
أنا لن أغادر، ولن أترك بيتي.
حتّى لو أحالتني قذيفة طلاءً أحمر، يصبغ جدرانه!
حتّى لو صيرتني، يتناثر يختلط مع غباره.
أنا لن أغادر.
ليس عنادًا، ولا ادّعاء بالصّمود أنا لن أغادر. إنّما لأنّي دفنت عمري وجهدي في أساساته وجدرانه.
دفنت فيه خمسة وأربعين عامًا، صيّرت ساعاتها وأيّامها وأسابيعها وشهورها وسنواتها رملاً وحصًى وطلاءّ وأبوابًا وشبابيك وبلاطًا واسمنتاً وحديدًا. صيّرت عمري فيه ذكريات وزّعتها باقات حبّ في زواياه، وعلّقتها إطارات أمال فوق جدرانه.
مسحت بلاطه بصدري العاري ألف مرّة ومرّة، وغسلته بعرقي ودموعي كلّ تلك السّنين. سيّلت على زجاج نوافذه بخار أنفاسي صورًا وقلوبًا، وأكفًّا لا تحصى.
لي فيه كثير من أبي وأمي وأهلي. ولخدّي فيه حكايا وحكايا مع خد زوجتي. ولحضني فيه أغمار حبٍّ مع أبنائي يوم كانوا أطفالاً. ولصوتي في فراغه أصداء عمر لن يتردّد في سواه؛
فإلى أين أغادر؟
أنا لن أغادر، ليس لأنّي وطنيّ، بل لأنّي لا أحتمل كوابيس الغربة، وقد صار بيتي قبرًا غابت عنه جثّتي.
أنا لن أغادر، ليس لأنّي أحبّ الشّهادة، بل لأنّي لا أحتمل المبيت في غير فراشي، وعلى غير وسائدي.
أنا امرؤ يعيش بذاكرته ووجدانه وبعض الحبّ الّذي جناه في هذا المكان. فما الّذي سيبقى لي؛ إن أنا غادرت.
ولأنّي أحبّ الحياة أفضّل أن أسقط مع بيتي، لا أن أجلس فوق ما تبقّى من ركنه، أبكي وأرثيه.
… لهذا وبكل بساطة أنا لن أغادر.
