
كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1748
الأب مارون بشارة الأيطاوي
مهندس حروف مطبعة قزحيا
حمل الوزنات يميناً وشمعة العلم يساراً
نذور الرهبانية الثلاثة الأساسية المعتمدة هي: الطاعة والعفة والفقر، إلى أن أضاف إليها مؤسسو رهبانية بيت مارون خدام أرزة لبنان وزنةً إنجيليَّة سبَّاقة تمثَّلت بوزنة نذر الكلمة. هذا النذر المرتبط بناذري العيشة النسكية القورشية كان قد سبقهم إلى تبنِّيه وإلزام معظم حياته الديرية الرهبانية به أخاً رهبانيّاً لهم، عاش بين أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. هو الراهب اللبناني الماروني الأب مارون بشارة الأيطاوي، الإسم الملازم طيلة خمسين عامًا لأمانة مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا. الأب مارون بشارة يعيد تأهيلها ويواظب على تأهيبها كجبهة كتابيَّة تعليميَّة تستنفر بحبرها وحروفها وفيضِ رُتَبِ جندية مطبوعاتها المجنَّدة لمقاومة الأميَّة في روح وهداية تلك المقاومة التي أطلقها الروح القدس من نوافذ عليّة عنصرةٍ يوميَّةٍ متواصلة.
امتدت فروع تلك العنصرة إلى إحدى مماشي دير قزحيا، حيث تقيم أولى المطابع التي دخلت إلى الشرق ووصلت وصولاً عجائبيَا إلى وادٍ سحيق. ذاك الوادي ما كانت تصلُ إليه إلاَّ أجنحة الشمس ورفوف الطيور البرية وأولئك الأبرار المنسحقي القلوب المتوافدين تباعًا كي يعاينوا وجه خالقهم ويعانقوا حضوره بعيدًا عن أي حضور للمجتمع المنصرف إلى شؤون دنيوياته وشجون ماديّاته!!
“أترك كل شيء واتبعني”
نداء يسوع يبقى حتى منتهى العهود والأجيال كلمة السر التي تأخذ الابن من أبيه والابنة من أمها وتمضي بهم إلى بلوغ هدف النشيد الأبعد الأغلى: “ما أحبَّ مساكنك يا رب القوات تشتاق وتذوب نفسي إلى ديار الرب”. هو النداء الدَّليل الذي وافى رهافة مسامع الصبي إبن الحادية عشرة طفوليّة بشارة ابن طنوس عبيد بشارة ومرتا رفول علوان وأخذه من بين أحضان والديه وغمرات إخوته وزهيد سنواته في ضيعته أيطو، مُتَّجهًا به من تلك القرية الهنية الوادعة المجاورة لقرنها ودير مار سمعانها ورأس زاويتها الشمالية يسير بين تلال ووديان وشروق وغروب وصولاً إلى دير مار شليطا القطارة الرّابض فوق أعالي بلاد جبيل!
خمسة أعوام (1849-1854) أمضاها الفتى ـ الطفل بشارة يتعمَّق ويتعملق في فهم وتحقيق مواعيد البشارة التي جذبته كحلم يوسف من مسقط رأسه أيطو وأتت به إلى بلاد القطّارة بكل ما بينهما من مسافات. وما بين الحادية عشرة من عمره والخامسة عشرة خمسة أعوام كانت كافيَّةً في عيني الداعي يسوع كي تتنعَّمان وتفرحان وتمتلئان غبطةً وثقة ببشارته الأيطاويّ، الذي وعلى الرغم من حداثة عمره امتلأ بحكمة فهم مشورة الرب إمتلاء شيوخ القداسة.
بعد المعلم يسوع، أتى دور رئيس دير مار شليطا القطارة الأب برنردوس أيطو كي تتكامل ثقته بابن ضيعته بشارة مدركًا مؤهلاته المسلكية والشخصية والنفسية كما الجسدية لبلوغ الكمال الرهباني، فاحتفل بإلباسه ثوب الابتداء حيث سيمضي المبتدئ الجديد الفتى سنتين حاسمتين كي ينال العلامة المميّزة التي سيضعها له أبو الرهبان أنطونيوس الكبير علامة استحقاقه الإسكيم الملائكي. والتزامًا بميثاق ذلك الزمن الرهباني المبارك كان على طالب الترهُّب أن يتخلَّى حتى عن الإسم المعطى له من والديه كي ينتقل إلى إسم جديد يذكِّره بأنه ما عاد له شيء من عالمه القديم حتى اسمه الوالدي، فاختار الطالب بشارة للمبتدئ بشارة إسم مارون أب الأمة المارونية!
يوم عيد فرحة أفراح الرهبان أبيهم أنطونيوس الكبير 17 كانون الثاني، وبعد اجتياز المبتدئ مارون علامة فوزه الكامل بقرعة القمح، عمّت أفراح دير مار شليطا القطارة باحتفال يوم نذور الراهب الأيطاوي واتشاحه بالإسكيم الرهباني الملائكي وترانيم زيّاحه داخل صحن الكنيسة، حاملاً الصليب على كتفه اليمين والشمعة في يده الشمال!
من دير القطارة إلى دير مدرسة النَّاشئة الرهبانية مار قبريانوس ويوستينا كفيفان، انتقل الأخ مارون بشارة لاكتساب العلوم التي تؤهله لبلوغ درجة كهنوت المسيح، فاغترف كماء الحياة علوم اللاهوت على يد معلمه الشهير الأب نعمة الله الكفري، ثم تضلَّع باللغتين السريانية والعربية مغترفًا من مواهب أستاذه الأب مخايل غوش التنوري. والميزة الممتلئة بالنعمة والفخر التي حظي بها الأخ التلميذ مارون بشارة الأيطاوي أنه كان رفيقًا دارسًا للأخ التلميذ شربل مخلوف البقاعكفري طيلة ثلاثة أعوام ما بين 1856 ـ 1859 يجلس وإياه على مقعد دراسيٍّ واحد يتقدمان ويتفوَّقان معًا في علمَي استحقاق نعمة الكهنوت والقداسة.
23 تموز 1859 تمت سيامة الأخ شربل مخلوف كاهنًا إلى الأبد داخل كنيسة الصرح البطريركي في بكركي بوضع يد المطران يوسف المريض، وبعد ثلاث سنوات وفي ذات الكنيسة كنيسة سيدة بكركي وبوضع يد الأسقف نفسه يوسف المريض اغتبط الأب شربل كل الاغتباط بسيامة أخيه ورفيق دراسته زمن مدرسة كفيفان الأب مارون بشارة الأيطاوي كاهنًا عاملاً لأديار رهبانيته وعقول وأذهان شعبه، وتمت احتفالية سيامة الأب مارون في نيسان 1862!
دير سيدة ميفوق كان أول دير يسكنه الكاهن الجديد الأب مارون حيث برع فيه وتفوَّق بمهنة الخياطة، خياطة عباءات إخوته الرهبان ومشالحهم وأساكيمهم. وفاض في الراهب الخياط شعور بأنه كلما فصَّل وخاط وأنجز لأحد إخوته ثوبه الرهباني كلَّما ألبس أباه أنطونيوس ثوبًا جديدًا!
مقاومة الأمية والجهل
عام 1865 انتقل الأب مارون من ميفوق وبلاد جبيل إلى بلاد الجبّة وصرح أديارها وأديار الرهبانية دير مار انطونيوس قزحيا المجاور لبلدته أيطو على مسافة تلاوة أسرار مسبحة الوردية.
من معهد الخياطة في دير ميفوق إلى إدارة مطبعة قزحيا، انتقل مارون الوزنات والإلهامات والإكتشافات يجهد في إعادة المطبعة القزحياوية العريقة إلى عز عهدها وغزارة إنتاجها، وكان ذا عقلٍ علميٍّ حسابيٍّ مبتكرٍ يقارب لمعة الاختراع، فاخترع على يده أدواتٍ أساسية كانت قد تَلِفتْ منها بفعل تقاعدها المزمن عن عملها، ثم سبك لها جميع الحروف الآرامية التي ضاعت منها، كما ابتكر حروفًا عربيَّةً، فعادت إلى كامل نشاطها المطبعي وهمّتها الرسولية. وهكذا أعفى الأب مارون ديره ورهبانيته من الاستنجاد بمهندسي المطابع وكلفة استدعائهم من بلدان أوروبا، وبيديه المباركتين المثمرتين أعاد طباعة الشحيمة الديرية ثلاث طبعات، كما اهتم بطباعة خدمة كتاب القداس الأصلية، وأعاد إحياء كتاب الشبيَّة التقوية إرواءً للنفوس المؤمنة التقية العطشى إلى ينابيع آباء الروح، ولم يتردد بالانصراف والإصرار على طباعة كتاب الغراماطيق لمؤلفه الملفان الرهباني الأب نعمة الله الكفري كي يكون أحد المداخل الأساسية العلمية والفكرية التي ألهمت بلاد الغرب إطلاق ذلك المثل الشهير: “عالم كماروني”!
طوال أربعةٍ وخمسين عامًا عاشها الأب مارون بشارة مديرًا ومدبّرًا لمطبعة قزحيا يقاوم من على جبهتها أحكام الأمية والجهل والتتريك التي أنزلتها سلطات الاحتلال العثماني كعقابٍ ظلاميٍّ في حق أهل جبل لبنان التوّاق إلى كلمة تتوهّج في عقله توهُّج مصباح يفتح له آفاقه المسدودة ظلمًا وظلاميّة كي يكتشف محيطَ محيطٍ من علومٍ وثقافات وحضارات واختصاصات واكتشافات تتخطى قيود وحدود السلطنة العثمانية الحاكمة على رعاياها بعمى العقل!
دير مار جرجس عشاش ودير سيدة النجاة بصرما ديران في مقاطعة الجبّة نالا من همم الأب مارون ما أنقذهما من وقوفهما على أطلالهما، فجدَّد فيهما القديم المتهالك المتصدّع، وأعادهما نعمةً وعطيَّة لزاوية زغرتا كما للكورة الخضراء، يدعمه في كل ما يعمل ويُقدم ويبتكر أخ عمره الرهباني الحميم الأب العام أفرام جعجع البشراوي، إلى أن ناشد جمهور دير قزحيا وبأجماع الصوت سلطتهم الرهبانية لأن تبادر وتنعم عليهم بتعيين الأب مارون بشارة رئيسًا على ديرهم، فتمَّت تلبية الطلب الغالي وامتدت مدة رئاسته على الدير الملك لأربع دورات متقطعة، لكنها خصَّبته بعمران للنفوس والحجارة عمرانًا شابه الأعاجيب!
يا أبتِ… إليك روحي
حان زمن عودة الابن البار إلى بيت أبيه السماوي حيث تتعالى مدارج مساكن الفَعَلة الأمناء فرنم راهب الخياطة والمطبعة والعمران بصوت وديع واثق ترنيمة مغادر دنيانا المحدودة: “يا أبتِ قد تمَّمتُ لوزناتك كلَّ المستطاع والآن حانت عودة روحي إليك”!
بذات رائحة إخوته الأبرار ارتفع الأب مارون إلى ما فوق فوق وادي كنز الحياة يوم 4 نيسان 1924 مستودعًا جثمانه المغبوط إلى جانب رفات إخوته داخل ضريح دير قزحيا!!
بشارة طنوس عبيد، بشارة الطفل المُطِلُّ على فتوة الأحد عشر عامًا تشتعل داخله روح المقاومة السماوية واللبنانية، فيمشي من قريته أيطو قاصدًا بيت الرب ونذوره الأبدية في دير مار شليطا القطارة المرابط فوق تلال إيليج سيدة الشهداء علامة من علامات المقاومين باسم الرب وباسم بلاد أرز الرب، ولا حَرج إن كانت أساكيم ذاك الدير رهبانية أو زيتية، وبين دير القطارة ودير سيدة ميفوق ودير قزحيا مرورًا بدير مار جرجس عشاش ودير سيدة النجاة بصرما، تُدوَّن في ذاكرة قدوس القديسين حكايةٌ من حكايا الرهبان اللبنانين المقاومين عنوانها ومضمونها :الأب مارون بشارة الأيطاوي!!!
سيرة حياة الأب مارون بشارة الأيطاوي
ـ هو بشارة إبن طنوس عبيد بشارة ومرتا رفول علوان.
ـ مواليد قرية أيطو عام 1838.
ـ عام 1849 وبعمر الأحد عشر عاماً دخل الرهبانية اللبنانية المارونية في دير مار شليطا القطارة.
ـ عام 1854 اتشح بثوب الابتداء واختار إسم مارون.
ـ يوم عيد القديس أنطونيوس الكبير17 كانون الثاني 1856 أبرز نذوره الرهبانية ولبس الإسكيم الرهباني الملائكي على يد رئيس دير مار شليطا القطارة
الأب برنردوس أيطو.
ـ أخًا دارسًا في مدرسة دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان بين عامي 1856 – 1862.
ـ رفيق الأخ شربل مخلوف على مقاعد الإخوة الدارسين من عام 1856 إلى عام 1859.
ـ تمت سيامته كاهنًا بوضع يد المطران يوسف المريض نيسان 1862 داخل كنيسة سيدة الصرح البطريركي الماروني بكركي.
– إنتقل إلى دير سيدة ميفوق حيث تسلم مهمات معمل الخياطة من عام 1862 حتى عام 1865.
ـ عام 1865 انتقل من دير سيدة ميفوق إلى دير مار أنطونيوس قزحيا بعد تعيينه مديرًا لمطبعته التاريخية التي أشرف على أدارتها طيلة 54 عامًا
ـ تولّى رئاسة دير مار جرجس عشاش من عام 1877 إلى عام 1880، حيث نقله من مكانه القديم المتداعي إلى دير جديد متين.
ـ ترأس على دير سيدة النجاة بصرما حيث عمل لأزدهاره.
ـ ترأس على دير مار أنطونيوس قزحيا لأربع دورات متقطعة بين عامي 1880 و1913.
ـ انتقل إلى بيت الآب برائحة القداسة يوم 4 نيسان 1924 عن عمر 86 عاماً ودفن في المدفن الرهباني لدير قزحيا!
*مجلة البشير التابعة للآباء اليسوعيين نشرت قسمًا كبيرًا من حياته الرهبانية، وبالأخص دوره الفعّال في إعادة الحياة إلى مطبعة دير قزحيا ومقاومته من خلالها لأحكام الجهل والأمية التي كانت مفروضة على شعبه!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
