.jpg)
من أبرز ما تمّ تسريبه في الآونة الأخيرة هو الاتّفاق الضمني الفرنسي – الأميركي لتنفيذ القرار 1701 عبر إنشاء منطقتين عازلتين: الأولى في جنوب لبنان كما ينصّ القرار 1701 على عمق 30 كم، أي منطقة جنوبي الليطاني على أن تكون في ظلّ انتشار قوّات فرنسيّة لمؤازرة الجيش اللبناني وقوات حفظ السلام الدوليّة. والمنطقة العازلة الثانية في شمال إسرائيل تنتشر فيها قوّات أميركيّة لمساندة جيش الاحتلال الاسرائيلي على تكريس سيطرته أكثر، ولتأمين حماية حدوده الشماليّة.
هذه المسألة إن نجح المجتمع الدّولي بفرضها أمرًا واقعًا لتجنيب لبنان من الدّخول في أتّون الحرب الدّائرة، ستفضي حتمًا إلى تكريس الاستقرار على الجبهة الجنوبيّة. لكن مقابل ذلك كلّه، تبقى الاشكاليّة المطروحة حول الأثمان التي قد تتقاضاها منظمة حزب الله للقبول بتنفيذ هكذا سيناريو في حال كتب له النّجاح. إضافةً إلى كيفيّة إظهارها الصفقة الموعودة انتصارًا ديبلوماسيًّا لها، نتيجة ميزان الرّدع الذي تعتبر نفسها أنّها نجحت بفرضه عبر صواريخها ذات القدرة التدميريّة.
لكن هذا المشروع إن نجح فسيعني ذلك استكمال عمليّة ترسيم الحدود البرّيّة وحلّ الاشكاليّات التي كانت قائمة. وهذا سيعني عمليًّا استكمال أطر اتّفاق السلام الصامت ” الهوكشتينيّ” اللّمسات، الذي سيوفّر حتمًا المصلحة الاسرائيليّة على حساب المصلحة اللبنانيّة. وما يثبت ذلك، التنازلات التي قدّمتها الدّولة اللبنانيّة في اتّفاق الترسيم البحري في 27 تشرين الأوّل 2022، والتي ظهّرتها منظمة حزب الله انتصارًا إلهيًّا. فالقاصي والدّاني يعلم كيف تمّ التنازل عن الخطّ 29 الذي يمنح العدو الاسرائيلي الحقّ الكامل في حقل كاريش، الذي بدأ الانتاج منه، والقبول بالخطّ 23 الذي يمنح لبنان الحقّ الكامل في حقل قانا، وذلك تحت ذرائع واهية، سرعان ما دحضها علماء الجيولوجيا والهيدروغرافيا، المدنيّون والعسكريّون. مع العلم أنّه حتّى الساعة لم ينجح لبنان بعمليّة التثبّت من احتمال وجود أيّ كميّات تجاريّة من الغاز في قانا!
لكنّ إن كتب لهذا المخطط بأن ينجح فهذا سيعني عمليًّا نفوذ غربي استعماريّ جديد، سيكون المدخل الاستثماري عبر الشركات النفطية التي ستعمل في هاتين المنطقتين. وبما أنّهما منطقتا نزاع، فهذا يعني عمليًّا أنّ النفوذ فيهما لن يكون للدولتين. بذلك، يكون المجتمع الدّولي قد انتزع من منظمة حزب الله أي مخطّط استثماري في المجال النّفطي في المستقبل المنظور. ووضع يده في عمق هذا القطاع، في الاقتصاد الاسرائيلي ليبقى الأميركي ضابطه، لا أن يتحوَّلَ إلى مُستَثمَرٍ به في هذا القطاع وفي هذه المنطقة من العالم بالذات.
فبنهاية المطاف، ما يحدث اليوم في منطقة الشرق الأوسط يجب النّظر إليه من الزاوية الكبرى وليس من زاوية محدوديّة الصراع بين حركة حماس والعدو الاسرائيلي وحسب. إنّما عمق هذا الصراع هو جيو – اقتصاديّ يهدف إلى تبديل الاستراتيجيّات السياسيّة في هذه المنطقة المشتعلة من العالم، للوصول إلى حالة استقرار تخدم المشاريع الاستثماريّة من جهة؛ مع التأكيد أنّ البعد الحضاري هو الهدف الماورائي من هذا الصراع السرمدي.
فلا يمكن إغفال فكرتي المملكة الدّاوديّة والأمبراطوريّة الفارسيّة. وهاتان الاثنتان تتصارعان على أرض عربيّة عربيّة عربيّة. الأولى تعمل ليل نهار ومنذ مئات السنين لتحقّق حلمها التوراتيّ بمملكة موعودة لها بحسب عرفها الدّيني؛ والثانية تسعى لاستعادة مجدها الأمبراطوري، ولكن مع فارق إضافيّ على تاريخها الحضاريّ في الشّرق، منذ زمن الدّولة العبّاسيّة وحتّى ما قبلها. وهذا الفارق يتجلّى اليوم في البعد الايديولوجي الذي نجحت بتعمميمه الثورة الاسلاميّة في إيران منذ سبعينيّات القرن الماضي. وتمّ تحديث هذا الفكر وعصرنته عندما نجح هذا التيّار الفكري بجنوحه الصفوي الذي نحا باتّجاه ولاية الفقيه من بوّابة الإمامة الإلهيّة. وبذلك، يعمل بطريقة مزدوجة حيث يستثمر توسّعه الإيديولوجي ليستعيد غزوه الإمبراطوري من البوابة الإيديولوجيّة هذه المرّة. وهنا خطورة هذين المشروعَين في المنطقة. الأوّل قومي- عنصري، والثاني إمبراطوريّ – إيديولجيّ.
فالمخطّطات المرسومة لمنطقة الشرق الأوسط لا تستثني أيًّا من هذين المشروعين ذات البعد الحضاري. فالغرب البراغماتي يعمل على كيفيّة التوفيق بينهما. وتظهير الاتّفاق النووي الأميركي الإيراني من قبل الإدراة الديمقراطيّة ليس بمنأى أبدًا عن هذا المشروع. ولعلّ الخلاف الذيث تظهّر اليوم بين الرئيس الأميركي ورئيس وزراء الحرب الاسرائيلي لا يعدو كونه خلافًا على هذه الأولويّات. وهذا ما قد يستثمر به الحزب الجمهوريّ على أبواب الانتخابات التي سيخوضها. وهذا ما سيزيد من فرص تقدّمه على غريمه الدّيمقراطي الذي غرق في الوحول الصهيو – فارسيّة حتّى النّخاع.
ما يهمّنا كشعوب عربيّة، وكشعب لبناني منقسم على انقساماته الحضاريّة، أن نعمل على كيفيّة درء تداعيات هذا الصراع الحضاري على أوطاننا. لذلك كلّه، علينا اتّخاذ الخيارات الصائبة في هذه الأوقات البائدة. فلا يمكن أن تعمل الدّول العربيّة من جهة على مهادنة إسرائيل والتطبيع معها، ومن جهة ثانية على دعم المقاومة في فلسطين المحتلّة من قبل إسرائيل. أمام هذه اللحظات المصيريّة فلا بدّ من اتّخاذ الموقف الصحيح. والاشكاليّة الكبرى تكمن في القبول بإسرائيل أم عدمه، وفي وجود فلسطين أم عدمه.
فهل نريد فلسطينَ خانعة خاضعة لقوّة وبطش وإرهاب الآلة التدميريّة العسكريّة الاسرائيليّة؛ وللفكر الصهيوني العنصري القاتل لكلّ آخر مختلِفٍ؟ أم نريد فلسطينَ دولة حرّة سيّدةً مستقلّةً؟ وهل نريد دولًا عربيّة تتبادل التمثيل الديبلوماسيّ مع إسرائيل وتعترف بحقّ وجودها؟ أم نريد دولًا عربيّة تعمل على كيفيّة إزالة هذا الكيان من صلب أجسامها الوطنيّة؟ وهل نريد دولًا عربيّة تخضع لعمليّة التغيير الإيديولوجي التي تقودها الثورة الاسلاميّة في إيران؟ أم نريد مواجهة هذا المدّ الذي بات يتّخذ شكل الاحتلال الحضاريّ؟ هل نريد لبنان دولة رسالة حضاريّة كما أراده البابا يوحنّا بولس الثاني؟ أم نريد لبنان يُحَاكي أنموذجاته الحضاريّة في وطن اتّحاديّ – حياديًّ سيّدٍ وحرٍّ ومستقلٍّ على ال 10452 كم2؟
إشكاليّات وجوديّة حضاريّة سنعمَل على الإجابة عن معظمها إذا ما أعطانا الرّبّ قدرة لذلك.