#dfp #adsense

محبسة مار سمعان البقرقاشية نذر تقلا البشراوية

حجم الخط

محابس ذات بنيان يحيِّر العقل ويدهش العين في بنية معمارية أشبه بمعجزة نسكية مبنيَّة بالدَّبش البري وطين التراب داخل تجويف صخريّ متغلغل وسط شير عمودي، الوصول إليه عصيّ إلاّ على رفوف الطَّير وأجنحة الضوء الشمسيّ وظلال الغيوم وأفواج نحل نخاريب العسل المُصفَّى من معلَّقات الزهور البريّة. صوامع تتلاقى فيها مشاهد قاديشية وتتآلف وتتجانس لتكسر بعجائبياتِها الرقم القياسي لعجائب الدنيا السبعة، وهل غيرهم حبساء تلك القفار والأشيار من يستحق جائزة المرور والعبور في أضيق المعابر والطرق المؤدية وحدها إلى ملكوت الخلاص، والرب هو واهبهم جائزته العظمى!

محابس راكمت الدهور وكلَّلت عهود ساكنيها بأكاليل الظَّفر، أولئك المهاجرون من دنيانا هجرة لا عودة منها إلى أرضياتنا الواهية وانشغالاتنا الصّاخبة، يجذبهم نداء أقدس لا يُرَدّ، تترجمه لهم هدرة الينابيع وسقسقة السواقي وزقزقة البلابل والحساسين وحفيف أوراق أشجار نابتة، نبتَ شمامسة يتسربلون بنفناف الشتاء وأقحوان الربيع وسنابل الصّيف وتأمُّلات الخريف!

محابس غاية غاياتها اكتشاف وافتتاح مدرسة ليس فيها كتابٌ واحد من كتب فلاسفة الأمم ولا تعليم واحد من تعاليم علماء المادة والتلاعب بكيمياء الإنسان والطبيعة، مدرستهم مقصد تلاميذ ملائكة يشتهون لوجوهم ذات طبعة وجوه أولئك الحبساء، ولتلاميذٍ حبساء يجاهدون لأن يعيشوا بأجساد ملائكية، وبين هؤلاء الملائكة والحبساء لغة وحيدة مشتركة يجمعها ويفسِّرها نشيد ابتهال آراميٍّ عريق مصقول الشِّعر بالبساطة والارتقاء والانخطاف:

“مورو دعِلويآ وسَبرو لتَحتويآ”… يا سيد العلوين ورجاء الأرضيين!

علاَّمة أزمنتنا المارونية واللبنانية والشرقية ومنارتها البطريرك اسطفانوس الدويهي الذي لم يغفل أو يتغافل عن أي شاردة وواردة من سيرتنا ومسيرتنا المنذورة لإرثنا اللبناني في عِرقه الأصفى، كان قد ذكر وأرَّخ ما يلي: “عام 1112 مسيحية، بَنَت تقلا إبنة الخوري باسيل البشراوي محبسة بقرقاشا، التي تحولت فيما بعد إلى محبسة مار سمعان”!

كيف لتقلا الصبية التقية النقية أن تبني محبستها كسراج حجريٍّ معلَّق على حافة شير عموديّ عصيِّ الوصول، إلاَّ على رفوف الطير، يربط ضيعة بقرقاشا وجزعها الصَّخري بجذور الوادي المقدس؟ هل من يدٍ غير يمين الرب عضدت وساندت وسندت يدي إبنة الخوري باسيل البشراوي كي توفي نذرًا بقرقاشيًا مناسكيًا وهي تختار لنذرها مكانًا محفوفًا بأخطار ومجازفات يستصعبها أشدُّ الرجال جرأة وإقدامًا، وكم هو عجيب المهندس الأقدس في اختياره مختارته تقلا كي تسابق أجنحة النور والنسور إلى حافة شوار سمعان!

محبسة مار سمعان بقرقاشا تتصومع فوق مطل تاريخي وجغرافية محابس غاية هندستها اختيار الآب القدوس لها كي تكون مسكنًا ثابتًا للمدعوين إلى مائدة نادرة ليس فيها خبز من غير خميره ومعجنه، وسمك من غير بحيرتِه وصيده، وها هو الدليل الدويهي يكشف لذاكراتنا سيرة روادها الأوائل مبتدئًا بالحبيس يوحنا القناتي.

تنفتح فيها رؤى أقطاب الزهد انفتاحًا لا حدود له ولا سدود، على خالق السماء والأرض وكلِّ ما يرى وما لا يرى، فينصرفون بنذورهم ونفوسهم وآياتهم لفهم وإدراك الآية القائلة:

“ليس لنا ههنا مدينة ثابتة بل نرجو الآتية”، وهم الأكثر إيمانًا وإدراكًا بأنَّ بُناة إهراءات الغلال الدنيوية سيصابون آجلاً أم عاجلاً بصدمة السّوس الذي سيتسلل في غفلة عنهم، إلى غلالهم ويفسدها وإلى مأساة السّارق الخاطف الغادر، وهل من سارق أدهى وأخطر من الموت الذي يداهم أرباب الأرصدة المصرفية الفاحشة مداهمة المخاض للحبلى، فلا يفلتون منه! وما أسماكم أيها المقاومون سلطان الظلمة البرانية بسراج نسككم، طوباويو النسكِ والمناسك وأنتم تنشدون عنا وباسمنا ما لا نجرؤ نحن إنشاده في اعتراف المزمور الخمسين: “ها نحن بالآثام حبِلَ بنا وبالخطايا ولدتنا أمهاتنا”.

محبسة مار سمعان بقرقاشا ذات مطل تاريخي جغرافي يلتحم التحام الخبز والخمر والزيت والسراج، يشرف على تاريخية وجغرافية محابس يتمنّاها الرب الخالق أن يكون من صلب سكّانها الذين نقلوا تفاصيل ملكوته إليها ونشروا وثائق ملكه وأملاكه فيها، وها هو الدويهي يشكف مجدَّدًا عن روادها الأوائل ابتداءً من الحبيس يوحنا القناتي الذي استبدل ضيعته قنات بمحبسة قنوبين الكبرى عام 1228 فأفنى جسده فيها حتى آخر يوم وساعة ولحظة من عمره المغبوط، حتى قاربت هامته النسكية هامة السماويين، ليتبعه عام 1393 الحبيس أليشاع الحدثي بطل محبسة مار سركيس جارة دير مار أبون وحجر زاويتِه المغروس فوق روابي الوادي المقدس. وبأليشاع النوراني التحق الحبيس الفوَّاح الفضائل كأريح بخور مريم وحديقة الوردية المريمية يعقوب بن عيد الحدثي الذي ترجَّاه أهل رعايا كتف قاديشا، لأن ينهي أيام وسنوات استحباسه، كي يوسم أسقفًا على حظائرها الرعائية متمرسًا باصطياد الذئاب الخاطفة. وبعد نياح البطريرك يوحنا الجاجي عام 1445 مسيحية، اجتمع الأساقفة ورؤساء الأديرة وعامة الشعب وانتخبوا بإلهام الروح، الحبيس الأسقف يعقوب بن عيد الحدثي، بطريركًا على كرسي بطرس الأنطاكية المارونية اللبنانية الراسخة الوجود والعهود داخل كيان بلاد أرز الرب!

بعد الحبيس الحدثي لمع أسم القَسّ جرجس الإهدني مع أسم تلميذه تادرس العينطوريني، حبساء محبسة دير قزحيا المركزية عام 1472 مسيحية، وبعدهما نهض القَسّ بركات البقوفاوي لورشة تشييد محبسة الملاك ميخائيل. في العام 1495 شمال غرب دير وادي كنز الحياة، وبعد البقوفاوي الفائض الوزنات بالتطويبات الإنجيلية، اشتعل وادي قزحيا الأنطونيوسيّ بالنار الأنطونيوسية التي أوقدها في النفوس قريب الكاروبيم وآية محابس جبلنا اللبناني الحبيس يونان المتريتي!

بقرقاشا المباركة هي البيت الثاني من بيوت مسبحة أسرار مجد السيرة النسكية الأنطونيوسيَّة الشيناوية بعد بيتها الأول البقاعكفري ومسبحة أسرار مجد السيرة النسكية الشربليّة المخلوفية، وهل مِن حرج لمحبسة سمعان البقرقاشي أن يكون شفعاؤها الجدد شربل مخلوف وأنطونيوس شينا لتكتمل فيهما وتتباهى وتتألق وتسطع مواهب الروح عند الذين قهروا الممالك ونالوا المواعيد وسدّوا أشداق الأسود وأخمدوا حدة النيران ونجوا من حدِّ السيف وهاموا في البراري والمغاور وشقوق الأرض وكان العالم لا يستحقهم”؟!

محبسة مار سمعان بقرقاشا ودهليزها المتصل بأجيال زهدٍ شاق مثاليٍّ، طوَّب آباءه قادة روحيين لمقاومتنا اللبنانية يصنعون ويحقِّقون معجزات وإعجازات صمودنا وبقائنا بكسرات خبزٍ أشبعت العصافير، لكنّها كانت كفاف قوتٍ المُختار أن يكون وقف الله على الأرض، خبزه نشيد خبز الحياة وقوت الأرواح وعربون النَّعيمين السماوي واللبناني!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل