#dfp #adsense

يا عيب الشوم!

حجم الخط

 

صحيفة النهار  – سمير عطالله

بنى الرحابنة الآباء عبقرياتهم على حلم #لبناني ممكن الاحتمال، يشوبه بين فترة وأخرى مغصٌ أو غصةٌ أو هفوةٌ عابرة. أي أن جميع الإصابات قابلة للعلاج، أو المعالجة، وإن لم يكن للشفاء التام. أما زياد الرحباني فقد بنى عبقرياته على السخرية من تلك الاحتمالات، وأخذ يشحّل الأحلام واحداً بعد الآخر. ولم يترك شيئاً أو أحداً إلا وناقره، من أوّله إلى آخره، كما يفعل طائر “نقّار الخشب Woody woodpecker”. كان للزمن والمراحل دورٌ في الاختيار. زمنُ الآباء كان لا يزال خصباً، متسامحاً، فيه مكانٌ للآخر، وسعةٌ لطبائع الآخرين وطبيعة المرحلة. أما زمن الابن فقد بدأ مهترئاً، رافضاً، عاصياً على الحسنات والنيّات الطيبة. ولذلك انصرف بمواهبه الفائقة، شعراً ومسرحاً وموسيقى وغناءً، إلى تفكيك الاسطورة وتبديد الوهم.

 

المسرحية الأكثر عمقاً ومرارةً في أعماله، كانت “بالنسبة لبكرا شو” أكثركم تعرفونها، وإنما فقط لشيءٍ من التذكير، فهي تحكي قصة زوجٍ وزوجة عاجزَين عن تأمين رغيفٍ نظيف، فتذهب الزوجة إلى أعمالٍ مشبوهة، ويصرف الزوج انتباهه عنها. وبين الزوج والزوجة هناك ابنٌ مدللٌ، متخلّف ذهنياً، شديد الأنانية، كثير المطالب، رديء العناد. وكان الابن محطّ خناقٍ دائم بين الأب والأم، يتهكّم عليه والده عندما يريد الانتقاص من موقع أمه في المنزل، خصوصاً في أدائه المدرسيّ، فالعلامات التي ينالها على فروضه، جميعها تحت الصفر. في أحد المشاهد التي تتحوّل فيها المسرحية من الهزء والهزل إلى الدراما، يصف الأب مطالب ابنه لصديقٍ له، فيقول إنه يقف أمام واجهة زجاجية ويطلب لعبة بإصرار. يحاول الأب كل ما يستطيع لإقناعه بأنه لا يملك ثمن اللعبة. لكن الولد يظلّ واقفاً أمام الواجهة، متنحراً، مهدداً، إلى أن يحصل على ما يريد.

 

يعطي زياد الموسيقى دوراً في التنقل بين الكوميديا والتراجيديا، وخصوصاً آلة الجاز الذي يحبه أكثر من سواه. ويتركنا هنا معلّقين بموسيقاه التصويرية الحادّة، مفضّلاً أن يلعن الحياة على أن يلعن ابنه، وصاغراً لمشيئة الفقر والخوف، بدل أن يتمادى في التمرد على حاله المسكينة. يحترق العالم من حولنا وتخاف الأرض بأجمعها من تهديد الحريق، والصبي أمام الواجهة لن يعود إلى البيت إلا وقد مُنح اللعبة التي يتنحر من أجلها. عبثاً يحاول الكثيرون إقناعه بأن الوقت ليس وقت ألعاب، ولا شهواتٍ صغيرة، ولا حروبٍ، أو مسابقات أو منغّصات لكل مَن حوله. عبثاً تحاولُ اقناعه بأن القضية ليست لعبةً ولا أنانية ولا مجرد دلعٍ آخر من الدلع الذي أفسد حياة الناس وهدد طمأنينتهم، وأباد سكينتهم، ودمّر مستقبل أبنائهم.

 

القضية، أو المسألة، أن الفتى يُصرّ على التمسك بأقدس الأشياء في أصول الحكم وقيام الدولة. ولم يعد أي لبنانيٍ يعرف عن أي دستورٍ يتحدث السادة المكلّفون حماية “الكتاب”. ففي الذاكرة أن دُعاة هذا النوع من الدساتير شكلوا أول حكومةٍ نقيضة لكل دساتير الأرض: حكومة عسكرية من ثلاثة ضبّاط ومن طائفة واحدة. وهذه الحكومة التي لا تتمتع بدرجة الصفر من الحقّ الدستوري، هي التي تولّت أيضاً منع أعضاء مجلس النوّاب من العودة إلى بيوتهم. وهي التي ذهبت بالجيش إلى كلّ مكانٍ مناقضٍ لدوره ورسالته وأمانته على الوحدة الوطنية. وهي التي عطّلت جميع المواعيد الدستورية، ومفاهيم الدستور، وركائز الوطن، وتمتعت بمخالفة القوانين والأصول، ووضعت اليد على أموال الدولة، ومنحت نفسها صلاحياتٍ لا علاقة لها بها على الإطلاق. وأعلنت العداء للحكومة الشرعية التي يرأسها واحدٌ من أنبل وأنزه رؤساء الحكومات في تاريخ لبنان، أي سليم الحصّ. هذا القليل مما نعرفه عن مفهوم الجماعة للدستور. وما لم نكن نعرفه أبلغنا إياه وزير الدفاع من #بكركي، متضامناً في الحملة على قائد الجيش، وما يتضمن مثل هذا الموقف من تهديدٍ لوحدة الناس وكرامة الجيش وكرامة المسيحيين. البلد في شدقَي التنين ووزير الدفاع عند خاطر الذين وزّروه. وقد كان في إمكانه أن يُعلن هذا البيان من اليرزة بدل تكبّد العناء في الذهاب إلى بكركي ليقرأ عليها، وعلى تاريخها، هذا الدرس في أصول الحكم وحماية الجيش.

 

تذكّر كثيرون في هذه المناسبة ماذا ذهب التيّارون يفعلون في بكركي زمن قدّيسها الأول وكاهنها الوديع “نصرالله بطرس صفير”. لم يشاهد اللبنانيون الكثير من تلك الحادثة الوضيعة التي تعرّض لها بطريرك الموارنة قبل أن يصبحوا في عهدة زعيمهم الجديد. والأفضل طبعاً ألّا يشاهدوا. ففي ما يرونه ويسمعونه كل يوم ما يكفي لمثل هذه الحياة من الخوف والفزع والحزن والخيبة والذلّ والمهانة والإهانة والنكران والدلع والنكوص والرفض والغطرسة.

 

تساءلنا في مقالٍ سابق، بكل سذاجة، “أين الموارنة؟”، وكنّا نعتقد أنهم ليسوا في أي مكان. فالتاريخ يمشي من خلفهم، والضمير يختبىءُ وراءهم. ولا أثر لهم فيما لبنان واقفٌ على القارعة يتوسّل الالتفات إليه. فلما التفتت خمس دولٍ بينها #فرنسا، تبيّن أن وزير خارجيتها السابق، لا يعرفُ شيئاً عن الدساتير والقوانين والنظرة العليا إلى الأوطان وصيانتها، ورِفعة الدول وسلامتها، كما تُرى من مقر الشالوحي. نحن لا نكفّ عن اعطاء الدروس لأهل الدول الكُبرى. بعد الدروس الاقتصادية لأميركا وبريطانيا، جاء دور فرنسا نُعلّمها حكمتنا في الدساتير بعدما عشنا مع دستور 1926 عقوداً مستقرة، خالية من فتاوى غبّ الطلب، وصروح غبّ الطالبين.

كان الأفضل لنا جميعاً، وخصوصا لوزيرالدفاع، أن يقول ما يشاء من أي مكانٍ آخر. وقد سبق له أن أصاب إصابةً كاملة في وصفه ما وصلنا إليه من هبوطٍ وانهياراتٍ في كل شيء، عندما قال متأسّياً: “يا عيب الشوم”… ولا زيادة على ذلك.​

المصدر:
النهار

خبر عاجل