

كتب لوسيان شهوان في “المسيرة” – العدد 1747
في مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي يعود الى بدايات القرن العشرين، حروب عديدة أظهرت عمق الصراع القائم بينما لم يبلغ بعد، العمل من أجل السلام وإيجاد حلّ للقضيّة الفلسطينيّة مستواه الأوّل حتى. فأفضل المُتاح اليوم بعد أن ينتهي الصراع العسكريّ القائم بين حركة حماس والجيش الإسرائيلي على خلفيّة عمليّة “طوفان الأقصى” هو حلٌ يتخطى الخيارين المتطرّفين، خيار اليمين الإسرائيلي الذي يتمنى تصفية الحضور الفلسطيني كمدخل لتحقيق دولته المستحيلة “من النهر الى النهر” من جهة وخيار الفكرة “الإخوانية” التي تريدها حماس ومن يدور في فلكها من جهة أخرى. “حلّ الدولتين”، يبقى الخيار الثالث والأفضل، ما يجعل من “الخير” اتجاهًا طبيعيًا لمستقبل الشعبين.
المحاولة الاولى، لجنة التحقيق الدولية والقرار 181
في نيسان 1936، قام الفلسطينيون بانتفاضة أطلقوا عليها إسم “الثورة العربية في فلسطين” للمطالبة بالاستقلال عن الانتداب البريطاني وإيقاف الهجرة اليهوديّة نحو الاراضي الفلسطينية. في تشرين الثاني من العام نفسه وعلى ضوء الانتفاضة المذكورة، قامت الحكومة البريطانية بإرسال لجنة الى الأراضي الفلسطينية برئاسة اللورد “إيرل بيل”، وكانت مؤلّفة من كبار المسؤولين البريطانيين مثل “لوري هاموند”، “موريس كارتر” و”هارولد موريس” وغيرهم. عُرفت هذه اللجنة باسم “لجنة بيل” التي سعت لأشهر عديدة للاستماع الى شهادات الكثير من الفلسطينيين حول أسباب الاضطرابات التي حصلت في نيسان 1936 وتحليلها لتجنّب أي ردات فعل أخرى. في تقريرها النهائي الذي نُشر في تموز1937، أوصت “لجنة بيل” بتقسيم الأراضي بين العرب واليهود كحلّ للصراع بينهما عبر إقامة دولة يهودية ودولة عربية على أن تكون القدس تحت الوصاية البريطانية. في أيلول 1937 اجتمع العرب والفلسطينيون في مؤتمر عُقد في سوريا على رفض مقترحات “لجنة بيل” منها بند التقسيم الى جانب الإصرار على طلب إلغاء الانتداب البريطاني ووعد “بلفور”.
في نيسان 1938، وصلت “لجنة وودهيد” الى فلسطين وكانت مهمتها، تنفيذ مقترحات “لجنة بيل” بشأن التقسيم وقد ضمّت أربعة أعضاء برئاسة “جون وودهيد” وبقيت في فلسطين لمدة ثلاثة أشهر. في تشرين الثاني من العام نفسه أصدرت اللجنة تقريرها الذي تضمن استحالة تنفيذ مقترحات “لجنة بيل” التقسيمية بسبب معارضة الفلسطينيين للتقسيم المطروح. كما أقرّت “لجنة وودهيد” بصعوبة تفريغ الدول اليهودية المُقترحة من الفلسطينيين وتعذر إجبارهم على الانتقال الى مكان آخر. في أيار 1939، إعتمدت بريطانيا على “الكتاب الأبيض” بعد تسليمها باستحالة تطبيق خيار الدولتين. وقد حمل هذا الكتاب مشروع حلّ بإنشاء دولة فلسطينية تضمّ العرب واليهود تنال استقلالها في غضون عشر سنوات بعد ترتيب العلاقات بينهما. ولكن الكتاب لم يُكتب له النجاح بسبب معارضة الحركة الصهيونية له في أيار 1942 في مؤتمر نيويورك حيث إعتبر الحاضرون أن هذا الكتاب نقيض لوعد “بلفور”.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا منتصرة ومعها حلفاؤها، ووضعت أمامها ملفات عديدة تتعلّق بسياستها الخارجية ونفوذها الانتدابي. وكان من أبرز هذه الملفات، سعيها من جديد الى حلّ المعضلة بين العرب والإسرائيليين علّها تنجح في إنتاج دولة يهودية هذه المرّة من خلال الأمم المتحدّة التي أبلغتها أنها ستنهي انتدابها في أيار 1948.
مع مؤتمر “لندن” الذي حضرته المملكة العربية السعودية، مصر، العراق والأردن بدا واضحًا الدخول الأميركي على خط الحلّ من خلال مشاركتها بريطانيا في لجنة تحقيق تعيد النظر في القضية الفلسطينية. أرادت هذه اللجنة أن تبقي على فلسطين كدولة واحدة تجمع اليهود والفلسطينيين تحت إمرة الانتداب البريطاني على أن تكون من بعدها تحت وصاية الأمم المتحدّة. رفض العرب هذا الحلّ وطلبوا من بريطانيا إعادة المفاوضات للوصول الى صيغة أخرى للحلّ، وكان لهم ما أرادوا. انطلقت مفاوضات جديدة في لندن مع حلول أيلول 1946 والتي اقترح البريطانيون من خلالها تقسيم الأراضي الى أربع مناطق: منطقة يهودية – منطقة فلسطينينة – القدس – النقب، إقامة حكومة محليّة في كل من المنطقتين اليهودية والعربية مع حكومة مركزية مختلطة من صلاحياتها شؤون الهجرة؛ ولكن العرب رفضوا هذه الصيغة أيضًا.
إذا كانت “لجنة بيل” عام 1937 أوّل محاولة نحو شيء من “حلّ الدولتين”، فإن قرار الأمم المتحدة رقم 181 عام 1947 هو أوّل اعتراف دوليّ بهذا الحلّ بعد نهاية الانتداب البريطاني. صوّتت على القرار 181 33 دولة ورفضته 13 دولة فيما امتنعت 10 دول عن التصويت. تبنّى القرار خطة تقسيم الأراضي إلى ثلاثة أجزاء، تضم دولتين ومنطقة دولية. وفي هذا السياق، طُرح تأسيس دولة فلسطين بنسبة 42.3 في المئة من إجمالي الأراضي؛ وتضم هذه الدولة، كلًا من عكا، الضفة الغربية، الجليل الغربي، والساحل الجنوبي الممتد من رفح جنوبًا حتى شمال أسدود بالإضافة الى أجزاء من صحراء النقب على الحدود مع مصر. أما دولة إسرائيل، فتتكون بنسبة 57.7 في المئة من الأراضي، وتمتدّ من جنوب مدينة تل أبيب حتى ساحل مدينة حيفا، بحيرة طبرية وإصبع الجليل في الجليل الشرقي وإيلات. فيما نصّ القرار على إبقاء القدس ومدينة حيفا وجميع الأراضي المجاورة لها تحت الوصاية الدولية. في 14 أيار 1948 أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين، وفي اليوم نفسه أعلن “دايفيد بن غوريون” قيام الدولة الإسرائيلية. عقب هذا الإعلان نشبت حرب بين الأردن ومصر والعراق وسوريا ولبنان والسعوديّة ضد المجموعات العسكريّة الإسرائيلية والتي تشكّلت من البلماخ والإرجون والهاغانا والشتيرن وانتهت الحرب بهزيمة الدول العربيّة.
حرب الـ67 وتداعياتها
عام 1966 ارتفعت وتيرة الهجمات الفلسطينية من لبنان وسوريا والأردن ضد إسرائيل ما أشعل ردودًا إسرائيلية عنيفة، أبرزها في تشرين الثاني من العام نفسه عندما شنّت إسرائيل غارةً على الضفة الغربية، أسفرت عن مقتل 18 فلسطينيًا وجرح 54. في نيسان 1967 أسقطت الطائرات الإسرائيلية ست طائرات “ميغ” تابعة للجيش السوري. من ناحية مصر، في 14 أيار 1967 حشد الرئيس جمال عبد الناصر الجيش المصري في سيناء وبعد خمسة أيام طلب من القوّات الدوليّة الانسحاب من هناك؛ كما أنه في 22 أيار من العام نفسه أغلق مضيق العقبة أمام السفن الإسرائيلية ووقّع مع الأردن اتفاقية دفاع مشتركة، وانضمت العراق آنذاك للجبهة. أمام كل ذلك، أخذت إسرائيل المبادرة وشنّت هجومًا استباقيًا في 5 حزيران قضى على أكثر من 90 في المئة من سلاح الجو المصري وكذلك سلاح الجو السوري. في ثلاثة أيام حقق الإسرائيليون انتصارًا واحتلوا قطاع غزة وكل سيناء حتى الضفة الشرقية لقناة السويس. في اليوم نفسه، بدأت القوّات الأردنية في قصف القدس الغربية ما أدى لتعرضها لهجوم إسرائيلي كبير. وفي 7 حزيران طردت القوات الإسرائيلية القوات الأردنية من القدس الشرقية ومعظم الضفة الغربية.
بعد أشهر على نهاية الحرب، في تشرين الثاني، أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 242 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في الحرب مقابل سلام دائم. وقد شكّل هذا القرار اعترافًا بإسرائيل واعتبر قاعدة أساسية في المفاوضات التي استمرت بالبحث عن حلّ للصراع العربي – الإسرائيلي وفق صيغة “الدولتين”.
دولة فلسطين موجودة واتفاق “أوسلو”
في تشرين الثاني 1988 ألقى ياسر عرفات من الجزائر وثيقة استقلال فلسطين معلنًا “الدولة الفلسطينية” التي اعترفت بها تباعًا أكثرية الدول في المجتمع الدولي. أراد عرفات من إعلان الوثيقة هذه إرسال رسالة سلام الى العالم مستثمرًا في السياسة تضحيات الفلسطينيين. ومن منبره أعلن التزامًا كاملا بكل القرارات الدوليّة التي تخدم القضية الفلسطينية وخاصة القرار 242 الذي يؤسس لحلّ الدولتين.
بعد غزو العراق للكويت وتأييد منظمة التحرير للموقف العراقي ما أسفر عن امتعاض عربيّ من المنظمة، بدت قوّة عرفات متلاشية أمام قوّة التسوية التي عملت على تثبيتها الولايات المتحدّة الأميركية من بوابة “مدريد” عام 1991. وتحدثت إسرائيل لأول مرّة مع العرب بحضور ممثل عن الفلسطينيين؛ ونتيجة “مؤتمر مدريد” أسست لما عُرف بـ”اتفاق أوسلو” الذي تضمن إنهاء عقود من المواجهة والنزاع، والاعتراف بحقوق إسرائيل وفلسطين المشروعة والسياسية وانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وغزة، وانتقال تدريجي للحكم في هذه المناطق للسلطة الفلسطينية. وقّعت منظمة التحرير في 13 أيلول 1993 اتفاق “إعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي، أوسلو” في حديقة البيت الأبيض في واشنطن بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومعهم الرئيس الأميركي بيل كلينتون.
في 28 أيلول 1995 أبرمت منظمة التحرير وإسرائيل اتفاقية جديدة في طابا لمعالجة قضايا القدس، اللاجئين، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود، العلاقات والتعاون مع الدول المجاورة. وعُرفت هذه الاتفاقية بـ”أوسلو 2″. مع اغتيال إسحاق رابين في 4 تشرين الثاني 1995، دخلت أهداف “أوسلو 1 و2” مرحلة الموت البطيء. بين العمليات الاستشهادية التي قامت بها الفصائل الفلسطينية داخل إسرائيل وموقف اليمين الإسرائيلي الساعي الى تعطيل عملية السلام، كان مصير مساعي “أوسلو” شبيه بمصير رابين.
لم يحدث خرق مهمّ على خط المفاوضات حتى العام 2000، عندما جمع الرئيس الأميركي بيل كلينتون كلًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بمسعى لإيجاد حلول جديدة بين الطرفين. انتهت قمة “كامب دايفيد” في 25 تموز 2000 من دون إحراز أي اتفاق.
مبادرة بيروت من ركائز الحلّ
في 28 آذار 2002 أطلق ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله بن عبد العزيز المبادرة العربية للسلام من بيروت، وقد أتت “قمة بيروت” العربيّة لبحث التطوّرات التي كانت بدأت في فلسطين مع “انتفاضة الأقصى” عام 2000. تهدف المبادرة الى “الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلّة بما في ذلك الجولان حتى خط 4 حزيران 1967، والأراضي التي ما زالت محتلّة في جنوب لبنان”. بالإضافة الى “حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه وفقا لقرار الأمم المتحدة رقم 194”. كما دعت المبادرة الى قيام دولة فلسطين في غزة والضفة الغربية، مع تحديد القدس الشرقية عاصمتها. في حال موافقة إسرائيل على هذه البنود يُعتبر الصراع العربي – الاسرائيلي منتهيًا وتُعتبر الدول العربية في حالة سلام مع إسرائيل ما يضمن أمن دول المنطقة. شروط فلسطينية وأخرى إسرائيلية طالبت بتعديل المفاوضات وتطويرها، ولم تتقدّم المفاوضات. وبالرغم من انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005 ما عاد “حلّ الدولتين” أولويّة. رئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس اتهم آنذاك إسرائيل بإفشال “الحل”، بينما لا يعترف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بشريك حقيقي فلسطيني للسلام، خصوصًا بعد سيطرة “حماس” على غزة.
تكثف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية وهذا ما كانت تعارضه الإدارة الأميركية كذلك الدول الأوروبية لأنه يعيق حلّ الدولتين. كما أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة إسرائيل سدد ضربة كبيرة لهذا الحلّ. تلى ذلك، تعزيز ترامب لعمليات سلام أخرى من خلال “اتفاقات أبراهام” بحيث أبرمت إسرائيل اتفاقًا مع كل من الإمارات العربية المتحدّة، المغرب والسودان عام 2020.
ومع التقدّم في العلاقة مع إسرائيل، أمر كان أشار إليه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” في 21 أيلول 2023، تفجّر الوضع الأمني من جديد عبر عمليّة “طوفان الأقصى” التي قامت بها “حماس” صباح 7 تشرين الأول 2023.
العرب أو أميركا؟
في 11 تشرين الثاني، انطلقت القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية، في الرياض بهدف توحيد الجهود العربية ووقف إطلاق النار في غزة بين “حماس” وإسرائيل. أتى في كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيظ أن “لا حديث عن مستقبل غزة بشكل منفصل عن الضفة الغربية والقدس الشرقية”، ما يعني التمسّك بـ”حلّ الدولتين” الذي تبنّته القمّة وشددت عليه على قاعدة الصيغة السابقة.
وأمام وضوح الموقف العربي والإيجابية الأميركية حياله، أفق جديد لمبادرة جديدة، تحددّه نتائج الصراع الدمويّ في غزة وإمكانية توسّع رقعة الحرب. ومع تطوّر الأحداث الميدانية، نسأل: هل يمكن للأميركي أن يلعب اليوم دوره السابق في تقريب وجهات النظر بين الطرفين؟ أو أنه سيكون للعرب وللمملكة العربية السعودية ومصر خاصة دورًا أبرز هذه المرّة؟
الحاجة الفعليّة
يعتبر البعض أن “حل الدولتين” بحاجة الى تحديث في الخرائط والبنود خصوصًا لناحية حدود الـ67، فإلى جانب هذا الحلّ حلول أخرى كُتبت ونوقشت، منها ما تحدث عنها عام 2010 مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق غيورا أيلاند، عندما اقترح الأخذ بأحد الحلَّين لتسوية القضية الفلسطينية: الأول فيدرالية أردنية – فلسطينية؛ من خلال دولة مستحدثة تضم ثلاث ولايات هي الضفة الشرقية لنهر الأردن، والضفة الغربية، وقطاع غزة. أما الحل الثاني فتمثل بتبادل مناطق مبني على أساس تنازل مصر عن مساحات من أراضي سيناء لصالح دولة فلسطينية مستقبلية، عبر إضافة مستطيل يمتد من رفح إلى حدود مدينة العريش طوله 24 كيلومترًا وعرضه ثلاثون كيلومترًا، وتسوية في الضفة الغربية على أساس تقاسم وظيفي مع الاحتلال، يعطي الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا موسّعًا على السكان من دون سيادة على الأرض. لكن هذين الحلّين مرفوضان مصريًا وأردنيًا.
حالة السلام بين الشعوب التي تعيش جنبًا إلى جنب ليست حالة فطريّة، إذ إن الحالة الفطريّة تميل لأن تكون حالة حرب. وهي وإن لم تكن حربًا مُعلنة، فهي على الأقل مُنطوية على تهديد دائم بها. لذلك العمل بجهد وجديّة من أجل تحقيق السلام، ضروري… وما قاله مرّةَ الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وصفًا دقيقًا يصحّ التذكير به دائمًا: “قمة الرياض ليست نهاية في ذاتها، وإنما بداية يجب البناء عليها والتصميم على إنجاح مسيرتها”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]