رؤساء من زمن الاستقلال.. أين هم؟

حجم الخط

عيد الاستقلال. أو لنقل ذكرى استقلال ورجالات عبروا بالوطن منذ ذاك الـ 22 تشرين الثاني من العام 1943. صغاراً لم نكن نفهم الأبعاد الوطنية لتلك الذكرى، كنا نفرح بيوم عيد الاستقلال لأنه عطلة دراسية، والأهم لأنه يوم تلفزيوني طويل، يبدأ بالعرض العسكري دائماً، ويتخلله أغان لفيروز وصباح ووديع الصافي وما شابه. نجلس في البيت، نتسمّر على وقع هدير الصوبيا أمام الشاشة بالأبيض والأسود، إذ تأخرت الألوان الطبيعية “سيكام” لتصل الى ضيعتنا، نلتهم أطايب أمي ونغني “تسلم يا عسكر لبنان يا حامي استقلالنا”، لم نكن نفهم معنى العيد ولم نكن نعلم ما ينتظرنا من قهر ومعاناة ونضال لأجل ذاك الاستقلال، الحلم المستحيل حتى اللحظة.

إذاً هو ذكرى، أو لنقل محطة تاريخية مفصلية، عبرت بلبنان من الانتداب الفرنسي الى الاستقلالية ولو كانت نسبية، أصلاً لم نعش يوماً ذاك الاستقلال الشاعري الحالم بكل أبعاده، خصوصاً أن قلة هم رؤساء الجمهورية الذين جعلونا نعيش كرامة الجمهورية الفعلية، وذاك الشعور العالي بالعنفوان والحرية. قلة قلة من بينهم من جعلنا نؤمن بوطن حر وكيان مستقل اسمه لبنان، وهؤلاء لمّا رحلوا، رحل معهم الكثير من ذاك اللبنان الحلم.

لم نعش مثلاً زمن كميل شمعون، الرئيس الثاني للجمهورية بعد بشارة الخوري، صاحب الحضور الآسر، انما قرأنا وسمعنا مَنْ عاصره وعايشه رئيساً وكتب عنه. في كتب تاريخ لبنان الحديث، من عاصر زمن الخمسينات مع الرئيس الوسيم، عاش أحلا الأيام وأكثرها إشراقاً وازدهاراً على لبنان، عهده كان للإنجازات، من المطار الى المرفأ الى معامل الكهرباء والمؤسسات والمصارف وما شابه، عهد أرسى أسس الاقتصاد القوي وجعل لبنان يتربع على قائمة أكثر الدول نمواً وتقدماً. صحيح أنه عرف انتكاسة على اثر ثورة الـ58 ولكنه كان رفع لبنان الى مصاف الدول المتقدمة، وترك جمهورية قوية بحضورها ونموها واقتصادها وفنونها ومهرجانات بعلبك تلك وكل ذاك الألق والجمال والرقي، دولة قالت لدول العالم قاطبة “أنا هنا” واستحقت أن تحتفل فعلاً بالاستقلال عيداً.

رئيس لبناني آخر، لعله كان من أنظف الرؤساء وأكثرهم نبلاً، الياس سركيس، ذاك القادم من حاكمية مصرف لبنان، جابهته الحرب اللبنانية العبثية، جابهه حافظ الأسد ذاك الذي كان بدأ يحكم قبضته على لبنان، تعرّض للكثير من التهديدات والإهانات والظلم من غالبية الشعب اللبناني، ولم يحقد، كان يعاني بصمت كبير، وأكبر معاناته عجزه عن إيقاف الحرب ليتمكن من النهوض بلبنان، ومع ذلك حافظ عهده على قيمة الليرة اللبنانية، وحافظ على أبسط قواعد الاقتصاد اللبناني، وعلى الرغم من كل المصائب بقي لبنان الكيان، ولم ينصفه الشعب الا بعدما عاصر رؤساء أقل ما يمكن وصفهم بالفاسدين المتواطئين، ومع سركيس ورغم كل شيء بقي وميض عيد الاستقلال.

لو حكم بشير الجميل لكان الاستقلال عيد أعياد اللبنانيين. لكان استرجع لبنان هيبته وكرامته وقراره الحرّ، ولكان رحل فراراً الاحتلال السوري والجماعات الفلسطينية المسلحة، خوفاً من هيبة الرجل وشجاعته وقوة حضوره، وتلك الكاريزما المخيفة التي جعلته يهيمن على المشهد السياسي، بعدما خلع بدلته العسكرية ليكون رئيساً للجمهورية الحلم تلك، التي صنعها في 20 يوم ويوم.

لم يمر في التاريخ الحديث رئيس مثل بشير الجميل، وقد تمر أعوام طويلة بعد قبل أن يتكرر رجل مماثل. فرض هيبته على الدولة وكان بعد رئيساً منتخباً، حكم قبل أن يحكم، حقق الاستقلال الفعلي ولم يكن بعد وطأ قصر بعبدا، دب الذعر في قلوب الفاسدين وانتظمت شؤون الدولة تلقائياً ما أن اُعلن في البرلمان رئيساً للجمهورية. عاش الوطن حلم جمهورية الـ10452 كلم مربعاً حرة مستقلة… ولكن، وفي اليوم الثاني والعشرين اغتالوه، خافوا منه، خافوا أن يعود لبنان جمهورية قوية، خافوا أن يزدهر لبنان ويعيش عيد استقلال فعلي، فقتله العملاء وقتلوا معه حلمنا باسترجاع الاستقلال والوطن.

مع استشهاد البشير استشهد فينا أمل كبير بالقيامة، وعبرت فينا السنين ونحن نتأرجح على حفافي المقاومة حيناً، والاستكانة أحياناً، لكن بقي الوطن مهدور السيادة. أحكم الاحتلال السوري أغلاله على لبنان والمقاومين، فكنا الوقود دائماً وكنا شرارة الحرية دائماً، وكنا تلك الـ”لا” المدوية دائماً في وجه الاحتلال السوري وعملائه، الى أن جاءت وثيقة اتفاق الطائف التي تنص على إنهاء الحرب في لبنان وانسحاب جيش الاحتلال في خلال عامين، ولم يحصل، اغتالوا الرئيس رينيه معوض أيضاً قبل أن يحكم، والذي لو حكم، لكان ربما نفذ اتفاق الطائف بحذافيره. لم يُمهلوا الآدمي كي يبقى في لبنان الحكم لرعاع الاحتلال، فنام الطائف في حلم الاستقلال المؤجل، وما نُفذ من بنوده الا القليل الذي لا يُذكر حتى الآن.

أسوأ ما في جيلنا أننا عاصرنا كل من دمّر لبنان، وأحلا ما فينا أننا عاصرنا المقاومين الأحرار الذين عاشوا وماتوا لانتشال لبنان من العبودية. في زمن ميشال عون وحروبه العبثية، رسمنا في خيالنا للوطن اسوأ النهايات، خصوصاً بعدما انتشر جيش الاحتلال السوري في كل لبنان وأطبق قبضته على البلد، واعتقل المقاومين وأولهم سمير جعجع، وغرق لبنان في الظلام الدامس، وحدهم المقاومون أضاؤا شعلة الأمل في ذاك الليل الطويل، وحدها بكركي فتحت نافذة أفق في نداء المطارنة الموارنة الشهير، الذي طالب بكل وضوح وجرأة بجلاء الاحتلال عن لبنان. ذاك اليوم شعرنا أنه عيد استقلال، استعاد العيد معناه بالنسبة للمقاومين، إذ عرفنا يومها أننا لسنا وحدنا وكنيستنا تعاضدنا وتحمينا وتمشي معنا دروب التحرير الطويلة، وعرفنا أن مشوار الحرية هو دائماً أغلى المشاوير.

…وكانت ثورة الأرز لتجعل من 26 نيسان من العام 2005، يوم جلاء الاحتلال السوري عن لبنان، تاريخ استقلال جديد لم نحتفل به كما يجب بعد… وها نحن من جديد نبحث عن عيد استقلال نحتفل به بالألوان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل