



.jpg)

.jpg)



كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1746
ينضب الحبر ولا تنتهي حكايات بيروت، فكيف إذا كانت من حكايات مقاهيها.. مقاهي الماضي الجميل، تتناثر على ارصفة المدينة، مرآة عزّها ملتقى الشرق والغرب، هناك حيث كانت تُصنع مانشيتات الصحف وتولد وتسقط حكومات. هناك كانت تُكتب قصة كبيرة بحروف الحنين وأمجاد الذكريات، عن ذاكرة مثقفين وسياسيين ونجوم كانت لهم مرتعًا ومقرًا، هناك انقلب ألق وسحر وماضٍ جميل حاضرًا حزينًا، هناك تغيّر وجه بيروت فانقلب حال مقاهيها.. وراحت “كئيبة” وما تركت أي عنوان.. هناك مثقفون وشعراء وأدباء ضاعوا لضياعها وتاهوا وتشرّدوا، هناك مع كل مقهى أغلقت أبوابه، تاريخ طوي على حكايات وتراث وناس، هناك بدأت أسطورة مقاهي بيروت، هناك بدأت حكاية عزّ ما كان قبلها ولا بعدها عزّ…
قديمة عريقة هي حكايات مقاهي بيروت.. حكايات عزّ وعهد ذهبي ما زال في البال ابتسامة ودمعة، دهشة لما كنا عليه وحسرة لما صرنا إليه، حكايات “قهاوي” حطت رحالها منذ أواخر القرن التاسع عشر في ساحات وسط البلد من “ساحة هال” الى ساحة “البرج” وصولاً إلى ساحة “الدباس” لتنتقل عدواها لاحقًا الى ساحة النجمة.
لكن ساحة البرج تلك، كانت الأكثر إغواء و”كاريزماتية”، مستغلة سهولة الوصول إليها من كل الإتجاهات، فإلى تلك البنايات الشهيرة التي اعتلتها من “الريفولي” الى “الكابيتول”، الى “الأوبرا”، فـ”الأمبير”، وانطلقت ظاهرة المقاهي وصارت أشهر من نار على علم.
من مقهى “أبو متري” ملجأ الشعراء وأدباء ذاك الزمان، إلى مقاهي “القنصل” و”القزاز” و”كوكب الشرق” الذي انهار على رؤوس زواره العام 1934، إلى “الباريزانا” و”اللاروندا” وأمجاد “فاروق” و”كرم كرم” و”الحاج داوود” الذي كان من أشهر رواده الشاعر أمين نخلة والفنان التشكيلي مصطفى فروخ، وقد تناوبا أيضاً على مقهى البحرين مع سامي الصلح، وعبدالله اليافي، وصليبا الدويهي، ورشيد وهبي، والياس أبو شبكة. وهناك في “مطعم أبو عفيف” ولدت قصيدة “يا عاقد الحاجيبن” للأخطل الصغير الذي كان يتردد إليه مع عمر الزعني.
في تلك “القهاوي” كنت لتشهد على الكثير من الحكايات والنوادر والمآثر عن مروءة ورجولة “القبضايات” وطرائف الظرفاء، فضلاً عن حماسة و”زكزكات” لاعبي الورق وطاولة الزهر و”الداما”. لكن ثمة ما كان أبعد من تمضية الوقت والتسلية، إذ سرعان ما ارتبطت تلك المقاهي ارتباطاً وثيقاً بالحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للعاصمة، لتتحول ملتقى للسياسيين وكبار رجالات الدولة. ولا مبالغة إن قيل، هناك في تلك “القهاوي” كانت تسقط حكومات وتتشكّل أخرى، وفيها ومنها كانت تطلق الدعوات للإضرابات والتظاهرات والمؤامرات، لتتحول في مواسم الإنتخابات إلى مكاتب انتخابية تتمّ فيها التطبيقات السياسية، وتشكيل اللوائح الانتخابية، خصوصاً وأنها كانت تخضع لنفوذ زعماء السياسة ومفاتيحهم الانتخابية، كلٌّ بحسب المنطقة التي تقع فيها. فها هي مقاهي البسطا تصطف وراء الرئيس صائب سلام وتعمل بحمايته، فيما “مقهى صليبا” في المزرعة، يعمل تحت حماية الوزير البيروتي هنري فرعون الذي إعتاد زيارته مع النائب الراحل نسيم مجدلاني.
بيروت.. مقهى الشرق الأوسط
نعم هكذا انطلقت قهاوي بيروت وهكذا كبرت وتمدد “مجدها” لتشهد ذروتها مع التوسع العمراني وذاك العهد الذهبي الذي شهدته العاصمة أواخر خمسينات القرن الماضي وحتى أوائل السبعينات، لتحلّق معه وتشكّل ظاهرة اجتاحت بيروت وعرفت شهرة واسعة ما عرفت لها منطقة الشرق الاوسط مثيلاً، وكانت قيمتها آنذاك بمرتاديها ومستوياتهم في المجتمع، وهم من أهل الثقافة والصحافة والسياسة والفكر والأدب. وكانوا يرتادون قهوة “الحاج داوود” في شارع الحمرا، و”القزاز” في الجميزة، و”الكوزموس” في باب ادريس، و”الدولشي فيتا” و”دبيبو” مقابل صخرة الروشة، و”الأنكل سام” قرب الجامعة الأميركية و”الإكسبرس” أول شارع الحمرا، و”الهورس شو” و”كافيه دو باري”، و”ويمبي”، و”المودكا”. في تلك القهاوي اجتمع هؤلاء، وهناك ما كنت لترى وتشهد وتسمع إلا صحفًا ومجلات تعلو الطاولات وتحجب الوجوه، وحلقات لمطالعات وأحاديث ومناقشات سياسية وفكرية وثقافية وفنية.. هناك كانت حقاً بيروت.
مقاهي الحمرا.. مشاهير وقصائد وانقلابات
لماذا شارع الحمرا؟
أطلّ ذاك الشارع في أربعينات القرن الماضي ليكون منارة بيروت، وروحها النابضة، ومقراً للنّخب اللبنانية والعربية في آن، لتكسبه تلك المقاهي هوية ثقافية ونهضة غير مسبوقة يدين لها ذاك الشارع حتمًا بحضور ذاك الصرح الكبير “الجامعة الأميركية” في الشارع المقابل، فضلاً عن جريدتي “النهار” و”السفير” في ما بعد، ما أسهم الى حد كبير في تحويلها رموزًا ثقافية وفكرية وليس مجرد مقاهٍ… فكيف كان ذلك؟
هو صاحب سلسة “سأحدثكم عن بيروت” الإعلامي والباحث في التراث الشعبي زياد عيتاني يحدثنا عن مقاهي بيروته: “أبرز ما تميّز به شارع “الحمراء”، مقاهي الرصيف التي نشأت في بدايات الخمسينات والستينات كاقتباس “ملبنن” لفكرة شارع «الشانزليزيه» في باريس الذي تصطفّ على جانبيه مقاهي الأرصفة، التي تقصدها طبقات مثقّفة من حول العالم”.
ويقول: “تميّزت مقاهي “الحمراء” بفخامتها ورقيّها، وغالباً ما كانت على الطراز الأوروبي، سيما وأن أعداداً كبيرة من روادها من الطبقة الميسورة، تماشياً وتفاعلاً مع طبيعة الشارع الراقي بمحلاته، وفنادقه، وصالات العروض السينمائية، ولإضفاء المزيد من الرقي على مقاهي “الحمراء”، حرص أصحابها على إطلاق أسماء غربية عليها، للدلالة على أنها تمثّل روح الحداثة…”
و”بلا مبالغة”، يروي الكاتب البيروتي “في مقاهي الرصيف تلك كانت تُنسج العلاقات الاجتماعية، وتولد القصائد، وتُكتب عناوين الصحف ومقالاتها السياسية”.
هناك، “كان أشهر الشعراء الكبار من الرواد الدائمين لمقاهي الحمرا حتى صارت مقراً لهم، محمد الماغوط ومحمود درويش وعمر أبو ريشة وأنسي الحاج ومحمد الفيتوري ونزار قباني ويوسف الخال وأدونيس وبلند الحيدري وغيرهم المئات من الكتّاب والصحافيين والأدباء اللبنانيين والعرب، الذين أنتجوا معظم روائعهم على طاولات تلك المقاهي”.
وأكثر من ذلك “في فترة ما بعد عام 1967، ذاع صيت هذه المقاهي بوصفها غرفاً سريّة وضِعت فيها بيانات تأسيس أحزاب عربيّة معارضة، ورُسِمت فوق طاولاتها خطط الانقلابات في غير دولة”.
“الهورس شو”.. ملتقى النخب
مع “الهورس شو” كانت البداية وأول سطر في حكاية ذاك العزّ، حيث شهد الشارع الشهير إفتتاح أول مقهى رصيفي لصاحبه منح الدبغي. ومن المفارقات أن افتتاحه تزامن مع عيد إستقلال لبنان في 22 تشرين الثاني 1959، وسرعان ما تحوّل أهم ملتقى للنّخب ونقطة إستقطاب للمثقفين اللبنانيين والعرب على اختلاف مشاربهم، وعقائدهم، وأحلامهم، تبعه مقهى “إكسبرس” مطلع السبعينات، فمقاهي “مانهاتن”، “نيغرسكو” و”ستراند” و”إلدورادو”، فإلى “المودكا” الذي أقام مع “الويمبي” و”الكافيه دوباري” مثلثاً ذاع صيته في العالم العربي قبل أن تقفل كل تلك المقاهي تباعًا.
منذ إطلاقه وحتى منتصف السبعينات، توّج “الهورس شو” أحد أبرز معالم شارع الحمراء، كيف كان له ذلك؟
يروي عيتاني: “في “الهورس شو” كان يلتقي أهل السياسة بالصحافة، وكان مقصداً مشهوراً للمثقفين والكتّاب والفنانين. وهذا ما أكسبه شهرة استثنائية مقارنة مع باقي مقاهي “الحمراء”، خصوصاً أنّ هؤلاء النّخب ليسوا لبنانيين فقط، بل كانوا عرباً يأتون إلى لبنان خصيصاً لزيارته. مما يدفعنا للقول من دون مبالغة إنّه كان أشهر مقهى في الشرق الأوسط…”.
قلب الصحافة اللبنانية كان في “الهورس شو”. فجريدة “النهار” كانت على بعد 200 متر، وكان مطبخها التحريري بين مكاتب الصحيفة و”الهورس شو”، وكانت مقرّا يوميًا للصحافي الراحل غسان التويني، وأيضًا لبعض السياسيين العرب الذي حاكوا المؤامرات والانقلابات ضدّ بعض الأنظمة العربية”.
وبما أنّ الطابع الذي سيطر على المقهى هو ثقافي، فقد وُلدت على طاولاته الكثير من المسرحيات والقصائد والمقالات والأعمال الفنية الكبيرة، كيف لا وقد احتضن في زمانه العريق يوسف الخال، وأدونيس، ومحمد الماغوط، ونذير العظمة، وفؤاد رفقة، ليصبح المقهى مكتب تحرير لمجلة “شعر”، التي أطاحت المفاهيم السائدة لتحلّ مكانها روح الحداثة.
أيضاً كان “الهورس شو” مقرًا دائماً لمُنح الصلح، وأنسي الحاج، وميشال أبو جودة، وغادة السمان، وبول شاوول، وداوود الصايغ، ورفيق شرف، وجوليانا ساروفيم، وبول غيراغوسيان، وغيرهم.
وفي “الهورس شو” ذكريات لا تنتسى للحركة المسرحية والفنية والتشكيلية التي انطلقت في بيروت وكانت في أوّج إزدهارها آنذاك، إذ كان يتردّد إليه أبرز الكتّاب والمسرحيين كأنطوان ولطيفة ملتقى، وجلال خوري، ومادونا غازي، وريمون جبارة، ويعقوب الشدراوي، وروجيه عساف، وأنطوان كرباج، ونضال الأشقر، وإيفيت سرسق إبنه العائلة الأرستقراطية البيروتية الأصيلة.
الذكريات تعبر لكن ثمة ما يستحق التوقف عنده، منها عندما رفضت السلطات اللبنانية عرض مسرحية “مجدلون” للممثلة نضال الأشقر والمخرج هنري حاماتي عام 1969، فقاما بعرضها في العراء أمام مقهى “هورس شو” كفعل تحدٍ للدولة، وعلى الفور تحركت “الفرقة 16” وألقت القبض عليهما وقادتهما الى مخفر حبيش حيث أمضيا ليلتهما. ونتيجة لهذا التحدي: “تعاظم صيت شارع الحمراء وتحديدا مقهى “الهورس شو” كمكان للقاء المثقّفين”.
لكن ما كان لذاك العز الكبير ولا لتلك الشهرة المدويّة ولا لذاك الصخب الثقافي والفكري الراقي أن يدوم. فالحرب المدمرة، لم توفر “الهورس شو”، خصوصاً مع التغيير الجذري الذي طرأ على هوية وظيفة شارع الحمراء. وعلى رغم كلّ محاولات الصمود، لم يتمكن من البقاء على قيد الحياة، إلى أن اضطر مرغماً منتصف الثمانينات أن يطفئ أنواره ويغلق أبوابه، لينسلخ واحداً من أهم معالم شارع “الحمراء”، الذي طالما اقترن به.
“سيتي كافيه”.. مقهى الحريري
ثقيلاً مخيّبًا كان إقفال “الهورس شو” تاركًا وراءه فراغًا هائلاً دفع بالمثقفين والصحافيين والنخب لمطالبة صاحبه بافتتاح مقهى آخر، يعيد جمع ما فرقه إقفال المقهى والحرب معًا، وهذا ما حصل…
افتتح منح الدبغي في أواخر تسعينات القرن الماضي مقهى “سيتي كافيه” في شارع السادات في الحمرا، وكان مزيجا بين المقهى الشعبي والأرستقراطي، بحسب عيتاني، أما رواده فكانوا من مختلف الطبقات الاجتماعية، وكان بمثابة مقر للمشاهير وللكثير من الصحافيين، ولم يكن لديه منافس في تلك الحقبة من حيث نوعية الناس التي كانت تقصده يوميا، ومن أبرزهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان يحلو له جمع الصحافيين والمثقفين والسياسيين حوله يوميًا”.
ولكن، وعلى الرغم من العزّ الذي شهده مقهى “السيتي كافيه” إلا أنه لم يستطع أن ينقل روح “الهورس شو” علمًا أنّ صاحبهما واحد، حتى هو لم يستطع أن ينسى “الهورس شو” فكان يمرّ يوميًا وهو يتكئ “حزينا” على عكازه من أمام “الكوستا” الذي حلّ مكان زمنه الجميل.
وعلى رغم وفاء زبائنه القدامى للمقهى الجديد، المدعوم بالرواد الجدد، ليلقى “السيتي كافيه” نفس مصير “الهورس شو” بعد بضع سنوات ويتحوّل إلى مقر لبنك بيروت.
أما روّاد “الهورس شو” من أبناء “بيروت الشرقية”، فحوّلوا مسارهم الى مقاهي الكسليك، إلا أنّهم لم يستطيعوا أن ينقلوا روح المدينة معهم والجو الذي كان يوفره “الهورس شو” لروّاده، ولم ينجحوا في جمع هذا الكمّ من المثقفين والصحافيين والسياسيين والرسامين والشعراء والكتاب الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة. وحتى بعد إنتهاء الحرب الأهلية.. ما عادت “الحمرا” كما كانت.
“مثلث” الحمرا الشهير.. بداية النهاية
نعم ما عادت الحمرا كما كانت، ألق ذاك الشارع وأضواؤه أخذت تخفت وتبهت إبان 15 عاماً من الحرب الأهلية التي وضعت أوزارها في العام 1990، وبُعيد الحرب، بدا وكأن جنون إعادة بناء المدينة الممزقة قوَّض روح بيروت القديمة، لتتلقى مقاهيها تباعًا ضربات موجعة أجبرتها على الإقفال الواحدة بعد الأخرى، ولتتحوّل إما إلى أماكن مهجورة، وإما إلى متاجر أو مطاعم حديثة، «وبإقفالها كان يُقفل شيء من الذاكرة، منذرًا ببداية النهاية لقصة مقاهي الرصيف في شارع “الحمراء”…
فالشارع الذي كان قبلة المثقفين اللبنانيين والعرب منذ خمسينات القرن الماضي، صمدت فيه ثلاثة مقاهٍ بعد انتهاء الحرب لتشكل ثلاثياً ذاع صيته في لبنان والعالم العربي. لكن بداية النهاية كانت مع إغلاق مقهيي “المودكا” و”الويمبي”، واكتملت لاحقاً بإغلاق مقهى “كافيه دو باري”.
وعلى رغم أن “المودكا” كان واحداً من مقاهي “المثلث” الذي ضخ الدماء في شرايين شارع “الحمراء”، إلا أنّه لفظ اَخر أنفاسه في 28 شباط عام 2003، “بعدما استسلم لإغراءات الاستهلاك ومحال الألبسة والماركات العالمية”.
بإقفال “المودكا”، حدث ما يشبه التظاهرة الثقافية دفاعاً عن بقائه، يومها، نزل عشرات الشبان والشابات الى رصيف المقهى وشكّل المحتجون على الإقفال لجنة سموها “لجنة متابعة إنقاذ المودكا”. يومها كثير من الحبر سال حزيناً على صفحات الجرائد في وداع ذاك المقهى الذي احتضن الكثيرين من كتابه طيلة 32 عاماً.
الويمبي
وبدل إنقاذ “المودكا”، أكمل مسلسل إقفال مقاهي بيروت طريقه، مع “الويمبي” في 4 شباط 2007. ثم جاء دور مقهى “كافيه دو باري” الذي إفتُتح في نهاية الستينات، وكان يشكل مساحة إلتقاء وحوار. وكغيره من مقاهي رصيف “الحمراء”، تمكن من الصمود على رغم كل الحروب المتعاقبة، إلا أنه في أعوامه الأخيرة قبل الإقفال، إنطبع بصفة “الختيرة”، ليقتصر رواده على من بقي وفياً له من الذين لم يشأوا أن يغيّروا العادات والمكان، فبقوا يجتمعون في جلسات، تمتزج فيها أحاديث متنوّعة بكل ما يتعلق بالمدينة وحركتها السياسية والثقافية من تطورات”. وسرعان ما أجبِر على الإستسلام للتحوّلات “الدراماتيكية” التي لحقت بشارع “الحمراء”. ويومها سقطت لافتة “كافيه دو باري”، ووُضعت على بابه عبارة “ملغى” باللغة الإنكليزية، وتحوّل الى ورشة عمل تمهيداً لتحويله الى مطعم وجبات سريعة.
جبروت رؤوس الأموال يقفل مقهى القزاز
وما اقتصر مسلسل إقفال مقاهي بيروت العريقة على شارع الحمرا، فها هو “قهوة القزاز” أقدم مقهى في حي الجميزة التراثي القديم، يقفل أبوابه للمرة الأخيرة في 10 كانون الثاني 2001، ويرحل عن 90 عامًا من تاريخ بيروت وذكرياتها، بعدما صمد في وجه الزمن والحرب ليسقط أمام جبروت رؤوس الأموال.
لم تفلح يومها صرخات أنجيل أبي حيدر، صاحبة المقهى الذي ورثته عن والدها وجدها بالتصدي لهذه “الجريمة”: “تاريخ القهوة جزء لا يتجزأ من تاريخ بيروت.. كان يقصده صائب سلام وبيار الجميل وكميل شمعون. كما شهد على ثورة 1958 البيضاء ومحاولة الانقلاب عام 1961 على الرئيس السابق فؤاد شهاب”.
على جدران الأبنية في حي الجميزة، علقت في ذاك اليوم الحزين ملصقات كتب عليها بالإنكليزية “وداعًا مقهى الجميزة” مع صورة فنجان قهوة تنزل منه دمعة حمراء ودعوة للمشاركة في المقهى في “آخر فنجان قهوة”.
مطعم فيصل
وفي المقلب الآخر من رأس بيروت وتحديدًا في “شارع بلس”، حكاية أخرى حزينة، هي حكاية مطعم فيصل الذي أنشئ في أوائل الأربعينات قبالة المدخل الرئيسي للجامعة الأميركية، ليقفل هذا المعلم التاريخي في النصف الثاني من عقد الثمانينات وتقفل معه سجالات وحوارات معمّقة كانت تدور على طاولاته يوميًا.
فذاك المطعم عُرف بطابعه الفكري – الجامعي كون مركزه مقابل الجامعة الأميركية في بيروت، وكان روّاده طلاب وأساتذة الجامعة لبنانيين وعربًا، وأبرزهم المفكر والكاتب الراحل منح الصلح، حيث طرحوا وناقشوا أهمّ أفكارهم داخله…
ويروي عيتاني: “تستطيع أن تطلق عليه كل التسميات فالله وحده أعلم بالاتفاقيات والتحالفات السياسية التي حيكت تحت سقفه، كما ضم كل الأضداد فكريًا وسياسيًا. فمعظم أعضاء الحركة الوطنية اللبنانية ارتادوه وعلى رأسهم كمال جنبلاط، ومحسن إبراهيم. وارتاده أبرز رجالات السياسة اللبنانية في ذلك الوقت أمثال كامل الأسعد وعادل عسيران، كما احتضن أدونيس وكمال الصليبي، والكثيرين الذين لعبوا دورًا هامًا قبل وخلال الحرب اللبنانية”.
مقاهي الروشة.. وذاك “الدولتشي فيتا”
في المنطقة الساحرة المتمددة قبالة صخرة الروشة، إفتُتح عدد كبير من المقاهي، وكان أشهرها مقهى “لا دولتشي فيتا”.
الكثير حكي عن ذاك “الدولتشي”.. قيل إنه كان مركزاً معتمداً لنشاط الكثير من رجال مختلف أجهزة الاستخبارات الخارجية، التي كانت تتخفى بزي رجال أعمال أو صحافيين، وقيل أيضًا إن في أرجائه حيك العديد من الانقلابات في عدد من الدول العربية، وظلّ “الدولتشي” قبلة بيروتية إلى أواخر السبعينات حين طوته الحرب الأهلية اللبنانية.
والى الدوتشي فيتا مقاه أخرى ذاعت شهرتها في الروشة، أبرزها: “الغلاييني”، “نصر”، “دبيبو”، “شي بول”، “بوباي”، “الغندول”، “شانغريللا” وسواها…
حينها، لم تكن مقاهي “الروشة” مقتصرة على الترفيه، ولعب طاولة النرد، أو “الداما” أو “دومينو، وتدخين الأراكيل، إنما كانت جزءاً حيوياً من معالم بيروت، حيث كانت أشبه بمنتديات للقاءات الأدبية، والفكرية، ومقراً للحركات السياسية والنقابية، ومركز تجمّع لتحريك الرأي العام، والتظاهرات، وتنظيم الاحتجاجات، والانتفاضات المطلبية والشعبية حتى بات بعضها معلماً أساسياً من حركة بيروت.
ماذا بعد؟ لدى عاشق بيروت الكثير ليحدثنا عن مقاهيها، وبكل ذاك الحنين لذاك العزّ يختمها: “أقفلت “قهاوي” بيروت القديمة أبوابها، فتصدّعت أبواب المدينة، وصارت مشرّعة أمام كل ما هو “فرنجي برنجي”.. ولم نعد نملك إلا التأمل في تفصيل وجوه من عاصر تلك الحقبة، بكلّ ما حفرته السنون عليها، متحسرين على واقع لا يشبه بيروت ولا تشبهه”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]