


كتبت “المسيرة” ـ العدد 1747
من عمق أعماق الحوزات الدينية في النجف وصور، يأتينا كلام العلّامة المجتهد السيّد علي الأمين ليفتح كوّة في جدار الاستبداد المتلبس لبوس الدين والشرع.
يتطرق هذا الكتاب إلى مسألة أساسية، وهي عملية التأصيل الفقهي لضرورة قيام الدولة المدنية وشرعيتها، ولوجوب العمل فيها وإدخال الإصلاحات المانعة من الظلم والاستبداد، وهي الأمور غير الجديدة في تاريخ الفقه السياسي الشيعي. فقد درج فقهاء وعلماء شيعة في دراساتهم الحوزوية على التعرّض للموضوع في كل أبحاثهم ومطالعاتهم وحواراتهم. هذا ويعيد السيّد علي الأمين التأكيد على أن الأصل في الفقه السياسي الشيعي أنه لا ولاية لأحد على أحد إلا من خلال تعاقد ينشأ عن التوافق والتراضي بين الأفراد والجماعات، على صيغة من صيغ الحكم والإدارة. وهذا الأصل الأولي يدحض لوحده ما شاع في العقود الأخيرة من نظريات حول ولاية الفقيه، أو الولاية السياسية العامة للفقيه.
التأصيل الفقهي لقيام الدولة وشرعيتها
اختلفت الآراء حول العلاقة مع الدولة في عصر الغيبة (1). فمنهم من ذهب إلى عدم شرعيتها، وعدم جواز التعامل معها بصفتها غاصبة للحق من أهله الشرعيين، وقائمة على الظلم والجور. ومنهم من ذهب إلى شرعيتها وإلى ضرورة المشاركة فيها، وإقامة العلاقات معها، حفظاً للنظام العام وتحقيقاً لمصالح الناس، ودفعاً للأضرار والمفاسد وجلبًا للمصالح والمنافع العامة.
اشتد النزاع بين الفريقين في أوائل القرن الماضي، عندما طالبت بعض الجماعات الدينية والاجتماعية في إيران بإدخال إصلاحات على النظام الملكي آنذاك. ووقف في وجه تلك الحركة الإصلاحية بعض العلماء الذي أصبحوا، من حيث يدرون أو لا يدرون، من المؤيدين للاستبداد والرافضين للإصلاح، من خلال النظرة السلبية إلى الدولة والسلطة، وما يتفرّع عنهما.
قسّم الميرزا النائيني (2) السلطة إلى نوعين: الأول هو سلطة إستبدادية باطلة لا يمكن إثبات شرعيتها بحال من الأحوال، لأنها قائمة على إستعباد الناس واسترقاقهم، وقد “خلقهم الله أحرارًا”. أما النوع الثاني، فهو سلطة دستورية تخضع للقوانين التي تحدّ من الظلم والاستئثار وتمنح الحرية لأفراد المملكة، وأطلق عليها إسم “السلطة المشروطة”، أي المشروطة بانتهاج أسلوب عادل في حكمها، وتترك الحرية للأفراد، وتقيم المساواة في ما بينهم والصلاح لخيرهم.
إن المشاركة في الدولة هو واجب إن كان يفيد في تحقيق المنفعة للناس، فيما الاعتكاف عن ذلك لهو إثم عظيم. إن أسباب قيام الدولة مرتبط بمصالح الناس، وبذلك، يمكن، على بعض الوجوه، أن يُعتبر العمل لها وفيها عبادة من العبادات وطاعة من أعظم الطاعات لما فيها من قضاء الحوائج ودفع المظالم والمفاسد على ما جاء في الحديث: “الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله”.
ولاية الفقيه
تطرّق الفقهاء في بحوثهم الفقهية إلى مسألة ولاية الفقيه، في إطار البحث عن موضوع الأحوال الشخصية، وفقه المعاملات المشتمل على: الطلاق والزواج والإرث والوصايا والعقود التجارية. استخرج الفقهاء من النصوص الشرعية بعض الشروط حول المواضيع المذكورة سابقاً، وأهمها تحديد الولاية لأحد على أحد آخر، وذلك في حالات الصغر واليتم والجنون والسفه وعدم الرشد وغير ذلك، بحيث توجّب البحث عن أولياء ليقوموا مكان فاقد الولاية إن تعذرت ولايته لسبب من الأسباب.
شرعيًا، ليس المقصود في الولاية ما هو أبعد من شؤون الأحوال الشخصية والعقود التجارية، وليس المقصود فيها، البتة، الحاكمية السياسية. هذا يعني أن الولاية التي تحدث بها الفقهاء ليست على عموم الناس، إنما هي، على تقدير ثبوتها، ولاية على الذين لا أولياء لهم، والذين فقدوا الأهلية المعتبرة في نفوذ المعاملات لسبب من الأسباب المتقدمة، ولا علاقة لهذه الولاية بالولاية السياسية، بل هي بعيدة كل البُعد عن عالم السياسة والسلطة والحكم.
بقي البحث في ولاية الفقيه في هذا الإطار الفقهي المرتبط بالأحوال الشخصية القريبة من معنى الوصاية إلى حين وصول الإمام الخميني إلى سدة الحكم في إيران باعتباره فقيهًا ومرجعًا دينيًا. في حينها، قفزت مسألة الولاية من مجالها الأولي إلى المجال السياسي، وذلك خارج الأجواء الفقهية المعهودة. استلزم وصول الخميني إلى الحكم تجاوز شؤون الأحوال الشخصية إلى مجال التصرّف في الدماء والأموال، وهي أمور، حسب السائد الفقهي، من صلاحيات النبي والأئمة المعصومين (3) أو المأذون من قبلهما.
عند وصوله إلى الحكم، نشط البعض في البحث عن الولاية العامة للفقيه، وبدأت قراءات جديدة للنصوص الدينية لتبرير الواقع الذي جرى في إيران، كما لتعزيز سلطة الخميني كفقيه، ووضع الدعائم لاستمرار هذه السلطة من خلال تحويلها إلى نظرية في الحكم والسياسة، وإعطائها البُعد الديني المؤثر في النفوس، فتصبح ولاية الحاكم في إيران ولاية تحمل الطابع الإلهي، وذلك عبر إثبات أن للفقيه ولاية على ما كان للنبي والأئمة المعصومين من ولاية.
مما لا شك فيه أن البحث عن دور ولاية الفقيه مرتبط بالبحث عن الدور المرسوم للأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين، الذي يعتبر دورهم بمثابة الأصل والأساس لدور الفقهاء والعلماء في حياة الأمم والشعوب والمجتمعات. ولا يمكن، بمطلق الأحوال، أن يكون الدور الثابت للفرع (أي الولي الفقيه) أوسع دائرة في الصلاحيات مما هو ثابت لأصله (أي النبي والأئمة المعصومون)، ولا يصح لدى الشرع وأتباعه أن يزيد منصب الفقهاء وموقعهم ودورهم على مناصب الأنبياء والرسل والأئمة المعصومين ومواقعهم وأدوارهم.
من المعروف أنه في الأديان كلها، لم يكن الهدف الأساسي للأنبياء والرسل تحقيق مشروع سياسي أو إقامة نظام سياسي أو استلام السلطة، إنما كان الهدف الأولي والأساسي نشر دعوة الإيمان ورسالة الهداية والإرشاد إلى سواء السبيل. يمكن التأكد من ذلك عبر الرجوع إلى الآيات القرآنية وإلى الحديث وحتى إلى الإنجيل وغيرها من الكتب السماوية. على سبيل المثال، [كان النّاسُ أمة واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُم بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ] (البقرة، (213)، كما الحديث المشهور القائل «إِنَّمَا بُعثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ»، وفي الإنجيل: «مملكتي ليست من هذا العالم» (يو 18: 36)، إلخ.
يُضاف إلى ذلك، السيرة العامة للرسل والأنبياء والأوصياء، وهي دالة بوضوح على أن الهدف كان الدعوة والإصلاح بالدرجة الأولى، ولم يكن الهدف هو السلطة السياسية. بمعنى آخر، إن ولاية الأنبياء والرسل الثابتة هي ولاية التبليغ الديني والتعليم كما تشير مجموعة سيرهم العامة والآيات الدينية على حد سواء.
لذا، إن كان مشروع الأنبياء هو مشروع تبشير وتبليغ وتعليم وهداية وإرشاد، فكيف تكون ولاية الفقيه تعبيرًا عن مشروع سياسي وولاية سياسية؟! فهل يجوز أن يثبت للفقيه ما لم يثبت للرسل والأنبياء؟! إن كان الأئمة لم يقوموا بأي دور سياسي في زمانهم، فهل أعطوا هذا الدور لمن هو أدنى مرتبة منهم أي الفقيه؟!
لأجل ذلك، مع ما تقدم ذكره، إن الولاية الثابتة للفقيه هي في إطار التبليغ والدعوة، وهو الدور الوحيد الذي ينسجم ويتلاءم مع ما قام به الأنبياء في هذا المجال، أما الدور السياسي فليس من صلاحيات الولي الفقيه.
هذا ولا تثبت الطاعة التي كانت ثابتة للمعصوم، ولا يجوز انتقالها إلى الفقيه وإن صار حاكمًا بالمعنى السياسي، لأن الطاعة حينئذ لا تكون لشخصه وإنما تكون طاعة الأنظمة العامة والقوانين التي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم، وليست ولاية على الأنفس والأموال والآراء والأفكار والمعتقدات؛ فليس للحاكم أن يختزل آراء الناس برأيه وسلطته وإن كان معصومًا. هذا طبعًا إن كان الولي معصومًا، فكيف الحال
وهو ليس كذلك.
إن حدود ولاية الفقيه كحاكم ترتبط بالمواقع والأمكنة التي يكون فيها فقيهًا مبسوط اليد، كما يحصل ذلك عند اختياره حاكمًا ووصوله إلى السلطة السياسية في مجتمع من المجتمعات، حيث يكون حينذئذ قادرًا على إعمال ولايته بتطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها. لكن ليس له من خصوصية توجب طاعته وامتيازه عن سائر الحكام السياسيين سوى طاعة النظام العام وأحكامه التي يتساوى فيها هو مع غيره من الحكام الآخرين، كما يتساوى في ذلك أيضًا مع المحكومين الذين يحكمهم.
• السيّد علي الأمين، ولاية الدولة ودولة الفقيه: الشيعة وتحديات المواطنة، دفاتر “هيا بنا”، 2007.
• جو حمورة
مكتب الأبحاث ـ دائرة الإعداد والتدريب
هامش:
1 ـ وفقا للشيعة الاثني عشرية، يُقصد بالغيبة غياب الإمام المهدي، وهي غيبة، بحسبهم لن تنتهي إلا بنهاية الزمان عندما يرجع إلى الأرض ويملأها عدلاً.
2 ـ آية الله العظمى، وأستاذ المحققين وشيخ الفقهاء الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (1860-1939).
3 – في عقيدة الشيعة الإثني عشرية، يُطلق لقب المعصومون على الأربعة عشر شخصًا، وهم، بحسبهم، النبي محمد وابنته فاطمة الزهراء والأئمة الاثنا عشر من نسل الإمام الأول علي بن أبي طالب وفاطمة. يعتقد الشيعة بأن هؤلاء مخوّلون من الله بنشر تعاليم الإسلام، لذلك عصمهم من الذنوب والمعاصي، فلا يمكن أن يرتكبوا شيئًا منها.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]