









رفض المهندس المعماري والكاتب والرسام أمين اسكندر، الإسقاطات التاريخية والتشوهات التى لحقت بهويتنا اللبنانية، فأصرّ على العودة الى الجذور، حيث الهوية الحقيقية. قرار استغرق 45 عامًا، فترجمه في كل أعماله، من الهندسة الى الكتابات، مرورًا بنتاج عمر على اللوحات الفنية التي عرضها في أول معرض له، والذي يستمر حتى السبت 23 كانون الأول الحالي، في مؤسسة شارل قرم في بيروت.
استند اسكندر على الأهميّة التاريخيّة للغة السريانيّة التي تعد واحدة من أقدم اللغات في التاريخ وهي اللغة التي تكلّم بها يسوع المسيح، وكانت لغتنا الأساسية حتى العام 1943، كما استند الى انبثاق هذه اللغة من قلب الشرق، مشكلة مشعل الثقافة ووريثها، من هنا، أبدع الرجل متفننًا بالعودة الى الهوية وتكريم الجذور.
قسّم إسكندر عمله الفني الى ثلاث حقبات، تبدأ من السبعينيات، وهي مرحلة التعلم والتدريب الاحترافي، فترجم أعماله بلوحات كانت في الأساس منحوتات للرسام والنحات ميشال بصبوص، وعرّج في مخيلته على رسم الأديرة في وادي قاديشا، لتعذّر الوصول الى المنطقة في تلك المرحلة (فترة الحرب اللبنانية)، وكانت المفاجأة أن ما تخيله كان مطابقًا لما ترجمه على الورق، يوم زار قاديشا.
في المعرض، ركّز إسكندر على مرحلة التسعينيات وهو زمن الحرب اللبنانية التي كانت قاسية وخطيرة جدًا على الوجود، والهوية. ومن التسعينيات غاص في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، يوم عانى المسيحيون من التجويع وواجهوا مخطط الإبادة.
“إذا لم يتحدث شعب عن حقيقة تاريخه يضيع، وهذا كان الخطر الأكبر على وجودنا في آخر الثمانينات”، يقول إسكندر، الذي أنجز لوحات هذه الحقبة انطلاقًا من فكرتين، “التجويع في الحرب العالمية الأولى واللغة السريانية”، مطوّرًا سلسلة العودة الى الجذور، إيمانًا منه بعمق وجودنا في هذه الأرض.
في العام 1990 اخترع إسكندر “خلطة فنية” أنجزها على لوحة لأشخاص أعدمتهم السلطات العثمانية شنقًا، من أرمينيا الى لبنان، وكتب أسماءهم عليها (يوحنا، مارون، مرقس، بتروس…). “اعتقدت أن التقنية التي استخدمتها في هذه اللوحة لن تصمد لأكثر من أسبوعين ثلاثة، ليتبين لي بعد 30 عامًا أنها لا تزال ممتازة، وفي ذلك رسالة كبيرة”، يوضح إسكندر الذي يشرح معنى لوحة الأطفال بالهياكل العظيمة، والذي كتب عليها “قاديشات آلوهو، وهي آخر ما تبقى لنا من ثقافتنا وحضارتنا وهويتنا ولغتنا. هذه الأنشودة هي النور الذي يمكن أن نتبعه للخروج من عتمة النفق الذي نحن فيه، وكما يقول شارل مالك، جوهر وجود لبنان يتطلب استرجاع هويته من خلال اللغة السريانية، والموارنة هم أكثر من تمكّن من المحافظة على شيء من هذه اللغة، وبالتالي هم القادرون على لعب هذا الدور”.
أما لوحة الولد الذي يصرخ فهي مستوحاة من Le cri de Edvard Munch، ومكتوب عليها بالسريانية “لبنان يموت”، فيما ترمز السيدة بالخلفية السوداء والتي تفتح الباب، الى موت الثقافة الذي يعني موتنا مع موت هويتنا، وفتح الباب يكمن في استرجاع “سريانيتنا”.
في المعرض أيضًا، لوحات ما بعد التسعينيات، التي ركّز فيها على الخلفيات التي زُيّلت بتراتيل سريانية مكتوبة عاموديًا، “لأنه وبكل بساطة، اشتهرت كنائسنا قديمًا بالكتابة على الجدرانيات باللغة السريانية عاموديًا. واخترت التراتيل التي نرتلها اليوم”. يضيف: “جعلت الخط السرياني بحد ذاته فنّ اللوحة، وهذه التقنية لم تستخدم من قبلي الا مع صليبا الدويهي الذي طوّر خطًا سريانًا بحد ذاته. دخلنا بالفن والفكر في هويتنا المسيحية المشرقية الى ما يعرف بالـla verticalite (العامودية) والـhiératisme (أي النظر الى الأمام حيث اللاحدود وكأننا في زمان ومكان مختلفين).
يتوقف إسكندر عند لوحتي الرسل تحت القناطر والعواميد، اللتين شكلتا إلهامه الأساسي عندما كان يزور كنائس بلاد جبيل القديمة، “هي جدرانيات من القرن الثاني عشر، عمرها يفوق الـ800 عامًا، وقد أعدت رسمها. أما داخل العواميد فكتبت في السريانية “أبانا الذي في السماوات” و”نؤمن بإله واحد”، يوضح.
غوص إسكندر في البعد السرياني والهوية والجذور، يعود الى كتابه الأول الذي أصدره باللغة الفرنسية في العام 2001 تحت عنوان “البعد السرياني في الفن والهندسة في لبنان”. يومها كان يبحث عن معاني القناطر والرموز في هندستنا القديمة، ولم يتمكن من إيجاد جذورها. ولأنه رفض الإجابات المبهمة، بحث عن معانيها في الحضارة السريانية، ليتبيّن له أن كل شيء له معنى، قد يعود الى القرن السادس، وأن أكثر من تعمّق بحضارتنا السريانية، هو الأب اسطفان الدويهي، الذي يشرح معنى القناطر الثلاث بأنها “الثالوث المقدس”.
“من خلال الهندسة، اكتشفت الحضارة السريانية وهويتنا المهمة، وإذا استمرينا بالتنازل عنها، سنخسر وجودنا، وسنعطي لشعبنا ثقافة ليست ثقافته وهوية لا تشبهه”، يؤكد إسكندر الذي سخّر كتاباته وفنه وهندسته لهذا الإرث وللعودة الى الجذور، ويختم: “بالنسبة لي وكما يقول شارل مالك متوجهًا الى الموارنة، لا تعتبروا الموضوع السرياني تاريخًا، ولا تعلموه في الجامعات والمتاحف، لأنكم إن فعلتم، ستخسرون تاريخكم. الموضوع السرياني وجودٌ وليس تاريخًا، وحاضر وليس ماضيًا”.
