#dfp #adsense

أقنوم الإلتزام يُزهر في الانتخابات الطالبية

حجم الخط

كتب د. ميشال الشّمّاعي في “المسيرة” – العدد 1747

أقنوم الإلتزام يُزهر في الانتخابات الطالبية

ذخائر الأجيال الطالعة… هكذا تستمر

عرضنا في بحثنا في العدد السابق لثالوث العقيدة القوّاتيّة. وفصّلنا هذا الثالوث على مراحل ثلاث كالآتي:

مرحلة الثالوث الأوّل: الأرض، والإنسان، والحرّيّة.

مرحلة الثالوث الثاني: صمود، ومواجهة، ومقاومة.

مرحلة الثالوث الثالث: معرفة، وممارسة، والتزام.

انطلاقًا من هذه الأقانيم العقائديّة الثلاثة، تنبثق العقيدة القوّاتيّة. وهذه كلّ مترابط، لا يمكن فصل ثالوث عن آخر، وحتّى لا يقوم أيّ ثالوث في حال فُقِدَ أقنومٌ من أقانيمه الثلاثة الملتحمة بالفعل الكِيَاني للوجود الوطني. ولا يقلّ أهمّيّة أيّ أقنوم عن غيره من الأقانيم المكوّنة للثالوثات الثلاثة. ولكن نبدأ بتفصيل الالتزام لأنّه برأينا هو الذي يؤمّن دافعيّة إستمرار العقيدة، إذ لا تبقى وتستمرّ أيّ عقيدة من دون أن يكون هنالك ملتزمون بأسسها.

 

الالتزام بالإنسان

وما ميّز الفاعل القوّاتي في الوطن الكِياني عبر تاريخه الوجودي هو هذا الالتزام الذي بدأ انطلاقًا من مرحلة الثالوث الأوّل بالأرض والإنسان والحرّيّة. فالتزام القوّاتي بأرضه هو الذي دفعه للتشبّث بها، والدّفاع عنها في القلاع التي بناها في الدّساكر والحصون الجبليّة، فضلاً عن تحصّنه في ذلك الوادي القاديشيّ لأكثر من أربعة قرون حتّى استطاع أن يحافظ على ديمومته في هذه الأرض.

وهذا الالتزام بذاته كان التزامًا بالإنسان الكائن المجتمعي الذي شكّل بتواجده المتلاحم مع أخيه الإنسان في هذه الأرض المجتمع المسيحي ـ الماروني بالتّحديد؛ هذا المجتمع الذي تحوّل عبر السنين إلى نواة للوطن الكِياني الذي سعى إلى بنائه. فالتزام القوّاتي بمجتمعه هو الذي دفعه إلى الدّفاع عنه وقت الحرب، والوقوف جنبًا إلى جنب مع إخوته في هذا المجتمع في وقت الشدائد في زمن السلم أيضًا. لذلك، أوجد الدكتور سمير جعجع مبدأ التعاضد الاجتماعي من خلال الصندوق الوطني في فترة تولّيه قيادة القوّات اللبنانيّة العسكريّة، ليشكّل هذا الصندوق عنصر الأمان المجتمعي للمجتمع القوّاتي، لا بل اللبناني برمّته.

أمّا الالتزام بالحرّيّة، فيكفي أن نعود إلى تاريخنا الحديث، حيث لن نرجع إلى زمن المقاومة اللبنانيّة مع البطاركة الأوائل، بل نكتفي بزمن المقاومة مع البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، حيث دفعنا ثمن حرّيّتنا اعتقالاً واضطهادًا كلّف بعض رفاقنا حياتهم. فدماء رمزي عيراني وبيار بولس وطوني ضو وغيرهم من شهداء الاضطهاد الأمني السوري – اللبناني هي التي أزهرت اليوم انتصارات طالبيّة في جامعات ومعاهد لبنان.

التزامنا بحرّيتنا يوازي حياتنا، لأنّنا إن عُدمنا الحرّيّة عُدمنا الحياة. أستذكر هنا مرحلة الاضطهادات التي عانينا منها شخصيًّا كجيل الـ4114 يومًا من الاعتقال السياسي لقائد شببنا ولم نعرفه. يوم زرنا البطريرك صفير في بكركي بعد سلسلة توقيفات واضطهادات طالتنا جميعًا، وقف شامخًا ونظر في عيوننا جميعًا وقال لنا: “أتصفح وجوهكم. فأنني أرى أنّ بعضكم منذ عشر سنوات لم يكن على علم بما هي القوات اللبنانية، ولا بقائدها سمير جعجع، ولكنّكم شببتم على محبة قائد لم تعرفوه؛ وفي هذا فضل كبير لأنّكم تلقيتم عن أسلافكم ما أنتم تعتقدونه صوابًا. نحن معكم”.

 

صمودنا ومواجهتنا نتيجة التزامنا

وهذا ما وفّر لنا مقوّمات الصّمود في زمن قلّ فيه الذين تجرّأوا على المواجهة. فتعجّبوا وقتذاك كلّهم كيف كنّا نواجه بصدور عارية شتّى أنواع الاضطهادات، ومن دون أن يتسلّل الخوف إلى قلوبنا. وهكذا تابعنا مسيرة مقاومة الآباء والأجداد. وبقيت شعلة المقاومة اللبنانيّة مضاءة كالشمس التي لم تنجح غيوم الوصاية والاحتلال بحجبها. ولعلّ هذا النّضال الذي خاضه جيل التسعينات بوعي وحذر وجرأة، استكمالًا للاندفاعة العسكريّة التي خاضها مَن سبق هذا الجيل، هو الذي أمّن ديمومة الاستمرار لهذا النّهج.

بذلك كلّه، لم يعد غريبًا على الأجيال التي وُلدت بعد زمن هذا النّضال أن تلتزم وتحمل هذا المشعل بفخر وبجرأة لم تختلف عن جرأة الأجيال السابقة. لكن لكلّ مرحلة ثالوثها. هذه المرحلة التي بدأت بالمعرفة التي صقلها هذا الجيل بالعلم والعمل. فحصّل أبناؤه أعلى الشهادات حتّى شكّلوا العلامة الفارقة أينما حلّوا؛ وهذا أتى نتيجة الممارسة الحِرَفيَّة التي أتقنها جيل الطّلاب الجدد. فدخلوا الحياة السياسيّة من الباب الواسع بعد تحصيلهم المعرفة وممارستهم إيّاها في مضامير الحياة كافّة. هذا الجيل الجديد الذي لامس عقده الثاني هو المستقبل الذي تُعَلَّق عليه الآمال.

 

طلابنا ذخيرتنا

وبعد المعرفة والممارسة دخل هذا الجيل في أقنوم الالتزام حيث شكّل علامة فارقة في خوضه الانتخابات الطالبيّة في الجامعات كافّة. فكان النّجاح من نصيبه لأنّه بنى على تجارب جيل التسعينات النّاجحة، مستلهمًا من تجارب جيل الثمانينات والسبعينات في البطولات التي ثبّتوها في جولاتهم وصولاتهم. فتحوّلت الجبهة الحربيّة معهم إلى مضمار يحصّلون فيه العلم. وأزهرت دماء الشهداء معرفة تتوّجت بأعلى الشهادات في الاختصاصات كافّة.

من هذا المنطلق، دخل هذا الجيل مضمار العمل الحزبي مقتنعًا بأن لا حياة سياسيّة تستقيم في أيّ بلد في العالم إلا عبر الأحزاب السياسيّة التي تتولّى وحدها العمل السياسي. فأدرك مساوئ الإقطاع الذي حكم الأجيال الغابرة، وثار عليه ثورة علميّة منطقيّة قوامها الذكاء الإنساني الطبيعي، وليس الذكاء المعلّب والمصطنع. لأنّه جيل الذكاء الاصطناعي الذي يدرك مخاطر فيض المعرفة، ويعرف كيفيّة استخدامها. وفي هذا فضل كبير لأجيال التسعينات التي تحوّلت في الإطار القوّاتي المنظّم إلى ملافنة نهلت من معارف السابقين، وصقلتها بالعلم، لتصبح بدورها قادرة على تثقيف أجيال المستقبل.

ولما استطاعت أجيال طلّاب اليوم الوصول إلى أقنوم الالتزام هذا لو لم يستطع جيل التسعينات أن ينقل إليها الوفاء لدماء الشهداء على امتداد التّاريخ. فالوفاء لدماء شهدائنا هو ذخرنا في الحاضر، وذخيرتنا للمستقبل. لذلك، لا يعجبنَّ أحد من جيل لم يعرف القوّات في زمن الحرب، ولم يرافق سمير جعجع رئيسها، بهذا المقدار من الالتزام والوفاء. فهؤلاء دومًا أوفياء لأنّهم تربّوا على أيدي آبائهم الذين حملوا الوفاء في جيناتهم لرفاقهم لمّا رحلوا على أيديهم في ساحات الوغى.

 

الراعي الصالح يعرف خرافه…

إلى ذلك كلّه، يبقى أنّ للقائد الدّور الرئيس في استقطاب الأجيال الطالعة. ولكن ما ميّز سمير جعجع أنّه نجح باستقطاب هذه الأجيال للقوّات اللبنانيّة وللمقاومة اللبنانيّة، وليس لشخصه وحسب. والدليل في ذلك، أنّهم قوّاتيّون وليسوا جعجعيّين، كما قامت غير فئات بتعليب أفكار بعض الشباب الذين غُرّر بهم، وجعلتهم مرتبطين بشخصهم وحسب. فضلاً عن أنّ سمير جعجع القائد يعرف جنوده، كذلك كسياسيٍّ يعرف فريق عمله، الصغير والكبير فيه، ويعيش معهم هواجسهم كلّها. يأكل من خبزهم، ويشرب من مائهم، وينام على التراب معهم. وهذا ما جعل هذه الأجيال تحبّه لأنّه منها ومعها ولها. فهؤلاء الطلاب عاينوا كيف بذل أجمل سنينه في المعتقل ليبقى رفاقهم أحرارًا. لذلك هم مطمئنّون اليوم إلى أنّ قائدهم لن يتركهم ويهرب يومًا، متى دقّ الخطر على بابهم. ولعلّ هذا ما سيشكّل ضمانة استمرار المؤسّسة التي تحترم القائد وتقدّر تضحياته، لكنّها حتمًا ستستمرّ من بعده، كما أرادها المؤسس الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميّل.

انطلاقًا من هذا المسار المستقبَلي الواضح، تقع على عاتقنا نحن أجيال الخطر الذي دقّ على الأبواب، وأجيال الاضطهاد والاستشهاد في زمن السلم، كيفيّة استقطاب هذه الأجيال الطّالعة، والحفاظ على التزامها الطالبي، وتحويله إلى التزام حزبيّ صرف. وهذا لن يتمّ إلا إذا نجحنا بعمليّة إخلاء ذواتنا لنستطيع الحفاظ على هذا المسار التصاعدي ـ العقائدي. صحيح أنّنا نجحنا في بناء عقيدة صلبة، عبر أكثر من جيل. لكن حذارِ أن تقف هذه العقيدة عند أعتاب الذكاء الاصطناعي لهذه الأجيال؛ فتتحوّل بذلك إلى أجيال اصطناعية تجرفها الثورات الشعبويّة، والمواقف الغوغائيّة، لتعود فتكلّف مجتمعنا المزيد من التضحيات والمآسي لتصويب مسارها من جديد.

من هنا، علينا كورثة للتراث المقاوم أن نبقى أوّلاً دومًا أوفياء لنضال الذين سبقونا، وألا ننسى نضالنا نحن بالذات، ونغرق بهموم الدنيا ومشاغلها، أو حتّى تجرفنا مطامع المراكز والمكاسب والمناصب. بل علينا أن نترفّع عن هذه كلّها لنكون على مثال الأوائل الذين كانوا يُعرَفون من محبّتهم بعضهم لبعض، لا أن نُعرَفَ من كرهنا وطمعنا وغدرنا بعضنا لبعض. وهذا لن يتحقّق إلا إن استعدنا نمطيّة حياتنا النسكيّة عبر ثورة نسّاك حقيقيّة نقودها معًا، لنسلّم الأمانة إكرامًا للتراب والريح والماء والنور. هذه التي جُبِلَت بأيدي الخالق ودماء رفاقنا، لتجعل من هذا الوطن موطنًا للحقّ والحرّيّة والجمال. هكذا فقط يولد الالتزام القوّاتي في نفوس الأجيال الطالعة. والويل لنا إن سلّمنا ما استلمنا كما استلمنا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل