
كتب لوسيان شهوان في “المسيرة” – العدد 1746
“المُصَوِّر” الذي تحوَّل الى “قيصر” حماية المدنيين!
55000 صورة فضحت آلة موت النظام السوري
“أردنا تسريب ونشر تلك الصُوَر لتعلَم العائلات أن أبناءهم ماتوا. الشعب عليه أن يعلم ما حدث داخل المعتقلات ومراكز الاحتجاز. عندما يسقط بشار الأسد، النظام سيشطب الأدلّة ويتخلّص منها، أنا متأكد من ذلك… في البداية سألت نفسي، لماذا أجوب العالم وأذهب الى الولايات المتحدّة الأميركية، هل هم فعلاً بحاجة الى هذه الصُوَر ليعلموا ماذا يجري في سوريا؟ استعمل النظام السوري السلاح الكيميائي ضد شعبه، فالعالم يعلم جيداً ما الذي حصل هناك. كنتُ متردداً لأن الإدارة الاميركية لو أرادت أن تساعد الشعب السوري، لوقفت الى جانبه بعد الهجوم الكيميائي على الغوطة. كنت خائفاً من الذهاب الى هناك ولكنني قبلت بعدها لأنه يجب أن أتكلم أمام أعضاء الكونغرس الأميركي، أمام الإدارة الأميركية والشعب الأميركي”.
هذا جزء صغير مما قاله “مُصَوِّر” سابق في الشرطة العسكرية السورية للصحافية الفرنسية “غارانس لو كيزن” بعد أن جهدت للقائه ووثقت قصته في كتابها “عمليّة قيصر – في قلب آلة الموت السورية”.
قصة “قيصر”
“قيصر” ليس اسمه الحقيقي، فهو لم يكشف عن هويّته خوفاً على حياته التي خاطر بها وبحياة عائلته أيضاً ليصل الى دوائر القرار ويتكلّم باسم الآلاف من الضحايا والمعذّبين. قبل بداية الثورة السورية عام 2011 عمل “قيصر” مصوراً في الطبابة الشرعية في الشرطة العسكرية السورية، اقتصرت مهمّته آنذاك على تصوير الحوادث الجنائية. وبين العام 2011 حتى انشقاقه عن الشرطة العسكرية عام 2013 كُلّف بتصوير جثث المدنيين من ضحايا التعذيب والقتل على يد النظام السوري في مستشفى تشرين العسكري ومستشفى 601 العسكري في المزة حيث كان يوثّق ويعدّ التقارير بآلاف الضحايا الذين رآهم أمامه.
شهد “قيصر” على أسلوب إجرامي لا مثيل له كاشفًا السرّ العميق الذي جعل آل الأسد بفترة من الزمن المسيطر الوحيد على الساحة السورية ألا وهو السجون وعذاباتها وكل ما يمكن أن ينبثق عنها. صوَّر “آلة الموت” واحتفظ لنفسه بسنخة عنها، وكشفها أمام العالم بعدما سرّب حوالى 55000 صورة لحوالى 11000 سوري قُتلوا تحت التعذيب في سجون الموت السورية. حمل هذه الصُوَر، ترك سوريا وهرب من سلطة النظام باحثًا عن شيء من العدالة. لم يكن خروج “قيصر” في صيف العام 2013 سهلاً من سوريا فقد ساعدته مجموعة من المعارضين للنظام الذين أمّنوا له خروجًا آمنًا باتجاه الحدود الجنوبية السورية أولاً، ومن بعدها دخل الأراضي التركية حيث مكث هناك لبضعة أشهر، ومن بعدها لجأ الى أوروبا.
في 20 كانون الثاني 2014، وقبل يومين من مؤتمر “جنيف 2” للسلام في سوريا، نشرت شبكة CNN ووكالة الأناضول التركية الصور الاولى التي سرّبها “قيصر”. في المقابل، بادر ناشطون سوريون من المعارضة الى جانب منظمات تعنى بحقوق الإنسان الى تشكيل لجنة تحقيق خاصة عن طريق شركة حقوقية بريطانية تدعى “Carter-Ruck and Co”، وأصدرت تقريراً يفيد بأن الصور صحيحة ولم تتعرض لأي تعديل. شارك في لجنة التحقيق التي التقت “قيصر” ثلاث مرّات في شهر كانون الثاني 2014 عدد من الحقوقيين والخبراء الدوليين، الذين كلّفتهم الأمم المتحدة بمهمات في قضايا سابقة متعلقة بجرائم حرب، ومن بينهم:
ـ “ديسموند دي سيلفا”، هو أحد مستشاري الملكة “اليزابيت الثانية” وشغل عدّة مهمات دوليّة كالتحقيق في جرائم حرب سيراليون.
ـ “جيفري نايس”، مستشار آخر لدى الملكة “إليزابيث الثانية” كما عمل في محكمة الجنايات الدولية، التي أُنشئت من أجل التحقيق في الجرائم المرتكبة في يوغوسلافيا.
ـ “دايفيد كرين”، شغل منصب أول مدعي عام في المحكمة الخاصة بجرائم الحرب في سيراليون، وأدلى بمعلومات في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي عام 2013، حول إنشاء محكمة جرائم الحرب في سوريا.
ـ بالإضافة الى غيرهم من أطباء ومصوّرين جنائيين يتمتعون بخبرة واسعة على المستوى الدولي.
خبراء هذه اللجنة الذين أطلقوا على المنشق السوري إسم “قيصر”، أجروا تحاليل الطب الشرعي لـ5500 صورة قُدّر أنها لـ1300 جثة، ووجدوا أن بعض هذه الجثث مصابة بالهزال وعلى البعض الآخر علامات رضوض قوية واضحة، فيما بدا على الأخرى ظهور تقرحات في القدمين.
في نيسان 2014 ازداد اهتمام وسائل الاعلام في جميع أنحاء العالم بالقضية، في المقابل نفت السلطات السورية صحّة الصُوَر واعتبرت أن القضية مسيّسة وأن التقارير التي انتشرت في الإعلام كناية عن تجميع صُور أشخاص غير محددي الهويّة، منهم من الإرهابيين وآخرون من المدنيين والعسكريين الذين قضوا نتيجة تعذيبهم من قبل المجموعات الإرهابية.
“الكابيتول” والقانون
في 31 تموز 2014 وقف “قيصر” تحت قبّة الكابيتول وأدلى بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي مرتديًا سترته الزرقاء التي استمرّ بارتدائها في كل المرّات، أخبرهم بكل شيء وتكلّم معهم عن سبب وقوفه أمامهم متمنيًا على الإدارة الأميركية أن تقوم بشيء لوقف الإجرام والقتل في سوريا”. قدوم “قيصر” الى واشنطن أعطى زخماً كبيراً للقضية ونال عطف أغلبية النواب من الديمقراطيين والجمهوريين وكذلك أعضاء من مجلس الشيوخ وذلك بعد مداخلته التي شرح فيها تفاصيل ما يحدث داخل السجون السورية عارضًا أمام الحضور بعضاً من “صوَره” التي هزّت ضمائر العالم الحرّ. واستمر “قيصر” مع بداية العام 2015 في إجراء لقاءات مع مسؤولين أميركيين ومستشارين للرئيس باراك أوباما عارضًا تفاصيل حالة السجون السورية وحجم الإجرام الكبير في داخلها وكان ذلك بمساعدة بعض أبناء الجالية السورية في أميركا. عَمل سوريون في أميركا، وقبل مجيء “قيصر” حتى ببضعة أشهر الى واشنطن، على إصدار حزمة عقوبات جديدة ضد النظام السوري، ولكن مثول “قيصر” أمام لجنة العلاقات الخارجية حيث قدّم شهادته، سرّع بوتيرة العقوبات… عندها طلب أحد النواب من الحزب الديمقراطي أن تُسمى العقوبات آنذاك بـ”سيزر” أي “قيصر”.
في تشرين الثاني 2016، وبعد أسبوع من تولّي “دونالد ترامب” رئاسة الولايات المتحدة، أثمرت لقاءات “قيصر” وبدعم وتأييد مشرّعين في الكونغرس، في تمرير مشروع “قانون قيصر” بنسخته الأولى في مجلس النواب، ليُحال إلى مجلس الشيوخ للتصويت والموافقة عليه، من ثم إقراره من قبل الرئيس الأميركي ليصبح القانون نافذاً. وبعد التصويت في مجلس النواب، أُرسل مشروع “قانون قيصر” إلى مجلس الشيوخ وكان رئيس العلاقات الخارجية في المجلس حينها السيناتور “كروكر” الذي عرقل هذه الجهود وطلب تعديل بعض النقاط لطرحها في مجلس النواب من جديد. في 18 أيار 2017، مرّر مجلس النواب وللمرة الثانية مشروع “قانون قيصر” بعد إجراء تعديلات عليه، ليعود المشروع إلى نقطة وقوفه على أبواب مجلس الشيوخ بسبب معارضة السيناتور “بول” الذي رفض السير بهذا القانون، ويُقال إن “بول” من المقرّبين من الرئيس الروسي «بوتين» ومن المنظّرين للتقارب من بشار الأسد.
في أيلول 2018 وفي 23 كانون الثاني 2019 جرت محاولتان إضافيتان لتمرير القانون عبر القنوات المطلوبة، ولكنهما لم تنجحا بسبب رفض السيناتور “بول” التصويت عليه في مجلس الشيوخ، وهنا اصطدم القانون لمرّة رابعة في حائط الموافقة بالإجماع والتي تسمح لمشرّع واحد بعرقلة القانون. لم يعد أمام الراغبين بتمرير “قانون قيصر” سوى حلّ وحيد وهو إضافة مواد مشروع “قانون قيصر” إلى قانون موازنة وزارة الدفاع الأميركية. وبعد عرقلة استمرّت لأشهر بسبب الخلاف بين الرئيس “ترامب” وبعض أعضاء الكونغرس، وقّع مجلس النواب الأميركي في 12 كانون الأول 2019 على مشروع قانون موازنة وزارة الدفاع للعام 2020، والذي أضيف إليه مشروع «قانون قيصر». وكذلك فعل مجلس الشيوخ في إقراره الموازنة نفسها بعد خمسة أيام. في 20 كانون الأول وبعد مخاض طويل، وقّع الرئيس ترامب “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا”. وبحسب القانون يتعيّن على الرئيس الأميركي وبعد مرور 180 يوماً على تاريخ سنّه، أن يبدأ بفرض العقوبات على نظام الأسد وداعميه.
مُعاقبة سوريا
عام 1979 صَنّفت واشنطن نظام الأسد من الدول الراعية للإرهاب وفرضت حينها قيودًا واسعة على تصدير وإعادة تصدير بعض المواد الخاضعة للرقابة، الى سوريا، مع الإبقاء على التجارة العامّة بينها وبين أميركا. عام 2003 وقّع الرئيس جورج بوش على “قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية” الذي وسّع نطاق العقوبات ليشمل التبادل العسكري، الاستثمارات الأميركية في سوريا، حركة الطيران الجوّي، الاتصالات الدبلوماسية وغيرها من التدابير. مع “قانون قيصر” يشترط على السلطة التنفيذية الأميركية فرض عقوبات على الأشخاص والشركات والكيانات غير الأميركية التي تقوم الارتكابات التالية:
ـ تقدّم دعمًا ماليًا أو ماديًا أو تكنولوجيًا أو تشارك عن عمد في معاملات أو صفقات مع الحكومة السورية أو مع أية شركة مملوكة من قبل الحكومة السورية أو مع مسؤولين سوريين.
ـ تقدّم خدمات في مجال البناء والهندسة الى الحكومة السورية.
ـ كانت مرتزقة أو متعاقدة تعمل في سوريا لحساب الحكومة السورية أو روسيا أو إيران.
ـ تقدّم دعمًا للمحافظة على إنتاج سوريا من النفط والغاز الطبيعي أو زيادته.
ـ توفّر طائرات أو قطع غيار مستخدمة لأغراض عسكرية في سوريا.
الدّفعة الأولى من الأشخاص والكيانات التي طالتها عقوبات “قانون قيصر” بموجب الأمر التنفيذي رقم 13894، بلغت 39 شخصية من بينها بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس. بالإضافة الى محمّد حمشو وأحمد صابر حمشو وعمر حمشو وعلي حمشو، وآخرين من أفراد أسرتهم، كما أنّها طالت ميليشيا لواء فاطميّون الأفغاني المموّل والمدرّب على يد الحرس الثّوري الإيراني، ماهر الأسد وفرقته الرابعة في الجيش السوري وقائديه غسان علي بلال وسامر الدانا. واستمرّت الإدارة الأميركية بالوتيرة نفسها لتطال 113 وسيطًا للنظام في الأشهر الستة التي تلت دخول “قانون قيصر” حيز التنفيذ في حزيران 2020.
دعم ائتلاف من الحزبين الديمقراطي والجمهوري “قانون مناهضة التطبيع مع الأسد”، الذي أقرّته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في 16 أيار 2023. ومن شأن هذا القانون أن يطيل مدة “قانون قيصر” حتى 31 كانون الأول 2032 ويوسّع العقوبات التي يجب على الإدارة فرضها لتشمل التعامل بالممتلكات التي صادرها النظام أو استولى عليها. وتشمل أهم عناصر مشروع القانون الجديد الذي يدعم “قانون قيصر” استهداف المتورطين في سرقة ممتلكات الشعب السوري لأسباب سياسية أو مكاسب شخصية، ومنع النظام السوري وأتباعه من الاستفادة من التطهير العرقي المرتبط بإعادة الإعمار.
“قيصر” والنزوح السوري
“حتى يبقى لبنان يجب أن يُلغى قانون قيصر”، جملة أتت في خطاب أمين عام “حزب الله” السيّد حسن نصرالله في مناسبة المولد النبوي في تشرين الأول 2023 واعتبر أن سبب النزوح السوري الى لبنان هو “قانون قيصر”. وأمام هذا الكلام لا بد لنا من تذكير السيّد نصرالله بأن المسبّب الأول لهروب السوريين من سوريا هي وحشيّة النظام السوري في التعاطي مع السوريين وال69000 برميل التي ألقيت على رؤوس الشعب هناك بهدف تهجيرهم من بلداتهم وقراهم، ولعلّ صُوَر “قيصر” كفيلة للإجابة عن سبب صدور قانون باسمه. لبنان لم يعد يحتمل نزوحاً سورياً على أرضه خصوصاً أن هذا النزوح بات يشكّل خطراً وجودياً على اللبنانيين الذين يبحثون عن بارقة أمل تعيدهم إليهم شيئاً من الاستقرار والنمو. ومن الضروري أن تجد المنظمات الدولية الداعمة لحقوق النازحين حلولاً داخل الأراضي السورية على شكل مخيمات تؤمّن كل حاجات النازحين عوضًا عن دعمهم في لبنان. حان الوقت لتنتهي الحروب في سوريا والمنطقة ولا أفق للشعب السوري إلا باقتناع النظام السوري وحلفائه بالحلّ السياسي للصراع السوري الذي يشكًل القرار 2254 مدخلاً أساسياً له.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
