#dfp #adsense

الثائر دائمًا والمتمرِّد الأبدي.. هكذا هو ميشال حايك

حجم الخط

كتبت “المسيرة” – العدد 1746

من مقدمة كتاب “المارونية: ثورة وحرية” للأب ميشال حايك

إبان الحرب الأهلية في لبنان (1975 ـ 1990)، وحيال استفحال الأزمة، صرّح أحد رجالات الكنيسة المارونية للإعلام قائلاً: ماذا يمكنني أن أفعل؟!

انتفض الأب ميشال حايك (1938 – 2005)، سائلاً بصيغة تتخطّى السؤال: كيف لكاهن أن يسأل نفسه ماذا أستطيع أن أفعل؟ هذا الذي يحوّل كلّ صباح الخبز جسدًا حيًّا، والخمر مُحْيِيًا. كيف له أن يرى في المستحيل مستحيلاً بعد؟ إن سلوكاً كهذا يعني أمرًا من إثنين: إما أن يكون في تساؤله هذا مُجانبًا للحقيقة أمامنا، وإما أن يكون في إفخارستيا الصباح، مُجانبًا للحقيقة أمام يسوع المسيح.

ولما اشتدّت وطأة الأيام على البلاد واستفحلت أزمة الموارنة إحباطاً وهزائم… رسم ميشال حايك صورة بليغة قائلاً: “المارونية هي قضيّة كبيرة، حملها رجال صغار… فأسقطوها وأسقطتهم”.

هكذا هو ميشال حايك: اعتراض دائم. ثورة دائمة. انتفاضة مستمرّة. تمرّد حتى النهاية. رفض مستمرّ لأمر واقع قائم. وصفه أحد أصدقائه قائلاً: Il est l’éternellement rebelle، إنه المتمرّد الأبدي.

ولعلّ لسان حاله كان قول سبارتاكوس: ألا تستحق فكرة الحرية أن يموت المرء من أجلها؟

عندما ولد ميشال حايك في 19 كانون الثاني 1928، كانت الجمهورية اللبنانية في سنتها الثانية. فمع نشأتها، سنة 1926، تحقق حلم الموارنة التاريخي: قيام وطن تعدّدي. هذا الحلم ناضلت من أجله وسعت لتحقيقه الجماعة المارونية على مرّ تاريخها من دون يأس. لكن حساب الزّمن عند الموارنة بطيء، وهو عندهم أسمى من المساحة، أي أسمى من الأرض. فالوطن عندهم، على ما يقول ميشال حايك، لا يُقاس بالأمتار، لأنه قبل كلّ شيء مساحة حرية وروح.

مرّة جديدة يُطلّ علينا الأب ميشال حايك من سموّ تفكيره. وهذه المرّة عبر سبع محاضرات وعظات عن الموارنة والمارونية، تاريخًا وروحانية، وثورة ونضالاً وآمالاً وخيبات. ألقاها في فترات زمنية متقطّعة لكن من دون انقطاع، بين أواخر السبعينات وأواخر التسعينات من القرن الماضي، في الإذاعة اللبنانية، وفي كاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت، وفي كاتدرائية مار يوحنا مرقس في جبيل.

في هذه المحاضرات ـ العظات، يحدثنا الأب ميشال حايك عن مشروع الموارنة وثورتهم وحلمهم وخيبتهم في سعيهم لبناء مساحة حرية ولقاء، أي وطن تعدّدي… إنما وإزاء تعثّر مشروع الموارنة وحلمهم، لا نراه يعبّر بصراحة ومرارة عن وجعه فحسب، بل عن خيبته من العروبة كذلك. خيبة من بعض الشركاء في الوطن. خيبة من الغرب. خيبة من الشرق. وحتى بعض الخيبة والمرارة من الموارنة بالذات…

فميشال حايك الثائر، لن يهدأ ولن يستكين ولن يلقي سلاحه، أي القلم والموقف. هو الإنسان والكاهن الثائر على كلّ شيء. على النُظم التي تستعبد الإنسان، على التقاليد والعادات التي تحجّم الله، على الظلم وعلى كلّ ما ومَن يشوّه في الإنسان صورة الله لأنه أراد أن يفتح أمام الإنسان آفاق المستحيل.

يرفض ميشال حايك الإستسلام لليأس، وإن تسلّلت إليه بعض الخيبات. لأنه سليل شعب وُجِدَ باكرًا في حلبة الصراع وتكيّف مع المستجدات وقال لا لقهر حرّية الإنسان. نظر حايك إلى الحلم الماروني على أنّه مشروع يسوع المسيح بالذات، إذ أوكل إلى الموارنة أن يكملوا مشروعه بعد صعوده.

يؤمن ميشال حايك بأن قدر الموارنة وخيارهم أن يموتوا واقفين دفاعًا عن حريتهم وأرضهم. ففي كتاب سابق له بعنوان إستفهامي: “المارونية: عقدة أم قضية؟”، أجاب الأب حايك هنا عن إستفهامه قائلاً: “المارونية ثورة وحرية”. فهذا الكتاب هو خارطة طريق لمن يسعى لفهم الموارنة. وهو أيضًا مفاتيح مضيئة للموارنة بالذات، علّها تذكّرهم بأن قضيتهم، لا بل وجدانهم التاريخي الذي يبحثون عنه اليوم، في «لحظات تاريخهم الحاسمة هذه، لن يجدوه إلّا بالعودة إلى الينابيع التي منها تشرّب آباؤهم. فيدركوا حينها إلى أي مدى ضربت جذورهم في أعماق تربة هذا الشرق وتاريخه… فيحدّدون بالتالي أين يسكبون ماء حياتهم فلا يذهب هدرًا…

نادی ميشال حايك بالحلم الماروني الكبير، أي بوطن تعدّدي تتلاقح فيه الثقافات والحضارات والأديان. وطن لا تذويب فيه أو إلغاء للذاتيات! كما آمن بمارونية تحيا مجددًا من المسيح، ومن الروح الذي يُحيي كي لا تبقى قابعة في مبادئ وأفكار أقلّ ما يُقال فيها: لاهوت المكاتب، أو أنها باختصار: ليست للمسيح!

قال ذات مرّة: “في وسع المارونية أن تكون طائفة دينية، أو مؤسسة خيرية، أو شركة مساهمة أو تعاونية، أو جمعية رفق بالحيوان… ولكنّها لن تكون كنيسة المسيح، أي جسده، إلا إذا نهضت بها جسارة الروح إلى المعجزات، فطالبت الإنسان بالمستحيل، وبذرت فيه قلق المستحيل وسلّمته مقدّرات المستحيل. أي سلّمته المسيح”!

لقد فهم ميشال حايك المارونية، وأرادها أن تبقى في معركة من أجل حضارة المسيح أو حضارة المحبّة، حيث تماهى المسيح مع كلّ مرذول ومضطهد وفقير… وهذا يفرض على الموارنة الاستجابة أكثر لتحديات الزمن الحاضر، أي الأمانة لما مضى، والانفتاح على كل جديد، ضمن إطار من التجذّر في الأصالة والحفاظ على الجوهر، أي وديعة الإيمان الثابتة. علّ كل هذا يقي الجماعة المارونية من العثرة، ويجنّبها والبلاد السقوط في الهاوية.

توفي ميشال حايك في غرّة أيلول عام 2005، تاركاً وطنه وحلمه على “مفترق طرق وعوالم”. هو الذي آمن بتراث الشراكة والتعدّدية، واعتبر أن العنف هو هزيمة للحوار، أي للإنسان، وأصر على التلاقي مع الآخر من خلال “الكلمة”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل