#adsense

القديسة بربارة قمح الرب في كوارة الحرية.. الحصيدة للأطفال

حجم الخط

تعود القديسة بربارة إلى وجداننا اللبنانيّ المسيحيّ كلّ سنة في الرابع من شهر كانون الأول، لتذكّرنا بقصّة الله مع فتاةٍ محتجزةٍ في ظلام أقبية القلاع، حين خفق قلبُه لقلبِها مخترقًا كلّ تلك العوازل الصخريّة الصلبة، حيث لم يستطع الظلام إخفاء نور عينيها الشاخصتين إلى نور الرجاء الآتي من السماء والعاصي على كلّ سواتر البشريّة مهما كانت صلابة شرّ حقدها سميكة وحالكة.

منذ القرن الثالث ميلاديّ وحتّى كتابة هذه السطور، والحرّيّةُ الدينيّة ممنوعة على كلّ من أراد أن يحبّ الله ويعبده بحسب قلبه وضميره. كُثرٌ حاوَلوا وما زالوا يحاولون الوقوف سدًّا بين قلب الله وقلب الإنسان، لكنّهم لم يحصدوا سوى الفشل، فإرادة الله لا يعيقها إنسان مهما طال عمره أو عَلَت رتبته، فالله الجالس في ملكوته، يخاطب الإنسان عموديًّا ومباشرةً من دون المرور بأيّ سلطةٍ بشريّةٍ. يوم قرّر مخاطبة القدّيسة بربارة لم يستأذن ديوسيقورُس والدَها ولم يخَف سلطة مركيانوس الوالي، بل أرسل ابنه يسوع المسيح ليعطيَها نعمته وبركته، وليحجزَ لها منزلًا في ملكوته السماويّ.

تجاهد الكنيسة اليوم لتضع الحرّيّة الدينيّة في رأس سلَّم الحرّيّات، لكنّ الفكر البشريّ الخائف من خروج الإنسان من تحت سلطة استعباده ودخوله إلى قلب الله، يستنزف كلّ قواه ومقدّراته في تفسيرٍ معتورٍ لكلمةِ الله وقصدِه تجاه المؤمن، لكنّ نزيفه لا دواءَ له ولا حول ولا قوّة لمقدّراته، لأنّ الكنيسة نبعُ محبّةٍ يدفق من قلب الله ليروي عطش كلّ مؤمن يخفقُ قلبُه نحو الله.

تعود القدّيسة بربارة إلى تقاليد عائلاتنا ومنازلنا، ينتظرها الأطفال لابسين ثيابًا تنكّريّة مع وجوه مصنّعة من كرتونٍ أسوةً بالقدّيسة التي تنكّرت بثياب المزارعين، هَربًا من غضبِ والدها في سبيل حرّيّة إيمانها بالربّ يسوع، يقرعون الطبول وينقرون الدفوف على أبواب المنازل لتلاقيهم الأمّهات بحلويات العيد وتوزّع عليهم القمح المسلوق، إيذانًا ببدء مواسم الزرع الّتي سيحصدونها ببركة الله ونعمته. يجوبون طرقات القرى من منزلٍ إلى آخر ويدخلون إلى سلام كلّ عائلة يأكلون معها حلويات الزلابية والعوّيمات الّتي صنعت من حصاد المواسم بتعب الرجال ومن مطبخ النساء. إنّه عيد الأطفال السائرين في القرى يبحثون عن سلامٍ يخرج من قلوب من يلتقونهم، يريدون طمأنينةً تأتي من أهل سلطتهم ليعيشوا براءة طفولتهم ويعودوا بها إلى فرحة عيد الميلاد الآتي. تقرع الأجراس فرحًا بعيد القدّيسة بربارة ولكنّها تقصد هذا السلام الصادح من ضحكات الأطفال وأغانيهم، إنّها مشيئة الله أن نعود كالأطفال نضجّ في طرقات بلداتنا سلامًا وطمأنينةً لكلّ من يأتي إلينا، وألا نحمل له سوى ذاك السلام النابع من صليب الربّ يسوع، وأن نتقاسم معه من خيرات تقاليد عائلاتنا، ولا ننتظر منه سوى البسمة الخارجة من فرح السلام القابع في قلبه.

تعود إلينا القديسة بربارة لتذكّرنا أنّ سلام الله يهدر في قلوب الجميع ووجدانهم وعلينا أن نعطيهم حرّيّتهم ليعبدوه بحسب خفقة قلوبهم وما تملي عليهم ضمائرهم. وفي النهاية جاء في وثيقة الأخوّة الإنسانيّة: “إنّ الحرّيّة حقٌّ لكُلّ إنسانٍ: اعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا ومُمارسةً”. كانت هذه غايةَ استشهاد القدّيسة بربارة في القرن الثالث ميلاديّ وهي اليوم موضوع شهادتنا أمام الجميع، لا خوفًا من الشرّير، بل حبًّا بالمسيح.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل