
في أعوام كثيرة وبمحطات عديدة، كان أجدادنا يتسللون إلى الكنائس والأديار حتى لا يلفتوا نظر جيش الاحتلال، وفي كل زمن كان هناك احتلال: المماليك، العثمانيون، السوريون… لكن لا شيء كان يمنعهم من دقّ الأجراس ليلة العيد في معظم الأوقات مرددين: اليوم وُلِدَ لنا في مدينة داوود مخلص هو المسيح الرب (لو 2: 11).
من المؤكّد أن شعبنا الذي نمى وترعرع وعشق الحرية في هذه الوديان والجبال، هو شعب رهبانيّ، عاش حول الأديرة والكنائس، يتنشّق فيها الحرية كلّما ضاقت الأيام واشتدت سياسات الظلام والكراهية والإلغاء، ومع ذلك، لم يتوقّف هذا عن الاحتفال بليلة الميلاد.
لماذا؟ لا يختلف مسيحيان على أن هذا العيد له مكانة خاصة في قلوب اللبنانيين عمومًا والمسيحيين خصوصًا، ليس بسبب الأضواء ومشاهد الزينة المبهرة وتبادل الهدايا، إنما لشعورهم ببراءة ذاك الطفل الإلهي لمجد لله في الأعالي، وعلى الأَرض السَّلام، وبالنَّاس المسرَّة (لو 2: 14).
وإذا أردنا التعمّق أكثر، يتحدث اللاهوتيون عن معاني الميلاد في عمل الله الخلاصي، فلو لم يكن ميلاد يسوع، لا يمكن أن نصل إلى الصليب ثم القيامة المجيدة، لذلك لا يقل ميلاد يسوع أهمية عن قيامته، وكلاهما يكمّلان بعضهما.
لكن موضوعنا ليس لاهوتيًا، بل يعبّر عن علاقتنا كلبنانيين بالميلاد ببساطة الإيمان وقيمه والرسالة منه، وهذا ما كان يعيشه أجدادنا في قراهم وبلداتهم، فيذهبون إلى جوهر وعمق هذا العيد وروحانيته، وقلّة اهتمامهم بالقشور، ما أعطاهم دفعًا كبيرًا للتشبّث بأرضهم وصمودهم ومقاومتهم، فدافعوا عن وجودهم وتمسّكوا بمساحة لبنان الحرية، وبذلك استحقوا لقب “أبناء الله الأحرار”.
إذًا، نحن اليوم نحمل الأمانة، ورغم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة وحالة الفوضى السياسية واللاستقرار، يأتي من يريد أن يصرف انتباهنا إلى العيد ليقول لنا: “الكلمة للسلاح والعنف، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة جنوبًا، فما بالكم تتحدثون عن أعياد وفرح وبهجة وأضواء وزينة وسهر”؟ المؤسف أن هؤلاء لا ثقافة يبشّرون فيها سوى ثقافة الموت والقتل! أما قرارنا من دون تردد: “رغم كل شيء سنحتفل بالميلاد، ونملأ بيوتنا بالزينة، ولن يستطيع أحد أن يحرم أطفالنا من فرحة انتظار “بابا نويل” والهدايا والموسيقى والأغاني الميلادية. وحتماً سنصلّي ليسوع المولود في مذود داخل مغارة بيت لحم كي يحمي لبنان من “البرابرة الجدد”، وكي يُنتخب رئيس جمهورية وتستعيد الدولة قرار الحرب والسلم، ويعود لبنان إلى استقراره وازدهاره”.
نستلهم من أجدادنا الأوائل روح الميلاد، ولو كان أكثريتنا بات من سكّان المدن لا القرى في الجبال والأودية، إنما نحمل أمانة المحافظة على روح هذا العيد لننقلها إلى أولادنا، فيتعلّمون الصمود والمقاومة، ويمسكون المسبحة في يد ومعول البناء في يد أخرى، وواجبنا أن نشرح لهم معاني الميلاد الحقيقية: المحبة والسلام والصدق والحكمة، فيكون ميلاد يسوع مناسبة لتجديد أنفسنا من الداخل، فنبدأ مع بداية السنة صفحة جديدة بمعنويات عالية، لأن الطريق محفوفة بالأخطار وتتطلب صلابة وعدم اليأس والإحباط، وربما العدوّ الأول للبنانيين اليوم هو اليأس الذي يقود بعضهم إلى الانتحار او الفشل أو الهجرة. لذلك، يأتي ميلاد المسيح هذه السنة ليبشّرنا بفرح عظيم: الخلاص لكم عبر المسيح، نعم الخلاص عبر الطفل الصغير المشعّ بالنور، ورغم صغره إلا أنه ليس ضعيفًا ويائسًا بل يشحننا بطاقة الأمل والفرح، فنزيّن بيوتنا ونملأ الدنيا بهجة ونتبادل التهنئة بالأعياد: وُلِدَ المسيح هللويا! ثم نُكمل حياتنا في اليوم التالي كما كان أجدادنا يفعلون: نعمل ونصلّي، وهي معادلة ورثناها ويجب أن نُحافظ عليها لأنها تحقق المعجزات، وما حاجتنا في لبنان اليوم لمعجزة تعيد السلام إلى وطننا الحبيب!
رغم كل شيء… هكذا سنحتفل بالميلاد!
