.jpg)
تحنّن الله على شعبه القابعِ في ظلم إمبراطورٍ لا يؤمن بقدرة العليّ القادرة على كلّ شيءٍ. أنعم الله على زكريّا وزوجته أليصابات بولدٍ فائقٍ لشرائع الطبيعة البشريّة، إنّه حنان الله الّذي لا تحدّه شيخوخة الزوجين ولا يأتمر بقوانين الجسد البيولوجيّة، منح الربّ الخالق رحمته لبيت زكريّا فأعطاه ولدًا “يوحنّا المعمدان” يخلّد اسمه بين أقاربه، ويزيل العار عن والدته، ويعلن أنّ الربّ قَبِل قرابين والده الكهنوتيّة، ومن خلاله فاضت نعمته بين أهل تلك العشيرة وبيوتها. أضحت ولادة يوحنّا المعمدان آيةً إلهيّةً وسرى الحديث بها في كلّ جبل اليهوديّة، لأنّ الله تدخّل مباشرةً في حياة تلك القبيلة دون أيّ وسيطٍ أملاكًا كان أو نبيًّا، لأنّه قرّر أن يخاطب الإنسان من خلال قلبه وضميره فيمنحه رحمته القدّوسة، ويشعر قلبُ الأخير بدفء حنانه الإلهيّ أثناء صيرورته اليوميّة. أصبح الإنسان سائرًا تحت عناية الله مطمئنّ القلب كونه يعيش في رعاية القادر على كلِّ شيءٍ وحنانه، حتّى لو كان ساكنًا تحت سلطةٍ بشريّةٍ ظالمة.
طلب زكريّا لوحًا ليكتب عليه شريعة الله الجديدة، “يوحنّا” شريعة حنان الله ومحبته، بعد أن كان الشعب يعيش تحت لَوحي شريعة موسى السلبيّة الأوامر والطلبات، أصبح سائرًا في يوميّاته ضمن محبته الإيجابيّة. وأعطى الربّ يده ليوحنّا وسار معه إلى البرّيّة بعيدًا من ضجيج المدينة حيث يتأثّر الإنسان بالضوضاء ويسقط تحت الإغراءات، سار يوحنّا تحت نظر الله بعيدًا عن التجارب ليضيء طرق الشعب السالك في الظلمة، وليقوده في سبلِ الربّ القويمة حتّى يلتقي الجميع بوجه يسوع ابن الله المتجسّد “العمانوئيل” والنازل من السماء ليسكن في قلب كلّ إنسان أفي المدينة كان أم في البرّيّة.
كما تحنّن الله على زكريّا وقبيلته كذلك يتحنّن علينا، يريد إحلال رحمته ومحبته في قلوبنا ومنازلنا، لكنّ الأكثريّة تهرب من نوره نحو عتمة الضجيج والضوضاء لتعيش خارج الضوابط الأخلاقيّة الإلهيّة، وبعيدةً عن القيود الّتي تحافظ على حقوق الإنسان وكرامته. إنّ ارادة الربّ تبغي السير في نور سبله تحت رعايته وضمن تعاليمه الأخلاقيّة، بيدَ أنّ النزعة الإنسانيّة تشدّ خارجًا عن حظيرته نحو التحرّر في الظلام الصائر إلى الهلاك لا محالة. كما أعطى الربّ يده ليوحنّا حقًّا كذلك يمدُّ يدَه لنا اليوم لنعمل بإرادته القادرة على كلّ شيءٍ، لكنّنا نفضّلُ قوّة الشرّ على إرادته الخيّرة، وبالتالي يشمت أهل الشرّ بنا مع سقوطنا في شركهم بدل أنّ يتحدث الجميع برحمة الله لنا وفرحنا.
في النهاية يحاول الإنسان جاهدًا تغيير حرفٍ واحدٍ من كلام الله، ويعتقد بقرارة نفسه أنّه يستطيع التحكّم بمصير شعب الله، بيدَ أنّ قلب المؤمن يخف دائمًا نحو الربّ، ويَنشُدُ يوميًا سبله القويمة ليهرع إلى ملاقاته والقفز إلى أحضانه، لأنّ البداية كانت يوم تحنّن الله على شعبه.
