سقوط الشعارات والمصطلحات من النكبة الى “الصبر الاستراتيجي”

حجم الخط

“من طلب الحقيقة من الألفاظ هلك”، هذه العبارة التي وردت على لسان الفيلسوف والفقيه الفارسي الإمام ابو حامد الغزالي الذي عاش بين العام 1058 و1111، لا تزال سارية المفعول على الأجيال التي عاشت والتي تعيش بين أعوام الـ1948 والـ1967، وصولًا الى العام 2024.

وانسجامًا مع الحقيقة “المطلوبة”، لا بد من التنويه بأن “الألفاظ” التي وردت في عبارة الغزالي ما هي في التاريخ الحديث والمعاصر، الا “الشعارات والمصطلحات” الموضوعة غالبًا في غير مكانها وزمانها والمفرّغة كما رأينا وسنرى من مضامينها الحقيقية.

نبدأ من رفض غالبية الدول العربية والإسلامية ومنظماتها، الاعتراف بقرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة وما جرّه الرفض “الاستعراضي” في الحقيقة، وعلى أرض الواقعين الفلسطيني والعربي، من نكبات ونكسات وخسارات.

نحط بعدها عند نكسة حرب حزيران من العام 1967، فعلى الرغم من وضوح وفداحة الهزيمة خرج المهزومون برفع شعار، اعتبر المحافظة على الأنظمة تعويضًا وبديلًا من خسارة الأرض وحتى العرض، وهنا نستذكر ما قاله وزير الخارجية السوري وعضو القيادة القطرية في حزب البعث العربي الاشتراكي ابراهيم الماخوس بعد النكسة: “خسرنا بعض الأرض لكننا حافظنا على النظام”، كما نستذكر ردّ العرب على النكسة في قمة الخرطوم والتي خرجت بشعار “اللاءات الثلاث”: “لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف”.

ننتقل الى شعارات “حماية الثورة الفلسطينية” وحماية المسيحيين” و”التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل” التي رفعها نظام حافظ الأسد لتغطية ضربه للفلسطينيين والمسيحيين ولاحتلال دام عشرات السنين.

طبعًا لم تغب يومًا شعارات “الصمود والتصدي” و”تحرير فلسطين” و”رمي إسرائيل في البحر” و”محاربة الاستعمار الغربي والأميركي”، عن أدبيات الأنظمة القامعة لشعوبها، مبدّيّة الدكتاتورية والسلطة واستمرارية التسلّط على القضايا القومية الاستراتيجية، وعلى رأسها استعادة الأرض المسلوبة وقضية فلسطين.

تبقى الجمهورية الإسلامية في إيران مثالًا يَحتذي به حاليًا رافعو الشعارات ومطلقي المصطلحات حمالة الأوجه والألفاظ الثورية، التي لا تسمن ولم تُغنِ يومًا عن جوع، ولا تزال أنهر الصفقات والتسويات والاتفاقات تجري من تحت الأداء الإيراني التهديدي اللفظي منذ الثورة الإسلامية في العام 1979، وصولًا الى عملية طوفان الأقصى “المباركة” في العام 2023 وما يلحقها من تدمير لقطاع غزة وتوسيع للضربات على كل الجبهات.

لا تختلف شعارات ومصطلحات “الحزب” الوليد عن تلك التي اعتمدتها  الجمهورية الإسلامية الأم طيلة هذا الزمن المديد، ويكاد أداء الحزب الفعلي يكون مستنسخًا عن وليّه الإيراني من حيث استحالة التوافق بين “الألفاظ” وحقيقة “الانجاز”، فمن شعار “معادلة الردع” وسقوطه على أرض وقائع استمرار الخروقات والانتهاكات والاعتداءات والاغتيالات، مرورًا بـ”وحدة الساحات” وتراجعها الاستراتيجي غير التكتيكي، الى شعار ومصطلح جديد هو “الاشتباك تحت القواعد المضبوطة” القابلة للتعديل “الكلامي”، وشعار “على طريق القدس” الذي انحدر الى مصطلح “مساندة غزة” و”إشغال العدو” بتحريك الجبهات، وهذا الشعار الأخير تبيّن عدم جدواه وهذا ما لحظه الأقربون قبل الأبعدين، إذا شهدنا توسيعًا للاعتداءات على غزة ومستشفياتها وأطفالها ونسائها، وآخرها عبر سحب إسرائيل لألوية عسكرية متحركة من قطاع غزة عبر تغيير استراتيجية الحرب، وذلك يناقض ما ورد في الكلمتين بتاريخ 3 و5 كانون الثاني الحالي من وقائع وأرقام على لسان حسن نصرالله الذي تلبّس شخصية خبير الإحصاء غير الدقيق، وطبعًا، لن ننسى شعار “الرد في الزمان والمكان المناسبين” المتوقف بحكم مرور الزمن والتفتيش، من دون جدوى عن المكان، والساقط أيضًا تحت شعار دفاعي تأخيري هو في “عدم الانجرار الى معارك أو حرب على توقيت العدو”، كما تجدر الإشارة الى ما استجد على معجم الشعارات ـ المصطلحات، من تغليف للعجز والهزيمة على مثال شعار “تجرّع السم” للإمام الخميني في حربه مع العراق، وما ورد على لسان الإمام الخامنئي من مصطلح معبّر هو “الصبر الاستراتيجي”.

لضرورة البحث غير المستفيض ولعدم الإطالة في الشرح، نكتفي في أداء الممانعين المقاومين أعلاه وتعليقاتهم أمام جريمة اغتيال نائب رئيس حركة حماس صالح العاروري، والذي أثبت في مضامينه دحض النظريات والأدلة والأرقام التي ساقها حسن نصرالله في الإطلالتين الأخيرتين، كما بيّن ووثّق سقوط الشعارات والمصطلحات الآنفة الذكر.

على سبيل المثال وأمام شرح نصرالله لنظرية “معادلة الردع” بقوله في 3 كانون الثاني 2024: “الذي منع إسرائيل حتى الآن من شن العدوان على لبنان هو أن في لبنان قوة ‏وأن في لبنان مقاومة وأن في لبنان رجال لله وهذا واقع الحال”… نقرأ ما قاله رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية عن الاغتيال، إذ اعتبره “عمل إرهابي مكتمل الأركان، وانتهاك لسيادة لبنان، وتوسيع لدائرة عدوانه على شعبنا وأمتنا”، كما ما ورد في بيان حركة الجهاد الاسلامي عن أن الاغتيال هو “محاولة من العدو الصهيوني لتوسيع رقعة الاشتباك وجرّ المنطقة بأسرها الى الحرب”، وما أوردته وكالة تنسيم الإيرانية عن أن “اسرائيل تستدرج الحزب الى الحرب”. الأهم في ما قاله رئيس المجلس التنفيذي لـ”الحزب” السيد هاشم صفي الدين عن أن “اسرائيل تريد توسيع نطاق الحرب الى الضاحية”.

ومما سبق وَوُثِّق، لم يوفّق السيد حسن نصرالله بقوله في خطابه الأخير في 5 كانون الثاني 2024: “نحن قيمتنا في مسيرتنا من الـ82 الى اليوم، الحجة، المنطق، الاقناع، الدليل، البرهان، الوقائع. نحن لا نأخذ الناس بالشعارات والحماس والانفعال والانفصال عن الواقع أبداً”، فإحصائياته “الشعاراتية الانفعالية الحماسية”، لم تشمل الجانب الفلسطيني وخسائره، ولم تأت على ذكر الكوارث الإنسانية والسياسية والعسكرية التي قد تؤثر على “الوضع اللبناني والمصالح الوطنية اللبنانية”، والذي زعم نصرالله أنه لا يزال “يداريها” وذلك في خطابه في 3 من كانون الثاني الحالي.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل