شروط وقواعد.. حتى لا يصير المراسل خبراً أسود

حجم الخط

 كتب جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1747

 

على الجبهات يكونون أول الواصلين لتغطية المعارك والحروب الدائرة وما أكثرها في لبنان الذي يُعتبر من الدول الساخنة إن لم نقل إنه في كل عرس دم له أقراص وشهداء!

قبل أن يتحول الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب إلى خبر مباشر بالصوت والصورة كانت الفلاشات من غرف الأخبار تتولّى نقل الخبر ولكن حتمًا ليس لحظة بلحظة. مع تحوّل الإعلام إلى رقمي باتت وسائل التواصل الاجتماعي العين الثالثة التي تسبق أحياناً المراسل الصحفي، لكن دائمًا هناك خيط الشفافية والمصداقية الذي يفترض أن يكون محبوكاً بقلم وعدسة وصوت المراسل الحربي.

نقول المراسل الحربي وليس مجرد مراسل وهذا يعني أنه منذ اللحظة التي يقول فيها “نعم أقبل أن أتوجه إلى هذه الجبهة أو تلك” يكون وضع حياته على كف يده إلا إذا التزم بالشروط التقنية واللوجستية والعلمية الواجب اعتمادها. وشتان ما بين مراسل حربي ملتزم بقواعد الخبرة الإعلامية وآخر يفترض أن الوقوف على خط النار هو مجرد نزهة أو “ستوري” يتباهى بها على صفحته عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

إلى الجبهة در!.

تطرح مشكلة الأمن الشخصي نفسها دائمًا خلال تغطية المراسلين الحربيين النزاعات المسلحة والعمليات الحربية من أجل المواءمة بين تأمين التغطية الإخبارية بشكل سوي وبين حماية المراسل الجسدية من جراء تبادل النيران الناتجة عن عمل عسكري ما وعلى مقربة من المراسل.

صحيح أن جولات المعارك والحروب والتفجيرات في بيروت لم تتوقف وفي كل حرب منها يحصد الموت الغادر باقة من الشهداء الإعلاميين وآخرهم وليس أخيرهم مصور وكالة “رويترز” عصام عبدالله ومراسلة الميادين فرح عمر والمصور ربيع المعماري الذين استشهدوا خلال تغطيتهم حرب غزة والقصف الإسرائيلي على الجنوب اللبناني. أما في الداخل الإسرائيلي فأعداد الإعلاميين الشهداء تخطت الـ49 والآتي قد يكون أعظم!

انطلاقًا من ذلك وضع الباحث المتخصص في مكافحة الإرهاب بيار جبور دراسة متقنة عن القواعد التي يجب أن يلتزم بها المراسل على الجبهات لضمان سلامة حياته الشخصية وحمايته قدر المستطاع من أي خطر. ويشير إلى أهمية تحويلها إلى مادة تُدرَّس في كليات الإعلام وحتى في المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة.

بداية لا بد من التمييز بين النزاعات المسلحة أي القتال على فترات متقطعة على غرار جولات المعارك في طرابلس بين جبل محسن وباب التبانة والمعارك في عين الحلوة. أما الحروب فتكون على شكل متواصل ويسقط فيها عدد كبير من المسلحين.

في مقدمة الدراسة التي يقول جبور إنها نتاج خبرة طويلة اكتسبها خلال الحرب بين العامين 1975-1990 تشديد على ضرورة أن يتلقى المراسل الحربي تدريبات عسكرية أولية على يد عناصر الجيش اللبناني للإفادة من كل المعلومات الخاصة بحمايته الشخصية. ويشير إلى أن هذا النظام بات متبعًا في تشيكيا حيث يتم تنظيم دورات لحماية المراسلين الحربيين.

حماية الصحافيين والمراسلين الحربيين وفق القانون الدولي:

ثمة نصوص دولية وُضعت لتوعية المراسلين الصحافيين وتأمين سلامتهم الشخصية على الجبهات منذ أكثر من قرن، وتحديدًا منذ توقيع اتفاقية لاهاي في 4 تشرين الأول 1907، وتتعلق بقوانين وأعراف الحرب البرية. وقد نصت المادة 13 من هذه الاتفاقية على التالي: إذا وقع الأشخاص الذين يرافقون الجيش والقوى الأمنية من دون أن يكونوا جزءًا منه كالمراسلين الصحفيين ومتعهدي التموين في قبضة العدو يتم التعامل معهم كأسرى حرب شرط أن يكون لديهم تصريح من السلطة العسكرية للجيش الذي كانوا برفقته.

غالبًا ما تكلّف “النجومية” وحب الظهور والتباهي المراسل الحربي حياته. وعليه يجب أن يلتزم المراسل الحربي بشروط السلامة العامة وأن يكون ملّماً ولو بشكل جزئي بأنواع الأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والمدفعية.

الاطلاع على أنواع الدبابات ضروري كون قذائفها تخرق الباطون المسلح والفولاذ بدرجات عالية. وعندما تُستعمل في المعارك ويكون القصف مباشرًا على الأبنية السكنية فالخطر يكون حقيقيًا وعلى كل فرد ومراسل أن يحتمي في داخلها. وفي هذه الحال يُستحسن تجنّب الطوابق العالية والاحتماء قدر الإمكان في الطوابق السفلية، وتحديدًا في النقاط التي فيها جدران كثيرة من جهة الرمي أو في الملاجئ أو مواقف السيارات تحت الأبنية إذا وجدت.

ومن النصائح التي يجب أن يتقيد بها المراسل:

الابتعاد قدر الإمكان عن الأبنية التي ترتفع عليها لوحات إعلامية، حيث تسهل إمكانية تحديده من مسافة بعيدة وبسرعة.

عدم إعطاء أي انطباع لدى العدو أو الفصائل المسلّحة المتواجدة في الجهة المقابلة بأن المراسل هو مقاتل.

في حال التعرّض للإصابة، على المراسل أن يوهم الطرف العدو بأنه تعرّض لإصابة قاتلة خصوصًا في حالات القنص.

عدم الوقوف على الشرفات.

تجنّب الخلفيات المضيئة.

عندما يجد المراسل نفسه داخل آتون نيران المعارك يلجأ إلى أقرب بناية، لكن ثمة قواعد وشروط على المراسل اتباعها للحماية داخل الأبنية السكنية وهي:

تحديد أماكن مواقف السيارات المسقوفة بالقرب من المباني والمستودعات والمنشآت الأخرى التي قد تمنع خطوط الرؤية من الجهة المقابلة، أي من اتجاه الرمي المباشر والاستفادة من أي عائق لمنع خطوط البصر. أيضًا يجب على المراسل رصد عدد من المباني في بقعة العمليات العسكرية.

من الضروري الاحتماء في الطوابق السفلية وداخل المنازل والوقوف في وسطها، إذ إنه من المتعارف أنها من أكثر الأماكن المحصّنة من جميع الجهات وتجنّب الوقوف في مدخل المنزل.

التغطية الإخبارية والتصوير في مسرح العمليات الحربية:

خلال الاشتباكات يُنصح بعدم السير والالتحام مع المقاتلين واتخاذ مكان آمن للتصوير بعيدًا من مكان وجود المقاتلين وسطوح المباني الشاهقة وداخل منطقة الاشتباكات.

كيفية تنقّل المراسلين خلال الاشتباكات:

اربعة أسئلة يجب أن يطرحها المراسل قبل أن يتوجه في مهمته: من أين؟ إلى أين؟ كيف؟ ومتى؟

بمعنى أوضح من أين تكون نقطة الانطلاق وإلى أين، وهنا يجب أن يكون ملّمًا بجغرافية الموقع الذي سيتمركز فيه، وبالتالي كيف يمكن الوصول إليه وكيفية التحرك هناك ومتى في ما يتعلق بالتوقيت.

سلسلة الأمرة:

تكون منطقة العمليات مع الجيش النظامي أكثر تحديداً وكذلك الإجابة على الأسئلة. في حين تكون الصورة ضبابية إلى حد ما مع عناصر ميليشيات غير منضبطة.

العتاد المطلوب للمراسلين الحربيين:

الطاسة.

الدرع المضاد للشظايا.

لباس يعرِّف عن الصحافي مكتوب عليه كلمة PRESS بأحرف كبيرة للتمييز عن مسافات بعيدة. إلى ذلك يجب أن يكون اللباس بعيداً كل البعد عن كل ما يرمز إلى اللباس العسكري.

إجراءات واجب اتخاذها قبل الانتقال إلى نقطة التغطية وخلالها:

قبل الانطلاق بالسيارة يجب إجراء كشف عام على خزان الوقود وأخذ ملابس إضافية وصندوق إسعافات أولية ومياه للشرب وطعام.

على المراسل التأكد من وجود الأوراق الثبوتية التالية: بطاقة الهوية، بطاقة المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها وبطاقة فئة الدم إذا لم تكن مدوّنة على بطاقته الصحافية، والإذن الذي استحصل عليه لدخول المنطقة العسكرية.

التأكد من ساعات حظر التجول والحواجز العسكرية.

خلال التجول نهاراً:

يجب على المراسل الإعلامي أو الفريق المتوجه نحو منطقة العمليات أن يكون ملّمًا بالطريق التي سيسلكها والتزوّد بأرقام أقرب مركز عسكري أو أمني أو بصحافيين آخرين.

عدم التجوّل وحيدا ودعوة صحافيين لمرافقته في المهمة  في نفس منطقة العمليات.

عدم وضع أي عتاد عسكري أو حمله خلال مهمة التغطية الحربية كمثل: مناظير أو أي لباس عسكري.

اعتماد ملابس مريحة للتحرك.

خلال التجول ليلاً:

أي نشاط ليلي يكون أكثر خطورة بسبب صعوبة التمييز والتحديد واحتمال وقوع المراسل الحربي بين أيدي المقاتلين. وعليه يُستحسن تجنّب أي نشاط ليلي قدر الإمكان.

التنبّه خلال التحرك ليلاً وعدم القيادة بسرعة.

عدم إضاءة أية مصابيح أو إنارة سواء تلك الناتجة عن مصابيح ليلية أو الكاميرا أو الهاتف الخليوي والأجهزة الكلاسيكية أو المسجلة.

اختيار الطريق بعناية والتنبّه من سلوك الأماكن المظلمة.

التوقف في محطات عديدة والاستماع إلى بعض التعليمات.

في حال مواجهة أضواء كاشفة على المراسل اتخاذ وضعية الانبطاح والانتظار إلى حين تغيير وجهة مصدر المصابيح.

رفع علم أو يافطة مكتوب عليها عبارة صحافة على سطح السيارة أو مقدمتها.

التزوّد دائما بوجبة خاصة بالمسافات البعيدة وضوء بطارية وتصريح من السلطات المسؤولة بالتواجد في بقعة العمليات.

تجنّب التنقل خلال اشتداد المعارك خصوصًا في ساعات الليل.

عدم التنقل ضمن قوافل المقاتلين إلا في حال الضرورة القصوى لتفادي التعرّض للكمائن أو القصف.

يُستحسن أن يكون المراسل على إلمام بالإسعافات الأولية وأن يكون مزوّداً بصندوق يحتوي على أدوية وضمادات ومطهِّر للجروح.

ملاحظات هامة:

من الضروري أن يكون المراسل ملّمًا بأنواع الأسلحة وأعيرتها من خلال الصوت: عندما تكون الانفجارات خفيفة فهذا يعني أنها أسلحة خفيفة وعليه يجب الاختباء في الأماكن التي لا تخرقها عيارات الأسلحة.

عندما تكون الانفجارات قوية بعض الشيء بحيث تعنف أحياناً وعلى نسق متواصل وبنفس الأصوات فهذا يعني أنها رمايات من أسلحة متوسطة وثقيلة.

إذا كان إطلاق النار متقطعًا وأحادي الطلقات فهذا يعني أنها عملية قنص وهو من أخطر الرمايات في المعارك لأن الخطأ هنا محدود جدًا وخصوصًا من مسافة قريبة أو في ظل عوامل طبيعية كالعواصف أو هطول أمطار غزيرة. في العادة يتجنّب القناص الأماكن المكشوفة، ويتمركز في الغرف الداخلية للمباني ولا يمكن رؤيته.

إذا تعرض المراسل للخطف:

لا تجوز المقاومة ولا الهرب حتى لو كان متأكداً من إمكانية ذلك.

يجب الحفاظ على رباطة الجأش قدر الإمكان والسيطرة على تصرفاته.

التظاهر بالهدوء على رغم كل التوتر والخوف، إذ يمكن أن يكون الخاطفون في حالة عصبية.

من الضروري أن يتذكر المراسل الحربي أي تفصيل ممكن، أو الأصوات المحيطة أو الرائحة أو التحركات والمدة الفاصلة في ما بينها حتى إذا ما تمكن من الهرب يستطيع إعطاء المعلومات لمساعدة زملائه المخطوفين.

يجب مراقبة تصرّفات الخاطفين وأي شيء يمكن فعله للمساعدة على الهرب.

قبول طلبات معقولة من الخاطفين لكن ليس بهدف تعزيز أهدافهم.

يبقى مضمون الخبر وهنا تسقط كل معايير الموضوعية لأن الأولوية تكون لخلفية الوسيلة الإعلامية السياسية وضمير المراسل المهني. وما أدراكم بالرسائل المشفرة التي يبثها المراسل الحربي أحيانا للجهة التي تخدم سياسة المحطة!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل