع بات فشلها مكشوفًا، ولم يعد ينطلي على أحد زيفها. لذلك كلّه، إن أرادت منظمة حزب الله العودة، فلا سبيل أمامها إلا الدولة اللبنانيّة، لأنّ أسيادها في الجمهورية الاسلاميّة سرعان ما سيقدّمونها أضحية سمينة وثمينة على مذبح المصالح الدوليّة الجيو- إقتصاديّة؛ تمامًا كما قدّموا حركة حماس، غير آبهين بأطفال فلسطين أو حتى بأطفال لبنان. فالحلّ الوحيد الذي لن تتمكّن منظمة حزب الله من تجاوزه يكمن في العودة إلى الدولة اللبنانيّة. وذلك لن يكون إلا بتطبيق القرار ١٧.١، ونشر الجيش على الحدود اللبنانية كاملةً، جنوبًا وشرقًا وشمالاً.

ولا ضمانة للبنان الدولة والمؤسسات وسط هذا الصراع الحضاري إلا بتوجيه مذكرة واضحة إلى الأمم المتّحدة تدعو بوساطتها الكتل النيابية والأحزاب السياسية والفعاليات الروحية والمجتمع المدني إلى اعتماد الحياد الايجابي الناشط والفاعل كضامن لأي نظام سياسي قد يقوم في المرحلة الجديدة؛ قاعدته الانطلاق من اللامركزية الموسّعة المنصوص عليها في دستور الطائف، بعد تنفيذ فوريّ للقرارات الدّوليّة ذات الصلة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل