#dfp #adsense

إلى الرهبان الشهداء..

حجم الخط

​أنا الخضرجي منصور… من زاوية زغرتا، ليس عندي سكن محدد، معظم أوقاتي أقضيها داخل شاحنة قديمة صغيرة أتجول بها في قرى وبلدات الزاوية أبيع الخضار والفواكه.

أتردد الى الأماكن التي أرتزق منها، أصبحت صديق الكثيرين. وكانوا يلقبونني بصاحب “الدمة”. ربحي كان قليلًا، لكن بيعي كان كثيرًا، يأتي المساء وتكون البضاعة التي معي قد نفذت. توطدت الصداقة مع الكثير من الناس… وبدأت أقوم بزيارات إلى منازل الأصدقاء، لكن الزيارة الأهم والأحب على قلبي كانت إلى دير مار جرجس عشاش.

كنت أزور هذا الدير مرتين وثلاث مرات في الأسبوع، وبعد فترة أصبحت الزيارة يومية. يسكن هذا الدير عدد من الرهبان أهداهم الله من البصيرة والفكر ما يكفي لإعادة الكثيرين إلى الإيمان والتقوى والعبادة.

كل يوم تقريبًا، وعند انتهاء عملي أذهب إلى الدير وأجالس هؤلاء الكهنة. كانوا ثلاثة، الأب بطرس ساسين 93 سنة، الأب أنطونيوس تمينة 78 سنة، والأخ يوحنا مقصود 60 سنة، وهو الأصغر سنًا والأقوى جسديًا. كانت أكثر أشغال الدير يقوم بها وبمساعدتي… كنا نقطف العنب، ونعصره ونخمره ونجعل منه نبيذًا يُقدم على مذبح الله. كنا نعجن الطحين ليصبح قربانًا مقدسًا، وعند نهاية كل أسبوع كنت أساعده في تنظيف الأرض. كان العمل في الدير سهلًا لأن يد الله تعمل معنا وتساعدنا. كان الصعب نوعًا ما، خدمة الأب بطرس ساسين المقعد والكهل. أما الأب تمينة فكان يقضي معظم وقته في قراءة الكتب المقدسة وزيارة أبناء الرعية، باختصار كان الجو العام داخل الدير جوًا سماويًا يعبق بخورًا وقداسة.

…واندلعت الأحداث في لبنان، وتأثرت بها منطقة الشمال وبدأ الخطف. أصبح التجول في الليل مخيفًا، وأصبحت أنتهز المناسبات لزيارة الدير ورؤية الرهبان.

في 9 أيلول 1975، استفاقت المنطقة على زلزال كبير، تسلل عدد من المرتزقة المدعومين من سوريا إلى رشعين وأشعلوا النيران بالكروم والمنازل ودخلوا الدير وقتلوا رسل الله. قطعوا أوردتهم، وأحرقوا جثثهم.

وكان الخوف سيد الموقف.

بعد فترة ذهبت أتفقد المكان، دخلت الغرف السوداء… دماء يابسة على الأرض، أبواب مكسرة، شبابيك مخلعة. خرجت من هناك وأنا أحمل فردة حذاء كانت مرمية في إحدى الزوايا وكانت للأب تمينة، ركعت على الأرض والتفت نحو السماء مخاطبا ربي: “لتكن شهادتهم قرابينا مقدسة على مذبح هذا الوطن”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل