نفّذت إسرائيل تهديداتها بمطاردة قيادات “حماس” في أي مكان، وتمكنت من اغتيال القيادي البارز صالح العاروري الذي يعدّ من أكبر رموز وقادة “حماس” إذ يحتل موقع نائب رئيس المكتب السياسي للحركة ويوصف بأنه أحد أبرز مهندسي ما يسمّى في محور الممانعة بـ”وحدة الساحات”، وذلك في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، أي معقل “الحزب”، عبر طائرة مسيرة استهدفت الشقة التي كان فيها بعدة صواريخ. ومن البديهي أنه فور اغتيال العاروري، بدأت الأسئلة تُطرح عن ردّ “الحزب” على هذه العملية الخطيرة، وحدوده، ربطاً بالحسابات الإيرانية وأجندة طهران في هذه المرحلة الملتهبة والتي لا يمكن لـ”الحزب” القفز فوقها حُكماً، وذلك في سياق ما يُبحث في كواليس العواصم المؤثرة والمعنية من سيناريوهات مطروحة على الطاولة لمستقبل المنطقة برمّتها.
المحلل السياسي علي حمادة، يرى في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “عملية اغتيال العاروري كبيرة لاعتبارات عدة: الأول، أن الشخصية المستهدفة استثنائية، وهو قيادي من الصف الأول وأحد القياديين الخمسة الكبار في حركة حماس وكتائب القسام التي كان من مؤسسيها. وحماس أعلنت ليلة اغتيال العاروري أنه كان مهندساً لعملية طوفان الأقصى.
الثاني، أن العملية حصلت في عقر دار “الحزب” ومقره ومعقله أي عاصمته الضاحية الجنوبية، وهي ضربة موجّهة لـ”الحزب” ولمصداقيته التي هي على المحك، لا سيما أنه كان هناك اعتقاد سائد بأن قواعد الاشتباك بين “الحزب” وبين إسرائيل السائدة منذ حرب تموز العام 2006 تحمي كل من يتواجد في معاقل “الحزب”، خشيةً من رده على أي ضربة إسرائيلية، وقواعد الاشتباك هذه أسقطها الإسرائيليون. صحيح أنهم أعلنوا بأن الضربة ليست موجَّهة لا للحكومة اللبنانية ولا لـ”الحزب”، لكنها ضربة في مصداقية “الحزب” وفي معقله، وهي أيضاً رسالة لقيادته ولكل القيادات التي تحتمي خلفه في معاقله في لبنان”.
أما الاعتبار الثالث، يضيف حمادة، “فيتمثل بأن “الحزب” ألزم نفسه مرتين بلسان أمينه العام حسن نصرالله، بالرد الفوري والحاسم والقوي على أي استهداف لناشطين لبنانيين أو فلسطينيين أو إيرانيين أو غيرهم من أي تابعية من المنتمين إلى محور الممانعة:
الأولى، في 14 نيسان الماضي بخطاب لنصرالله أتى بعد إطلاق صلية الصواريخ الشهيرة في 5 نيسان ضد إسرائيل، وقيل إن فصائل فلسطينية أو حماس مسؤولة عن ذلك، ولم يتم أي تبنٍّ رسمي من قبل “الحزب” لهذه الضربة الصاروخية.
الثانية، في 28 آب الماضي عندما ردّ نصرالله على كلمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 27 آب أي قبلها بيوم، سمَّى فيها صالح العاروري بالإسم تحديداً من بين القيادات التي وُضعت تحت مجهر المخابرات الإسرائيلية. بمعنى أنه أُعلن عن النية بالاستهداف قبل حصوله، وكان ذلك يومها على خلفية ما يسمَّى بغرفة عمليات وحدة الساحات. من هنا خطورة اغتيال العاروري بوصفه أحد أركان غرفة عمليات وحدة الساحات، وهو يتقاطع في ذلك مع اغتيال رضي الموسوي في سوريا الذي هو منسّق غرفة عمليات وحدة الساحات والتي يديرها معه الأمين العام لـ”الحزب” نصرالله”.
حمادة يشير إلى أن “كل هذه العملية الإسرائيلية تأتي في سياق استهداف شخصيات مركزية في المحور الذي تقوده إيران. فالموضوع لا يرتبط فقط بالحرب الدائرة في قطاع غزة، بل مرتبط بالفصائل العاملة تحت مظلة إيران وفيلق القدس. من هنا خطورة المسألة. بالتالي، الحزب ألزم نفسه بالرد، والسؤال ماذا سيفعل؟ خصوصاً وأن مصداقيته على المحك، وقواعد الاشتباك جرى اختراقها بقوة، والسكوت وعدم الرد قد يشجع إسرائيل على إعادة الكَرَّة واستهدافات أخرى”.
“إذاً، ما علينا أن ننتظره بطبيعة الحال”، وفق حمادة، “هو عملية ردّ من “الحزب” الذي لا يستطيع إلا أن يردّ”. أما عن حدود الردّ؟ فيرى حمادة أنها “ستكون تحت سقف الحرب، أي لن ترقى إلى حرب شاملة لأن الحرب الشاملة غير مطروحة على الأجندة الإيرانية، فهذا قرار إيراني كبير، و”الحزب” الذي كان يُنتظر بأن يتدخل في حرب غزة منذ اليوم الأول قال نحن سننتصر على إسرائيل ليس بالضربة القاضية إنما بالنقاط”.
“بالتالي، المتوقع أن يعاد طرح هذه النظرية، بمعنى أن الرد سيكون متدرجاً. فيمكن أن تحصل عملية مؤذية وتكون مبهرة لإسرائيل، لكن أيضاً لجمهوره وللساحات الإيرانية في اليمن والعراق وسوريا، ليقول “الحزب” بأنه ردّ بقوة، لكن هذه العملية لن ترقى في الوقت عينه إلى مستوى الحرب الشاملة”، يختم حمادة.

