
لقد شكّل مطار بيروت طوال سنين واجهة لبنان الحضاريّة. ولم ينسَ اللبنانيّون بعد المعارضة التي قادها سكّان منطقة الأوزاعي في زمن الرئيس أمين الجميّل عندما قرّر مع وزارة الأشغال وقتذاك صيانة سلامة الطيران المدني، وهدم المنازل المخالفة لتأمين أدنى مقوّمات السلامة العامّة، فووجه باعتراضات قاسية. الأمر ذاته انسحب على الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مرحلة إعادة الاعمار حيث كان من المفترَض إقامة جسر فوق منطقة الاوزاعي يؤمّن الدّخول والخروج إلى مطار بيروت، بعدما تمّ استحداث مدرجًا غربيًّا لتفادي خطر الأبنية في المنطقة المذكورة، فووجه مشروعه بالاعتراضات عينها ومن قبل الفريق السياسي الذي يمثّل هذه المنطقة؛ أعني ثنائي حركة “أمل” ومنظمة “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه”.
ومن أهمّ المرافق التي سعت منظّمة “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” لتكريس سيطرتها عليها، مطار بيروت لأسباب عدة، لا تنحصر فقط باستخداماته اللوجستيّة، إن لنقل البضائع والأسلحة والمعدّات والشخصيّات التي اعتبرتها من أمن حركتها، بل يتعدّى ذلك إلى كون المطار هو الواجهة الأولى التي يطلّ منها أيّ وافد إلى أيّ بلد في العالم. لذلك، تعمّدت هذه المنظمة فرض ثقافتها الحضاريّة على هذا المرفق، وغزوه بالعمّال الذين يدورون في فلكها حصرًا، لأسباب باتت معروفة.
لم ينسَ اللبنانيّون ردّة فعل منظّمة “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” في انقلاب السابع من أيار في العام 2008، في أعقاب القرارين اللّذين أصدرتهما عندذاك حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في الخامس من أيّار، حيث اعتبرت أنّ “شبكة الاتصالات الهاتفية التي أقامها الحزب غير شرعية وغير قانونية وتشكل اعتداء على سيادة الدولة والمال العام”. وقررت إطلاق الملاحقات الجزائية ضد جميع الأفراد والهيئات والشركات والأحزاب والجهات التي تثبت مسؤوليتها في مد هذه الشبكة، مشيرة إلى وجود دور إيراني على هذا الصعيد. كما قرّرت في بيان ثانٍ إقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد “وفيق شقير” من منصبه، وإعادته إلى ملاك الجيش، وذلك بعد بحث قامت به الحكومة اللبنانية في الاتهامات التي وجهها النائب وليد جنبلاط الذي كان يشكّل أحد أقطاب تحالف 14 آذار ضد “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه”.
ولا يمكن إغفال كيف تمّ اغتيال أهمّ قادة 14 آذار في تلك المرحلة أيضًا نتيجة لخرق النّظام الأمني لمطار بيروت من خلال بيانات الرّكّاب، واغتيال جبران تويني ووسام الحسن خير دليل على ذلك.
أمّا من حيث الإطلالة الثقافيّة والحضاريّة التي يوحي بها المطار في لبنان، فيكاد الوافد يعتقد للوهلة الأولى بأنّ طائرته حطّت في مطار من مطارات الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران. وذلك من كثرة الصور والشعارات التي تعود إلى منظمة “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” والجمهوريّة الاسلاميّة في إيران. ولو لم يعترض بعض النوّاب الأحرار على هذه المظاهر، لما تمّت إزالة معظمها على أعتاب الموسم السياحي الفائت.
أمام هذا الواقع المرير الذي يحكم اللبنانيين، لم يعد بالإمكان القبول بهذا الأمر الواقع المفروض بقوّة السلاح غير الشرعي، والبدائل موجودة وليست محصورة بفئات سياسيّة أو بشخصيّات أو أحزاب معيّنة. من هنا تأتي المطالبة بفتح مطار ثانٍ وثالثٍ وأكثر في لبنان تلبية لحاجات اللبنانيّين، ولتحريرهم من رقبة منظّمة “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” وسيطرتها على هذا المرفق.
ساذجون أولئك الذين يعتبرون مطلبًا كهذا، لإسقاط مشروع دولة الرئيس الحريري الذي أعاد إعمار مطار بيروت الذي حمل اسمه. أم أولئك الذين لا تستقبلهم حتّى مطامر التّاريخ الذين يستلّون من جعابهم الحاقدة كلّ تهم الخيانة والعمالة و”الأسرلة” و”الأمركة” و”الصهينة”، لمجرّد المطالبة بمطار غير مطار بيروت. فأيّ مطالبة بمرفأ أو بمرفق آخر، ستنعكس إيجابًا حتمًا على المحيط الحيوي الجغرافي والحضاري لهكذا مشروع، أقلّ ما يمكن، أن يعتبَر حاجة إنمائيّة واستراتيجيّة لاستمرار الحياة، سواء أكان مطارًا في بعدران أم في حامات أم في القليعات أم رياق أم في الهرمل أم في جزين وفي أيّ منطقة تصلح لذلك، أم مرفأ في الشويفات أم في سلعاتا أم في ضبيّة أم في جونيه أم في عكّار أم في العبدة أم في الجيّة أم في الزهراني أم في عدلون أم في النّاقورة وفي أيّ منطقة تصلح لذلك. أو معمل كهرباء أو سدّ مياه أو أيّ مشروع يفيد اللبنانيّين. فعدم المطالبة بمرافق حيويّة أخرى كمطار ثانٍ أو مرفأ أو غير ذلك، هي الخيانة الوطنيّة بحدّ ذاتها.
هذا المشروع الحضاريّ لم يعد يشبه اللبنانيين، وقد نجحت منظمة “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” طوال نيّف وأربعة عقود بإخراج قسم كبير من المكوّن الحضاري الشيعي الجعفري اللبناني الكياني الأصيل، وزجّهم في الأتّون الصفوي الايديولوجي بالترهيب وبالترغيب، ما أدّى إلى زعزعة الأسس الكيانيّة في بلد كثرت فيه التداخلات والتدخّلات. وعوَض أن تشكّل الكيانيّة اللبنانيّة عنصر التقاء للبنانيّين على تنوّعهم، باتت بنظر بعضهم مسألة مستحيلة، لا بل غير موجودة أساسًا إلّا في أحلام الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح والبطريرك الياس الحويّك.
هذه الحالة التي نجحت منظّمة “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” بخلقها وسط اللبنانيّين، عزّزت مناخات الانقسامات، حتّى بات بعضهم يدعو إلى التقسيم الكلّي. والآخر الأكثر عقلانيّة يبحث عن الصيغة السياسيّة الملائمة لضبط هذا الاختلاف الحضاري وعدم تحوّله إلى خلاف كيانيٍّ عقائديٍّ، قد يؤدّي إن استعرَ، إلى هدم فكرة لبنان بالمطلق. لذلك، بات من الملحّ اليوم أكثر من ذي قبل، الاقتناع بأن لا صيغة تجمع اللبنانيّين وتصون اختلافهم الحضاري – الكياني – الهويّاتيّ – المجتمعي بعضهم بين بعض إلّا الصيغة الاتّحاديّة، مهما كان شكلها. ولا شيء يضمن بقاء واستمرار هذه الصيغة في هذا المستنقع الجيوبوليتيكي سوى نموذج حياديّ حضاريٍّ لا يكون إلّا مع الحقّ أينما كان، لكن الأولويّة دائمًا وأبدًا تبقى للبنان 10452 كم2، السيّد والحرّ والمستقلّ.