#adsense

سينما أيام العز “ذهبت مع الريح”

حجم الخط


كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1747

سينما أيام العز “ذهبت مع الريح”

من البرج الى الحمرا بليرة وعشرة قروش أو 60 قرشًا “VIP”

كان ذهب العهود.. وكانت بيروت عاصمة دُور السينما في هذا الشرق بلا منازع. من زمن الأبيض والأسود الى فيض الألوان، عزّ يتوالد عزًا، ودور السينما تجرّ دورًا، لتعمّ لبناننا وتضيء ليل المدينة رقيًا أنوارًا وسهرًا، مجتذبة إلينا أضخم الإنتاجات السينمائية العالمية وأحدثها، تسلّينا وتمتعنا وتأخذنا بعيدًا الى هوليوود الساحرة، الى القاهرة الفن الأصيل، الى شجن وغموض الهند، وكلنا يزحف إليها. حتى شتاؤنا كانت له صالاته. وللمصطافين والسياح، وما أكثرهم، صالاتهم. والكل يزحف… ملصقات تتناثر بأضواء باهرة تنادينا تسحرنا ونحن نزحف. نعم كان زمن السينما في لبنان، ينمو ويزهو وكلنا نتنامى ونزهو معه وبه عشقاً وشغفاً، وكان فرح كبير وما كان لا قبله ولا بعده فرح، والكل إليه يزحف… لكنه خذلنا و”ذهب مع الريح”!

كان ذلك ما بين ستينات القرن الماضي وسبعيناته، عصر لبنان الذهبي، وأيضًا ذهب سينماه، وإن كانت القاهرة في ذاك الزمن ومن دون منازع، عاصمة الإنتاج السينمائي العربي، تُوِّجت بيروت عاصمة لدُور السينما في العالم العربي، لكثافة عدد صالاتها وأيضًا لاجتذابها أعدادًا كبيرة من الرواد غصَّت بهم تلك الصالات، واكتشف عبرها اللبنانيّون، بشغف كبير، عوالم تلك السينما التي اخترعها الأخوان لوميير عام 1895.

 

“المشهد الأخير”

كيف كان لبيروت كل ذاك العزّ السينمائي؟ هو أنطوان كبابة، إبن الجميزة، وصاحب كتاب “المشهد الأخير”، الذي يعرض لحكايات انطلاق وانتشار السينما في لبنان، منذ مطلع القرن العشرين وحتى أيامنا، ويقول إن كتابه «ثمرة حبه الجنوني للسينما، هو ولع وشغف سنوات الشباب الذي تعاظم مع مرور الوقت، متمخضًا عن كتاب تاريخ غير تقليدي، إنه تاريخ افتتاني بالفن السابع الذي دفعني الى التجوال على طرقات لبنان منقّباً في الزمان والمكان بحثاً عن صالات السينما في أربعة أرجاء البلاد”، فإذا بالكتاب يتحوّل أرشيفاً مصغّراً للسينما في لبنان.

لم يكن البحث سهلاً، لكن الرحلة الطويلة التي قام بها أنطوان كبابه بحثاً عن صالات السينما التي يُشبّهها «بكنوز أمتعت العالم وثقفته وسلّته منذ بداية القرن العشرين»، شكلت مُغامرة استغرقت ما يُقارب الخمس سنوات، استكشف خلالها تاريخ دور السينما في 65 منطقة لبنانيّة.

 

وهل كان للبنان سينما غير سينما بيروت؟

يجيب ضاحكا: “كنت أعرف كل سينمات بيروت. كنت أمشي إليها على قدميّ. وكان في ذهني أن الفن السابع محصور في ساحة البرج وجوارها، وكذلك في الحمرا. لكن حين علمت من باب الصدفة، أن في باب التبّانة، وهو حيّ شعبي من أحياء طرابلس، كانت توجد سينما تتسع لألف مُتفرّج، اجتاحني الفضول لأعرف المزيد. آنذاك بدأت مسيرتي، فمضيت أنقّب باحثاً عن كل الصالات في البلاد التي زرعتها طولاً وعرضاً، وكانت الفرحة هي عينها كلما اكتشفتُ بعض الآثار من صالات السينما العتيقة”.

نعم، جنون سينمائي أثمر 400 صفحة في كتاب ضم 800 صورة و110 رسومات توضيحية ملونة و75 مُلصقاً من 225 دار سينما، تروي الكثير عن عصر سينمائي ذهبي عرفه لبنان منذ عهد “لبنان الكبير”.

 

نشرات إخبارية سينمائية.. ومونديال

يومذاك، كانت الشاشة الفضية ملكة الساحة المطلقة، وما كان يومها بعد شاشة صغيرة تغزو المنازل وتنافسها، ويروي كبابة: “السينما سبقت التلفزيون بعرض نشرات إخبارية أسبوعية كانت تستقطب الكثيرين وكانت تتضمن أخبار كل العالم. لكن حتى في السينما كان لبنان مقسومًا، وعندما كانت تعرض أخبار روما يصفق المسيحيون ويهتفون للبابا، وعندما تعرض أخبار الزعيم المصري عبد الناصر ينتقل التصفيق الى المسلمين”.

ويضيف كبابة: “الأكثر غرابة، أن سينما تلك الأيام، وتحديدًا سينما روكسي في البرج، كانت تعمد الى عرض مباريات نهائيات المونديال وذلك بعد ثلاثة أشهر من إنتهائها، الوقت الذي يستغرقه لاحضارها الى لبنان، وكانت هذه العروض تستقطب جمهورًا كبيرًا كان يتفاعل بحدة صراخاً وهتافات لكأن “الماتش” يُعرض مباشرة، مع الإشارة الى أن النتيجة كانت معروفة مسبقاً”.

ويخبرنا: “كان في لبنان بحدود 220 صالة سينما منتشرة في كل أنحائه، من بيروت الى طرابلس إلى صيدا مرورا بمناطق الاصطياف من برمانا الى بيت مري الى عاليه وصوفر فزحلة. حتى أن مدينة طرابلس وحدها كانت تضج بـ25 صالة سينما، واللافت أن معظم هذه الصالات كانت كبيرة ومنها ما كان يتسع لأكثر من ألف شخص، وكانت غالبًا “مفولة”.

وما كانت القرى الصغيرة والنائية ببعيدة عن عالم السينما، حيث كانت تشهد صيفاً عروضًا لأفلام مصرية أو لبنانية في ساحاتها في الهواء الطلق، وكان يكفي لذلك “شرشف” وبروجكتور.

 

ساحة البرج… وأولى الصالات

نعود الى البدايات، ومن وسط بيروت بدأت حكاية السينما في لبنان، وتحديدًا من ساحة البرج وحيّ الزيتونة، هناك كانت أولى الصالات، “زهرة سوريا”، التي أُنشئت في العام 1909، تلتها صالة “كريستال” ثمّ “لوكزموغراف”. وكرت السبحة…

ومما يتذكره أبناء بيروت، الازدحام الهائل ساعة انتهاء عروض الأفلام كلها في آن واحد. ففي محيط لا يتعدى الكيلومتر المربع في الداون تاون، كان هناك ما لا يقل عن عشرين صالة سينما، تركَّز معظمها في ساحة البرج ومحيطها. وبُنيَ أكثرها محل الخانات القديمة. وكان أشهرها وأفخمها “غراند تياتر”، روكسي، الأمبير، المتروبول، راديو سيتي، الريفولي، كابيتول، أوديون، هوليوود، وديانا، وغيرها من الصالات التي اتخذت لها أسماء مستوحاة من الأسماء الغربية ولا سيما الأميركية، تيمنا بهوليوود عاصمة السينما الأميركية الرائدة في صناعة السينما العالمية، علمًا أن هذه الأسماء تغيّرت عدة مرات.

“كانت عروضات سينما الزيتونة تُعتبر الأكثر “لوكسا” ورفاهية، أما صالات ساحة البرج فكانت أكثر استقطابًا وشعبية، وكانت تنتشر في بقعة صغيرة عشرات الصالات وتعرض باقة منوّعة لأحدث أفلام تلك الحقبة وأشهرها، من أميركية وفرنسية ومصرية وهندية وأيضًا لبنانية، وثمة دور اشتهرت بتقديم نوعية معينة من الأفلام، كأفلام الويسترن، أو أفلام جيمس بوند، أو الكاراتيه. وما كانت أفلام البورنو بغائبة، وكان يُطلق عليها أفلام “القطشة” نسبة الى ما كان يقتطع منها الأمن العام من مشاهد ساخنة، وأكثر ما اشتهر بعرضها سينما “باراديزو”.

نعم هناك، كانت “سينما هوليوود” تعرض الأفلام المنوّعة عربية وأجنبية، وعلى الطرف الآخر سينما أمبير التي تميّزت بعرض أفلام “الأكشن” لرعاة البقر وأفلام جيمس بوند خلال الحقبة الممتدة من الستينات ولغاية منتصف السبعنيات، وكان الإقبال عليها كثيفاً جداً.

في قلب ساحة البرج، كانت سينما “الأوبرا” وكان روادها كبار الشخصيات اللبنانية. وليس بعيدًا، تربع مبنى كبير ذو طابق واحد جميل الهندسة والفن ولا يملك سوى صالة واحدة ألا وهي سينما “ريفولي”، كبرى صالات السينما في الشرق الأوسط يومذاك، وكانت تعرض أجمل الأفلام المنوّعة من العربية والأميركية، وأشهرها فيلم “حصار طروادة” الذي استمر عرضه لعدة أشهر، وكذلك فيلم “حكاية حب” لعبد الحليم حافظ ومريم فخر الذي عُرض فيها لأكثر من سنتين متواصلتين من دون انقطاع، وبجانب سينما “ريفولي”، كانت سينما “بيبلوس” أحدث وأجمل الصالات السينمائية في لبنان يومذاك.

 

“التياترو الكبير”.. و”الوردة البيضاء”

على بعد أمتار من سينما الأمبير كان “التياترو الكبير” الشهير بصالته المبهرة عظمة وجمالاً وهندسة.

قلّة تعرف، أن ذاك التياترو الكبير، الى العروض المسرحية والغنائية العربية والعالمية التي احتضنها، تُوِّجت صالته أيضًا بين أعرق الصالات السينمائية في الشرق الأوسط، كان ذلك على أيام الأبيض والأسود. فعلى شاشة “التياترو” عُرض أول فيلم ناطق باللغة العربية عام 1933، وهو “الوردة البيضاء”، والفيلم كان من نوع الغنائي للموسيقار محمد عبد الوهاب، وأُعيد عرضه في سينما رويال. ويُروى أن بيروت كلها “زحفت” لمشاهدته، وبتأثير نجاحه الساحق، باعت شركة “بيضافون كومباني”، آلاف الأسطوانات التي ضمت أغاني الفيلم، وقد رُسمت في وسطها صورة وردة.

وعلى تلك الشاشة أيضًا، عُرض الفيلم العالمي الشهير “ذهب مع الريح” لكلارك غايبل، وضجت بيروت وكل لبنان به، فإلى غيره وغيره…

في صالات بيروت أيام عزّها، كنت لتجد نفسك أمام غابة ملصقات سينمائية تتلألأ متناثرة في تلك الساحة تعلمك بوصول أشهر الأفلام العالمية الأجنبيّة والعربيّة وأحدثها، لكبار النجوم العالميين، بدءاً من أفلام الويسترن وقصص الحب والفروسيّة والحرب، مرورًا بأفلام طرزان وأفلام العنف والرعب، وانتهاءً بالأفلام الهنديّة…

 

الكلينكس لـ”ماسح الأحذية” الهندي

في سينما ساحة البرج، كانت “القصة كبيرة” مع الأفلام الهندية، وتحديدًا في سينما بيغال. رواد تلك الأفلام كثر، ما كانوا لينسوا إطلاقا التزوّد بورق الكلينكس إستعدادًا للنحيب والبكاء مع أبطال تلك القصص الدرامية. ويتذكر كبابة بضحكة واسعة فيلم “ماسح الأحذية” الهندي: “كان يستلزم إحضار 3 علب كلينكس”.

ويخبرنا: “من اشترى وكالات الأفلام الهندية والصينية في تلك الأيام كان محظوظاً، كانت رخيصة فيما الإقبال عليها كبير، فحققوا منها ثروات هائلة”.

الأفلام الأكثر عرضًا واستقطاباً للجمهور اللبناني كانت الأفلام المصرية، حيث كان عهدها الذهبي في لبنان، وكان أبطالها قبلة ذاك الجمهور، وعروضاتها تمتد على مدى أشهر، وربما سنوات. نعم صدقوا. هل تذكرون فيلم “شفيقة القبطية” لهند رستم؟ ذاك الفيلم استمر عرضه لسنتين متتاليتين في سينما “شهرزاد”. وماذا نقول عن أفلام “خلي بالك من زوزو” لسعاد حسني، وغيره وغيره…

لكن من قال إن الأفلام الأجنبية أو الأميركية كانت أقل جذبًا؟ ففي سينما الكابيتول تم تمديد عرض فيلم sound of music لجولي أندروز سنتين متواصلتين، ولشدة التهافت عليه بيعت التذاكر في السوق السوداء، ليُنقل بعدها في عرض ثان الى سينما “تريو”.

 

و”بياع الخواتم” يتجوّل…

الأفلام اللبنانية لم تكن غائبة عن المشهد السينمائي في أيام عزّه، وإن كانت صناعة السينما اللبنانية آنذاك لا تزال في بداياتها. ولا زال اللبنانيون حتى اليوم يتذكرون النجاح المنقطع النظير لعروض أفلام “سفر برلك” و”بياع الخواتم” لفيروز والرحابنة في سينما روكسي، والتي تقرر تمديد عرضها لأكثر من ستة أشهر، وجالت على كل لبنان بمدنه وحتى قراه البعيدة.

ويتذكر عاشق السينما أن النجاح الكبير لعروض بعض الأفلام القوية كان يدفع ببعض أصحاب الصالات الى رفع أسعار تذاكر السينما، وهذا ما حصل مع بدء عرض فيلم جيمس بوند from Russia with love، “ما دفعنا نحن طلاب مدرسة الحكمة الى تنظيم تظاهرة إحتجاجًا، خصوصًا وأن الحكومة كانت المعنية مباشرة وحصرًا بتحديد أسعار تذاكر السينما آنذاك”.

 

عائدات.. سياحة ونمو

أجمل ما في حكايات سينما لبنان تلك، أن ازدهارها ذاك ما كان عابرًا، لا بل إنه لعب دورًا أساسيًا في ازدهار العجلة الاقتصادية والسياحية ونموها في لبنان. ولا ننسى أن الخزينة كان لها النصيب الوافر من عائدات هذه الأفلام التي عززها إكتظاظ صالات السينما في وسط بيروت واجتذابها لأعداد كبيرة من السيّاح العرب والأجانب، فضلاً عن اللبنانيين، ما أنعش العاصمة ومحيطها التجاري وأدبّ فيه الحياة وجعلها عاصمة لا تنام، وجعل لبنان جنة العرب على الأرض.

نعم كانت غير أيام، ولمن لا يعرف، كانت أسعار تذاكر السينما تراوح بين 60 قرشًا لعرض فترة بعد الظهر، وليرة وعشرة قروش للعرض المسائي.

ويتذكر كبابة جيدًا أنه حينما كان صغيراً “كنت أشاهد أفلام الوسترن أيام الأحد. وكانت التذكرة الواحدة تُكلّفني نصف ليرة. وكان يُسمح لنا نحن الأولاد أن نشاهد هذه الأفلام لأنها كانت خالية من مشاهد العري”.

كانت أيام أمان، وما كنت “لتنصعق” إن رأيت أولادا يذهبون بمفردهم بعد انتهاء دوام مدارسهم الى السينما، بعد قيامهم بادخار القروش طيلة الأسبوع، إستعدادًا لحضور فيلم بعد ظهر الخميس أو الجمعة.

وكان عرض الفيلم يبدأ بالنشيد الوطني اللبناني، الأمر الذي كان يستدعي وقوف الجمهور إحتراماً، كما كانت إدارة الصالة تذكِّر الرواد من على الشاشة، بالقرار 392 القاضي بمنع التدخين.

 

نشرة سينمائية تلفزيونية

وإن كان انطلاق تلفزيون لبنان “خطف” الى حد ما محبي السينما، لكن بالمقابل، ذاك التلفزيون ساهم بالترويج لها من خلال بثه فقرة أسبوعية مخصصة للعروض السينمائية مقدمًا أبرز مشاهدها مساء كل يوم جمعة، وكانت تستقطب عددًا كبيرًا من مشاهدي التلفزيون وعاشقي السينما، علمًا أن الملصقات السينمائية كانت الوسيلة الإعلانية الوحيدة للترويج للأفلام السينمائية، ولطالما اجتذبت الرواّد بصورها اللافتة المرسومة باليد.

ويلفت كبابة الى أن صالات السينما الكبيرة كانت غالبًا مرفقة بصالات صغيرة رديفة في أسفلها مخصصة لعروض ثانية لأفلام قوية وناجحة بعد عرضها في الصالة الكبيرة لأشهر، وكان لا يزال عليها طلب. فسينما المتربول كان لها أختها الصغيرة وتُدعى سينما “ديانا”، وسينما “الأوبرا” في البرج كان تحتها سينما “الريو”، وغالبًا ما كان يُعاد عرض الأفلام القوية في مواسم الصيف “الميتة” في العاصمة، لتنتقل الحركة الى أماكن الإصطياف… وهناك كان مهرجان آخر للسينما.

 

سينما.. واصطياف

يومذاك ولزمن طويل، كان لبنان عاصمة السينما في الشرق وأيضًا بلد الإصطياف بلا منازع، وكان الخليجيون يقصدون لبنان صيفاً ويتنقلون بين مصايفه وجباله، وتناغمًا، تناثرت صالات السينما في تلك المصايف وفتحت أبوابها كل أيام الأسبوع مقدمة أحدث العروض السينمائية الأجنبية والمصرية، وكان الكل يتهافت عرب وأجانب وأيضا لبنانيون وبخاصة «البيارتة» الذين اعتادوا الإنتقال صيفاً الى المصايف وما كانوا ليفوّتوا عروض السينما الصيفية، وغالبًا ما تكون في الهواء الطلق.

 

شارع الحمرا “يخطف” عزّ البرج

وكانت الستينات… شيء ما تغيّر في خارطة السينما اللبنانية وهزّ عرش سينما البرج ملوّحًا بأفول عهده، مقابل صعود نجم آخر، هي سينما شارع الحمرا.. وذاك “البيكاديللي”!

نعم في تلك الستينات، عاشت السينما في بيروت ما يُسمّى “مرحلة شارع الحمرا”، شارع الثقافة، والإبداع والفن، والمسرح، صار أيضًا شارع السينما.. ومركزاً لأهمّ الصالات التي نشأت وانتشرت في مختلف الشوراع المتفرّعة منه، بعدما كانت قبلاً تتمركز في وسط بيروت التجاري…

ففي شارع الحمرا وحده، انتشرت 14 دار سينما من بينها صالات شهيرة مثل “سارولا” (تيمّنًا باسم زوجة أحد منتجي الأفلام الأميركيين) وستراند وإلدورادو وفرساي وكابيتول… روّاد هذا الشارع كانوا مختلفين، كانوا من نوع آخر. وكان مستثمرو صالات كبار مثل آل عيتاني ومحمود ماميش وإميل دبغي.

عام 1961، كان الحدث الأهم والأبرز على صعيد صالات العرض في شارع الحمراء، عندما افتتحت “شركة عيتاني – ماميش” صالة “قصر البيكاديلي”، التي اعتُبرت تحفة هندسية، وكان هدف هذه الصالة التي اقتُبس إسمها من “بيكاديلي سكوير” في لندن أن تكون إضافة إلى ضخامة وفخامة ديكورها، بأن تكون مجهّزة بأحدث التقنيات العالمية التي تسمح بتقديم مختلف فنون العرض على تنوّعها، من أوبرا ومسرح وسينما، سيما وأنّها كانت تتسع لحوالى 780 مشاهداً، وكانوا يجلسون على كنبات من المخمل الأحمر، ليتوَّج ذاك “البيكاديلي” المسرح الأرقى والأجمل في لبنان، حتى قيل بإنه هو من تسبب بإقفال “التياترو الكبير” في منطقة الأسواق و”الأوبرا” في البرج.

 

كيف كان لشارع الحمرا كل ذلك؟

تصدّرت سينما الحمراء المشهد السينمائي بصالاتها الكبيرة الفاخرة وعروضها الضخمة، بدت بغاية الأرستقراطية أمام صالات البرج الشعبية، وما زاد أرستقراطيتها مشهد المقاهي ومطاعم الحمرا ومتاجرها الفاخرة، ما حوَّل مشروع السينما الى موعد ممتع مع سهرة متكاملة، تبدأ بجولة في ذاك الشارع المتلألئ بتلك اللوحات الضوئية الزاهية بألوانها وأنوارها الباهرة لصالات العروض السينمائية وكانت أشبه بعروض فنية لا تقلّ روعة عما كان يُعرض داخل الصالات نفسها.. فإلى حضور فيلم سينمائي يليه أو يسبقه عشاء وكاس مع الأصدقاء أو العائلة في أحد مطاعم الشارع الشهير الذي تُوِّج “شانزليزيه” الشرق.

“في البرج كنا نحضر فيلم ونأكل ساندويش شاورما أو فلافل ونسرّب عالبيت، في الحمرا كان بعد الفيلم سهرة جديدة لطلوع الفجر” يقول كبابة. ويتذكر: “كان التهافت الأكبر في صالات البرج على الأفلام المصرية، صالات الحمرا استقطبت أكثر محبي الأفلام الأميركية والأجنبية، وكانت أفلام بريجيت باردو تلقى تهافتاً كبيرًا وكذلك أفلام لويس دو فونيس”.

 

سينما الحرب

ذاك العزّ الكبير لم يدم طويلاً، “كَوَتْه” نيران الحرب اللبنانية، ولاحقاً تكاثرت القنوات التلفزيونية الخاصّة التي حازت على شعبية كبيرة و”قضمت” شيئاً فشيئاً عشق اللبنانيين للسينما.

نعم ضربت الحرب الحمرا وسينماها، وأطفأت أنوارها وهجرها روادها، فرحل كلٌ الى حيث هواه. كذلك أطبق جنون الحرب على صالات البرج والزيتونة، وما بقي ما يخبر عنها سوى أطلال وذكريات روادها، وصارت سطرًا يقطر حزناً وحنيناً بين سطور تاريخ عزّ لبنان الزائل.

فبعد حرب السنتين، عمد بعض أصحاب الصالات في البرج والحمرا لإنعاش صالاتهم واجتذاب الرواد بوسائل مختلفة ومنها وضع إعلانات أفلام “بورنو”، لكن عبثاً.. ولما عادت الحرب أقفلوا أبوابهم ورحلوا، فاحتلّت الميليشيات بعض صالاتهم محوّلة أقبيتها الواسعة مخزناً للسلاح والذخيرة.

وتحوّل ذاك العزّ الى مطارح جديدة، إلى المعاملتين وكازينو لبنان وجونية والزوق وأيضًا إلى الأشرفية القريبة جدًا من خطوط التماس. كانت الحرب في عقر دارها، لكنها واجهتها وأطلقت صالات جديدة وأعطت دفعة جديدة للسينما التي صارت ملاذاً للهاربين من أجواء الحرب، فكان اللبنانيون يرتادون دور العرض تحت القنابل والقصف العشوائي، وكانت الأفلام تعبر حواجز المتحاربين في مشهد سوريالي شهد عليه أهل الفنّ السابع.

كان ذلك في العام 1978، زمن فوضى الحرب، حين افتتحت سلسلة صالات الـ”إسباس” في جونية، هذه الصالات شهدت إقبالاً شديداً محققة نجاحًا باهرًا حيث كانت أول مجمّع سينمائي في لبنان، بدأ بصالتين، وألحقت بهما صالات أخرى لاحقاً.

ومع انتهاء الحرب شهدت العاصمة وضواحيها طفرة كبيرة ببناء صالات ضمن مراكز تجارية كبيرة (مولات) تجاوزت الصالات السابقة تقنياً وجمالاً وفخامة.

 

وأُسدلت الستارة…

وكان ذلك قبل أن تباغتها إحتجاجات 17 تشرين ومن ثم وباء كورونا الذي أقفل الصالات في سابقة لم تعرفها حتى في عز الحرب، إلى أن وقع إنفجار 4 آب في مرفأ بيروت، تلته الأزمة الاقتصادية وما رافقها من إنهيار الليرة اللبنانية لتصبح معها  كلفة مشوار السينما جنونا “هشّل” ما تبقى من روادها وسمَّر عشاقها في منازلهم مستعيضين عنها بالتلفزيون أو المنصات الإلكترونية لإنتاج الأفلام (نيتفليكس، وإتش بي أو).. بدائل أنهكت السينما في لبنان وحوّلت صالاتها الى أماكن مقفرة إلا من قلّة “شغوفة” بعالم تلك الصالات ولا ترى بغيرها متعة بديلة.

خلاصة العرض… 225 صالة سينما اختفت من لبنان واتخذت هويات ووظائف جديدة بعيدة عن هويتها: سوبرماركت، مقاهي، كاراج سيارات، آوتليت، متاجر وغيرها وغيرها، مسدلة الستارة على عهد ذهبي للسينما في لبنان. نعم، قطاع كامل لطالما شكّل ركنا في الاقتصاد اللبناني اعتاشت منه عائلات كثيرة وشكّل مصدر ترفيه وتسلية وثقافة لكثر من الرواد، إنهار بالكامل.. وكان “المشهد الأخير”.. ويبقى السؤال هل انتهى عصر السينما حقا في لبنان واسودت الشاشة الفضية؟ من يصدّق؟!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل