
مع اقتراب عيد الميلاد المجيد، نتذكر مناسبة فرح واحتفال، وهي ولادة سيّدنا يسوع المسيح. إنّها محطّة للتفكير في معنى التسامح والخير والحب الّذي هو أعظم قيمة لدى الأديان كافّة.
فرح الرب هو القوة التي تساعدنا على مواجهة التحديات في الحياة. وولادة سيّدنا يسوع المسيح هي دعوة للبشرية جمعاء للعيش معًا، في رباط محبته والاحتفال بالتنوع البشري وتقدير الصفات المشتركة للبشرية.
وللأرمن تاريخ طويل مع المسيحية الّتي اعتنقوها كدين رسمي في العام 301 ميلادي، ليصبحوا أول دولة في العالم تعترف بالمسيحية كديانة رسمية. فكيف يحتفل الأرمن بعيد الميلاد المجيد؟
الميلاد المجيد هو أحد أهم الأعياد الدينية لدى الطائفة الأرمنية. في السابق، كانت كل الكنائس الغربية ـ حتّى روما ـ تحتفل بهذا العيد في 6 كانون الثاني، أما الوثيقة الأولى التي تذكر الاحتفال بعيد الميلاد في 25 كانون الأول، فهي وثيقة Calendario 336، التي سُمّيت بإسم Filocaliano , Dionisio Furio Filocalo. وبذلك يكون قد نُقِلَ تاريخ الاحتفال بعيد الميلاد من 6 كانون الثاني الى 25 كانون الأول، في عهد البابا ليبيريوس.
يحتفل الأرمن الكاثوليك بعيد الميلاد في 25 كانون الأول، أسوة بمعظم الكنائس الأخرى، بينما يحتفل به الأرمن الأرثوذكس في 6 كانون الثاني. ويشترك معظم الشعب الأرمني وكنائسه في التقاليد والليتورجيا في بلاد العالم كافّة.
يبدأ التحضير للاحتفال بعيد الميلاد المجيد قبل أيّامٍ من العيد، فتتزيّن البيوت بالأضواء الّتي تغطّي أرجاءها، وتُعلَّقُ الصور العائلية القديمة والجديدة، وتُحضَّرُ الأشغال اليدوية من قبل الأطفال.
من تقاليد الأرمن أن تكون شجرتهم طبيعيّة وتبقى مزيّنة ومضاءة في المنازل حتى 14 شباط، حيث يحتفلون بعيد الشعلان، فيجمعون أشجارهم في باحة الكنيسة، وبعد القداس الالهي، يشعل الكاهن الأشجار، فيختار منها المؤمنون غصنًا مضاءً يعودون به إلى منازلهم، رمزًا لنور يسوع الّذي سيفيض فيها. أما الرماد، فتتكحّل به الفتيات.
تجتمع النّساء في بيت العائلة لتحضير أطيب المأكولات الأرمنيّة، كالقاورما والـGhapama والحلويات كالبقلاوة والشّوربة الحلوة. ولا تخلو المائدة من اللوز والجوز والكستناء والصّنوبر وفاكهة الرّمان المشهورة في أرمينيا، والّتي ترمز إلى الاتحاد والبركة ودم يسوع المسيح. أمّا المشروب فهو النبيذ.
كان الأهل يجتمعون حول المدفأة، في 31 كانون الأول، ليرموا في نيرانها كلّ الطاقة السلبية وأخطاء السنة الفائتة، حتى تبدأ السنة الجديدة بطاقة إيجابيّة وصفحة بيضاء، كذلك، تجتمع العائلة في 1 كانون الثاني لتناول الطعام، ويشرب ربّ البيت نخب الموجودين، طالبًا اليهم تذوّق العسل حتّى تكون أيّامهم المقبلة حلوَة كطعم العسل.
أمّا الطّبق الرّئيسي في هذا اليوم، فيكون Matzunov Kufta (كبّة بلبن) الّذي يتناوله الأرمن كأوّل طبق في السّنة الجديدة، لأنّ لون اللّبن الأبيض يرمز إلى بياض الأيّام القادمة.
في 5 كانون الثاني، يتحضّر الأرمن لاستقبال البشارة Khtoum، وفي هذا اليوم يشارك الأولاد في طقوس تقليديّة. بعد القداس الاحتفاليّ، يرتدون لباسًا يرمز إلى شخصيّات المغارة ويجولون مع عائلاتهم على البيوت في الشوارع مرنّمين بأصوات مرتفعة ومبشّرين بولادة سيّدنا يسوع المسيح.
ليتورجيًّا، تُتلى صلاة المساء لدى طائفة الأرمن الكاثوليك، عند الساعة الخامسة من بعد ظهر 24 كانون الأول، ثمّ تُقرأ رسائل الأنبياء الّذين تنبّؤوا بولادة يسوع المسيح، قبل أن يُحتفل بالذّبيحة الألهيّة. بعد الذّبيحة الالهية، يعلن الكاهن ولادة يسوع: “ولد المسيح”. أما الأرمن الأورثودكس، فيقيمون هذه الصلاة في 5 كانون الثاني.
يلي الذّبيحة الالهيّة تبادل للمعايدات واحتساء النّخب في باحة الكنيسة، ويتوجّه أبناء الرّعية بعد ذلك إلى بيوتهم لتناول العشاء.
في 25 كانون الأول، يقام قداس احتفالي كبير بولادة سيدّنا يسوع المسيح.
في 26 كانون الأول، تحتفل الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية بعيد الشهيد الأول في الكنيسة، القدّيس اسطفانوس الشّماس.
في 1 كانون الثاني، تحتفل الكنيسة بعيد تسمية يسوع في الهيكل وختانه حسب التقاليد اليهوديّة.
في 6 كانون الثاني، والّذي يصادف فيه عيد الغطاس، تُقيم الكنيسة (الأرثوذكسية والكاثوليكية) في هذا اليوم قداسًا الهيًّا تُتلى فيه الصّلوات وتُنشَدُ الترانيم، فتبارَك المياه وتوزّع على أبناء الرّعيّة. يُبارِكُ الكاهن الأعلى رتبةً بيته، أو الدّير، أو مقرّ المطرانيّة أوالبطريركيّة أوَّلًا، ثُمَّ تُبارَكُ بيوت الرّعيّة. (أما رهبنة الآباء المخيتاريين الّتي أنتمي إليها، فمازالت تعتمد هذا التقليد منذ تأسيسها أي منذ العام 1700 حتّى يومنا هذا وخصوصًا في مقرّ الرّئاسة العامّ ـ جزيرة سان لازار ـ البندقية ـ شمال إيطاليا. يُبارك الكاهن الأعلى رتبةً غرفة الأب الرّئيس، ثمّ صالة الاجتماعات، ثم غرف المدبّرين، ثمّ صفّ الاكليريكيّين، ثمّ غرفهم، ثمّ المدخل، فالمائدة والمطبخ… الخ ). وتستمرّ زيارات التّبريك حتّى ما قبل بداية زمن الصّوم.
في 7 كانون الثاني، تُحيي الكنيسة الأرمنيّة تذكار الموتى فتقيمُ قدّاسًا لراحة أنفس الراقدين، ثمّ يتوجّه الكهنة مع المؤمنين إلى المدافن للصلاة. تجدر الإشارة إلى أنّ الطائفة الأرمنيّة تُحيي تذكار الموتى دائمًا بعد الأعياد المسيحيّة الخمسة الكُبرى.
عظمة هذه الكلمة المتجسّدة وحقيقتها جعلتها عيدًا سنويًّا عالميًّا تحتفل به معظم الشعوب. هذه الاحتفالات تبدأ منذ أولّ شهر كانون الأوّل من كلّ عام وتستمرّ حتى السابع من كانون الثاني.
ابن الله موجود من البداية، لقد أُعطيَ لنا كهبة. فولادة سيدنا يسوع المسيح مُثبتة تاريخيًّا، وهي حقيقة علينا أن نثبّتها في حياتنا ونعيشها. عيد الميلاد المجيد هو احتفال بولادة المخلّص، الّذي يولد في كلّ سنة في مغارة قلوبنا وقلوب العالم أجمع. هذه الولادة هي نعمة لحياتنا الروحية، تنمو فينا وتُنَمّينا، وتتغذّى بالمعرفة الالهيّة.. يسوع موجود في حياتنا إذا سمحنا بذلك. فهو يسكن فينا بالروح القدس، ويقودنا إلى طريق الحق والحياة.
نحن نملك القدرة على عيش مفاعيل سرّ التجسّد إذا آمنا بيسوع المسيح وقبلناه في حياتنا.
فهل يسوع موجود في حياتنا؟ وهل نحن قادرون على عيش هذا التجسّد الهادف لخلاصنا؟
To read the article in Armenian, click here: