#adsense

استقلالنا واستقلالهم

حجم الخط

الاستقلال أحد تجليات الحرية، ولا معنى له خارج إطارها، بل يتحوّل مجرد شعار للاستغلال. والاستقلال لا يكون لدولة بقدر ما هو لشعب أولاً. ولذلك لا يمكن الكلام على استقلال ناجز لبلد ما، إذا كان شعبه يعاني القمع والتسلط على يد نظام حاكم ومتحكم، ولو كانت الدولة بحد ذاتها لا تخضع لهيمنة خارجية.

واستطراداً، هل يمكن اعتبار لبنان بلداً مستقلاً فعلاً؟ الجواب صعب ونسبي ومتشعب، لاسيما وأن ثمة انطباعاً يتحوّل أحياناً وبحسب الظروف، واقعاً بنسبة أو بأخرى، ومفاده أن الشعب اللبناني يفتقد الى مقومات الوحدة الكيانية والوطنية العميقة، لاسيما في النظرة إلى الاستقلال، لسببين أساسيين.

الأول: الطبيعة المركبة للشعب اللبناني، طائفياً ومذهبياً، وفي بعض الأحيان تمتد الى تظهير تمايز بخلفيات إتنية وثقافية تاريخية. والثاني: فشل الدولة في لبنان ومعها اللبنانيون نُخباً ومرجعيات على اختلافها، في بناء وحدة وطنية صلبة تتخطى الاختلاف والانتماءات التي تتدنى أحياناً الى مستوى الانتماء الزعاماتي والعائلي.

وانطلاقاً من هذا الواقع، لا يمكن الحديث عن استقلال لبناني ناجز سواء بالنسبة للشعب أو للدولة.

لقد حصل لبنان على استقلاله في العام 1943 بسهولة نسبية، وقد ساهم في ذلك، التفاهم بين القيادات الوطنية على بلورة الميثاق الوطني بعناية، لكن الغياب المبكر نسبياً لرياض الصلح باغتياله، وغرق حاشية بشارة الخوري بالفساد، وصولاً إلى إطاحته بانتفاضة شعبية، فتحا الباب أمام تدخلات مضطردة، على غرار دعم الإنكليز لكميل شمعون خلفاً للخوري، ولاحقاً على غرار دعم جمال عبد الناصر للانتفاضة التي ارتدت طابعاً إسلامياً على شمعون في نهاية عهده، في موازاة نزول المارينز الى الساحل اللبناني دعماً لحليف حلف بغداد، لينتهي الأمر بتسوية أميركية – مصرية أفضت الى انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً.

هذه الوقائع ساهمت تدريجاً في النيل من الاستقلال اللبناني الطري العود، حتى بروز العامل الفلسطيني المسلح، وما استتبعه من حرب الـ75 مروراً بالدخول العسكري السوري إلى لبنان، ما دفع بمساحة الاستقلال أو بمساحة الحرية الى الانحسار والانحصار بالمناطق المسماة شرقية.

على أن نهاية الحرب لم تترافق مع استعادة الاستقلال ولو بالحد الأدنى، بل كرست الاحتلال العسكري السوري تحت عنوان الوصاية، فيما استمر الاحتلال الإسرائيلي المباشر وغير المباشر في الجنوب، حتى الانسحاب بموجب القرار 425 في العام 2000، مقابل استمرار الوجود العسكري السوري حتى العام 2005. ومع ذلك، لم يتمكن لبنان من استعادة استقلاله الا نسبياً وموقتاً، مع استبدال الوصاية السورية بالوصاية الإيرانية الضمنية والمتمثلة بحزب الله وسلاحه تحت شعار المقاومة.

صحيح أن حركة 14 آذار شكلت فسحة استقلالية سمحت بالكلام على الاستقلال الثاني، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الاستقلال الثاني، سرعان ما تحوّل ربيعه خريفاً، وها نحن اليوم في دوامة الصراع الدائم بحثاً عن الاستقلال. وفي قناعتنا أن الاستقلال هو أولاً حالة تسكن الوعي الجماعي لشريحة واسعة من اللبنانيين، كأمنية يرجون تحققها. لكن المفارقة أن أهل الممانعة يعتبرون الاستقلال في عرفهم هو الاستقلال عن أميركا والغرب، وبنسبة كبيرة عن الدول العربية، بما يقترب من القطيعة، لمصلحة التماهي مع إيران ومحورها الممانع، بينما السياديون في لبنان ينادون باستقلال لبنان الوطن والدولة عن كل هيمنة خارجية، سواء كانت من الأقربين أو من الأبعدين، وعدا ذلك كذب ورياء. فلا استقلال بوجود سلاح خارج إطار الشرعية، ولا استقلال بغياب او تغييب الدولة وقرارها السيادي، ولا استقلال بخاصة، إذا ما استكان اللبنانيون وسلّموا بواقع الإلحاق او بالذمية المقنعة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل