#dfp #adsense

كريستوفر لبنان حامل المسيح

حجم الخط

هي حكاية قديس غريب الأطوار، تلامس الأسطورة، وتقارب الحقيقة، وتوازي الرمزية. إنها رمزيَّةُ تخرج عن قاعدة النَّص الأسطوريِّ لتدخل في جاذبيَّة سرد روائيّ تشويقيّ يجذب قرّاءه من أول كلمةٍ حتى آخر علامة تعجُّب. هي قصة فتًى عملاق الجسم شمشوميّ القوة مُستهاب الطَّلة يدعى “روبربوس “مولودٌ في بلاد كنعان عام 250 ميلادية.  روبربوس هذا الاسم الذي يعني “عديم الفائدة” قد حلم وصمَّم أن يوظِّف قوته الجسدية الهائلة ويضعها تحت إمرة أقوى ملوك الأرض قاطبَةً وقد ظنَّ أن حُلمَه متوافر لدى ملك بلاد كنعان، فطرقَ باب قصره واضعًا نفسه بتصرُّف عرشه وجيشه.

ذات معركةٍ قاسيّةٍ، انهزم فيها الملك الكنعانيُّ أمام امبراطورٍ يعتنق الديانة المسيحية، فلم يتردد صاحب القوة الأسطورية من هجر ملكه المنكسر والالتحاق فورًا بالإمبراطور المنتصر.

ولأجل جسارة روبربوس ومميزات جرأته في أقسى المواجهات، تمَّ تعيينه قائدًا عامًا على الحرس الامبراطوري، وبموقع قربه من امبراطوره لاحظ أنه يكثِر من رسم إشارة الصّليب على وجهه وعرشه وأبواب قصره ومقرّات حرّاسه وثكنات جيشه، فتجرَّأ قائد الحرس مرَّة وسأل امبراطوره، ما هي هذه الإشارة ولأي سبب يبالغ في رسمها، فأوضح له السيِّد المهيب بأن علامة الصليب هي لطرد الشيطان وإبعاد شروره عن المملكة ورعاياها… ومن جديد اكتشف عابد القوة، بأنَّ هذا المسمَّى شيطان، هو  منافسٌ قويٌ شرس لمن ظَّنه أنه أقوى أباطرة الممالك، ومرَّة جديد التحق العملاق بعدو المحبة والسلام، مرعب الامبراطور!

ذات مهمةٍ شيطانيَّة شاقَّة خطيرة، سار روبربوس متباهيًا بالقرب من قائده الإبليس إلى حين عبرا جسرًا عاليًا قبالته تلَّة فوقها صليب خشبيّ، وما أن لمحه الرَّجيم حتى صرخ صرخة رعبٍ جهنميّة، وسقط على وجهه الشّنيع مرتجفًا مرتعدًا، لحظتها تصارعت في عقل المرافق الجبار عشرات الأسئلة، أهذا هو الشيطان مُرعب الملوك والممالك يرتعب من خشبتين مصقولتين بشكل صليب المحكومين؟ وحين التقطَ الأركون بعض أنفاسه، أقرَّ واعترف لمرافقه المتعجِّب المندهش، بأن مصلوب هذا الصَّليب هو الذي يرغمه دائمًا على الانكسار والهروب!

هزأ روبربوس من هذا المسخ الجهنمي وهام على وجهه يبحث ويسأل أين يجد الملك المصلوب على خشبة.

بعد مسيرٍ شاق مضني بين الغابات والأدغال، توفَّق بناسكٍ شيخٍ جليلٍ يستحبس داخل مغارة نائيّة، فدخل عليه راجيًا مترجيًا أن يخبره حكاية الصّليب ومصلوبه وسرّ قوته وهو الملطوم المسمَّر المطعون بالحربة، وبعد جلسة أيامٍ وأيام، آمن عاشق القوة والأقوياء بأنه التقى أخيرًا بملك الملوك وأقوى الملوك، فتعهَّد لناسكه ومرشده بأنه من اليوم وصاعدًا، سيكرِّس قوته وجبروته لما يرضي ملك الصليب، ثمَّ ترجَّى مرشده أن يهديه إلى مهنة يرغب بها الذي اسمه يسوع، فنصحه رجل الرب أن يُفيد المسافرين الذين يخشون عبور مياه النهر وينقلهم من ضفة إلى ضفة آمنين سالمين، فاغتبط المتطوِّع العملاق بهذه المهمة السهلة لقاء وجبات طعام تتناسب وضخامة جسده!

صبيحة نهار مكتمل الشَّمس، تفاجأ حامل المُسافرين بصبيّ ذي براءٍ تنفذ في القلب، ووجه شمسيّ يبهر البصر يطلب منه أن يجتاز به غَمر النهر. فاض حنو الجبار وأنجذب إلى ضيفه الصغير يحمله بأصبعين ويرفعه إلى كتفه ويعبر به المياه، لكنَّه كم انذهل وصُدمَ بأنه كلما خطى خطوة يزداد وزن الصبي ويتعاظم ثقله، حتى أحسّ أنه يحمل الكرة الأرضية، وما أن وصل الضَّفة الأخرى حتى انطرح لاهثًا خائر القوى متقطِّع الأنفاس، وبالكاد تمكن من سؤال أصغر المسافرين عمرًا وأثقلهم وزنًا عن من يكون فكان الجواب دهشةً فوق دهشة:

“أنا هو يسوع بالذات حامل السماء والأرض، ومن هذه اللحظة أعمِّدكَ يا صديقي باسم أبي وروحي القدوس، وأعطيك اسمًا جديدًا، تحمل من هذه اللحظة اسم “كريستوفر” أي حامل المسيح”! أمَّا “كريستوفر” اللبناني، فهو حقيقة كاملة لفتى استثنائي بين فتياننا، يعيش معنا وبيننا ولأجلنا، يعبر ربيع شبابه الرهبانيّ النسكيِّ بين أعوامه العشرين والثلاثين، عبور من سبقوه إلى صوامع المزمور المترنِّم: “لتفرح البريَّة والقفر وتنشدُ إنشادًا. الراهب الأخ كريستوفر، شاب عمره عمر طموح شبابٍ يسعون إلى التفوّق العلمي والاختصاص المنتج للمال الوفير ومباهج الحياة ورغائبها، متحدِّر العائلة من إحدى عرائس بلدات جزين المباركة، وحيدٌ لوالدين ليس لهما غيره وغير أخته الوحيدة. والد ووالدة ربيّا ابنًا وابنةً تربيَّة متجذِّرة بانتمائهما اللبناني والمسيحي، يرجوان أن يخرِّجا من عائلتهما وبيتهما، مناسبتَي فَرحين وعرسين، فرحٌ مفتخرٌ بعالي شهادات فلذتَي الكبد، وعرسٌ قلوبه وخواتمه وكؤوسه قلوب وخواتم وخمرة كؤوس عرس قانا الجَّليل..

 

وأحفادٌ ملائكة، وملائكةٌ أحفاد!!

عائلة كروستوفرنا اللبنانيّ هي إحدى عائلاتنا المتمايزة التي قصدها المعلم يسوع، يقرع بابها وينفِّذُ فيها أحكام أغرب آياتِه وأفعلها قسوة على قلوب الوالدين والأبناء: “قد جئتُ أفرِّق الابن عن أبيه والابنة عن أمها”… وأمسكَ هذا “المُفرِّقُ” القدّوس يد وحيد والديه، وأمسكه من قلبه وعقله وإرادته ومشى به إلى باب دير رهبانيَّة ناشئة المقام والقوانين، لكنها عتيقة ببرارة وبراري مسيرة نسكيَّة قورشيَّة بدأت منذ 1600 سنة داخل خيمة جبل مارون المعروف بالسيِّد الصَّغير، وها هو الراهب كريستوفر القورشي يرافقُ أخوة قورشيين، حكايتهم تشابه حكايته يتمِّمون بفرحّ ليس مثله فرح وبهجة لا تماثلها بهجة العيش بأجساد تحاكي أجساد عمالقة المناسك القورشية الحبيس يعقوب القورشي والحبيس أسحق القورشي وسائر سلسلة أصفياء الله ، كما بأرواح مغبوطة مغتبطة بالانتماء إلى ملائكية حبساء الوادي المقدس وجبل لبنان، من الحبيس الأعجوبة يونان المتريتي وابن البركة البقوفاوي، وأتناسيوسالصَّغبيني، وشربل البقاعكفري، كما أنطونيوس شينا البقرقاشي!

فوق تلالٍ صخريَّة سنديانيَّة ديرانيّة ترتفع عن سطح البحر والبَرّ ارتفاع بطرس ويعقوب ويوحنا صوب جبل التَّجلِّي، يستعيد فيها أبانا مارون قورشه وجبله وخيمته وعراءه ومحابسه وتلامذته الأمناء، استعادة تُشرف عليها وتصونها عذراء العذارى أرزة لبنان، وآباء وأخوة الناذر كريستوفر، رجال أشدّاء يعتمرون على رؤوسهم أساكيم أكثر مناعة من الحصون، ويشدّون أوساطهم بزنانير بِرّ تقيِّد أيادي المجرِّب اللعين وتُعدم حيله، وينهضون إلى صلوات صباح وظهيرة ومساء وستّار وقومات ليلٍ أربعة، بأصواتٍ توصل تسابيح وتماجيد الشاروبيم الى مسامع وقلوب ونفوس التَّائهين عن الصوت الصارخ في البريَّة: “أعدوا طريق الرب واجعلوا سبُلَه قويمة”!

أبو كريستوفر يا والد الابن الوحيد ذلك المساء الأشبه بمساءات علية العنصرة، داخل صالة مضافة مبنى الأخوة القورشيين الدّارسين، وسيّدة لبنان شاهدة على قلبكَ الأبوي المتلوِّع وعينيك المتماوجتين بدَمع أبٍ يحاول ويجهد، ثم يفشل بأقناع وحيده العودة معه لعيش دعوته الربانية داخل أكليركيّة تخرِّج كهنة متزوجين، يتخرَّج منها كاهنًا متزوجًا يبهج والديه بأطفاله، لكنَّه الصيّاد يسوع في لحظته الحاسمة، هو حبيبك كما هو غريمُك ساعة الاختيار والقرار. هو من اصطاد وحيدك من قلبك وعينيكَ وماء دمعك الأبوي أعمق بكثير من مياه جنَّاشر بحيرة الصيّادين المدعوين لاصطياد الأمم لحساب ملكوت الخلاص، وكريستوفرك سيكون صيّادًا متفوقًا يُحسب له ألف حساب. وفي الوقفة ذاتها لست أنت شاول كي يخاطبك الصوت البارق من السماء: “لا تستطيع أن ترفس المهماز”!!

راهبنا كريستوفر ستحيا كامل وكمال عمرك الرهباني النسكيّ القورشيّ، حاملًا المسيح على ظهرك، كما في قلبك ونذورك، تحمله مولودًا، مبشِّرًا، عجائبيًا، معزيًا يتجول بين الفقراء والمساكين والخطأة والمشرَّدين، كما ستحمله مصلوبًا وقائمًا من كل موت.

وستحمل أيها الابن الوحيد في ضميركَ البنويّ أحفادًا لن تدلِّلهم أمَّك ولن تكاغيهم أختك ولن يرقِّصهم على ذراعية والدك، ولكنكم يا نخبة فتيان محابس قورش الجديدة، ستنالون وسام باب شربليّ بطوليّ أغلقه أبوكم، وقدوتكم الراهب شربل بوجه أمه، رافعًا مستوى اللقاء معها إلى ما فوق أعتاب السماء!!!​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل