
لم يفلح السيد غسان سعود في مقاله “مصارحة شاملة مع القوى المسيحية: إستيقظوا!” الصادر ضمن جريدة “الاخبار”، الاثنين 15 كانون الثاني 2024، الالتزام في حدود الموضوعية التي حاول تلبّسها، فواصل كعادته الترويج للمقاربات التي يعتمدها فريق الممانعة بشقّيه “السوري – الإيراني” عبر أذرعه اللبنانية، فسوّق للمغالطات وأفرغ المسارات النضالية والوطنية من جوهرها بشكل تامّ.
إعتبر الكاتب في مقدّمة “مُطَوَّلته” بأنّه “قبل 2005، كان الرهان السياسي المسيحي واحدًا: يخرج الجيش السوري واستخباراته من لبنان قبل الظهر فيخرج سمير جعجع من السجن ويعود ميشال عون من المنفى بعد الظهر وتحلّ كل المشاكل. سقط هذا الرهان، وتوالت بعده الرهانات الفاشلة.”
وقد فاتَ الكاتب في مقدّمته هذه، أن يعود إلى المرحلة التي سبقت اعتقال الدكتور جعجع، والتي كانت تؤكّد فيها “القوات” بأنّ القبض على قرار الدولة لا يمكن أن يؤسّس إلى الحلم الموعود بدولة تحترم المواطن، وبالتالي “القوات” لم تربط معالجة مشاكل اللبنانيين بخروج المحتلّ السوري حصرًا بل بتحرير كامل القرار الرسمي، وفي عودة سريعة إلى مقال ميريام عواد في جريدة “الديار” بتاريخ 29 أيار 1996، التي نقلت ما جاء على لسان الحكيم أثناء مرافعته “أكد الدكتور جعجع في الشق السياسي من مرافعته أنّ القوات كانت أول المنخرطين في السلم الأهلي، موضّحًا أنّ ذلك لا يعني الموافقة على بعض ممارسات أهل السلطة، وشدّد على أنّه إذا عاد التاريخ نفسه فإنّه لن يُشارك في حكومة غير متوازنة…”، فإذًا، وضع الدكتور جعجع الاصبع على الجرح وأكّد ثباته على مقاربة المعضلة اللبنانية أكان خلف أو خارج القضبان السياسية، وقد توّج رؤيته الثابتة هذه، في 26 تموز 2005، عند تلاوته “خطاب الحرية” حين قال: “أيقنوا منذ البداية، بأنّ لا قيامة للبنان، إلّا بجناحيه الإثنين، فصمّموا على كسر أحدهما، واقتلاعه من أساسه إذا اقتضى الأمر… إنّ التعديات مازالت تنهال على لبنان”.
إذًا الرهان المسيحي السيادي، القوّاتي ضمنًا، كان على التحرّر الكامل من السطوة على قرار الدولة، رهان بدأ قبل اعتقال الحكيم واستمرّ بعده، كونه الباب الوحيد لاستقامة كامل المسارات الوطنية، وهو ما تُرجم في التكامل مع بقيّة الشركاء في قوى الرابع عشر من آذار، وهو ما بدأ يُترجم ارتفاعًا في النمو الاقتصادي واستعادة متدرجة للثقة بلبنان وعودةً لصلات التواصل بين لبنان المهجّر ولبنان الصّامد بعد العام 2005، رغم كلّ الممارسات الشيطانية التي لجأ لها النّظام السوري مع حلفائه من تفجير واغتيال وتهديد، وهنا عسى يتذكّر الكاتب بأنّ الخروج السوري لم يتحقّق حينها سوى عسكريًّا.
ويُتابع الكاتب مغالطته “لم يُغيّر تصحيح التمثيل السياسي للناخب المسيحي، على أهمّيته، أوضاع هذا الناخب ولم يمنع هجرته… حقّق التشاطر على الخلاف السني – الشيعي، وتموضع نصف المسيحيين إلى جانب القوى السياسية الشيعية ونصفهم الآخر إلى جانب القوى السنية، بعض المكاسب.”
وسرديّة الكاتب هذه، في غير مكانها، تمامًا، أوّلًا، لأنّه فرّغ جوهر ثورة الأرز التي أنتجت وحدة لبنانية غير مسبوقة، ووضعها في موازاة الحلف السلطوي بين التحاصص والسلاح الذي تُرجم في تفاهم مار مخايل، وثانيًا، لأنّه تمنّع عن الاشارة المباشرة إلى السبب الذي قوّض أحلام اللبنانيين ومنعهم من الذهاب قُدُمًا في تحقيق مبتغاهم، أيّ تمنّع سعود عن القول بأنّ ما عرقل مشروع بناء الدولة هو تمسّك عناصر “الحزب” بسلاحها غصبًا عن إرادة السواد الأعظم من اللبنانيين وفوق إرادة الدولة من جهة، وركون التيار الوطني الحر تاجرًا لمقوّمات الدولة مقابل ثلاثين من فضّة الغنائم السلطوية، وبالتالي تفريغ الحقائق انتهاك صارخ للحقيقة، والمساواة بين مَن واصل نضاله لأجل الدولة والانسان وبين مَن إنقلب على شعاراته لأجل الكراسي، هو أبعد ما يكون عن المصارحة ويرقى لرتبة التجنّي العَمْد.
وتحدّث الكاتب عن “سقوط وهم الاتفاق المسيحي – المسيحي القادر على فرض أولوياته على الآخرين، إذ بدا أنّه ينفع للعرقلة وليس للبناء”.
وهنا أيضًا يواصل الكاتب سعود، السرد المعتور، حيث أنّه وبالنسبة لـ”القوات” أقلّه، جاء اللقاء مع “التيار” عام 2016، بهدف واحد واضح وعلني، وهو استعادة الدولة والشروع في مسار مستقيم يُعيد للبنان رونقه واستقراره، ولم يكن يومًا يهدف إلى فرض أيّ أولويّة على الآخرين، عدا طبعًا، الأولويّات اللبنانية التي ترتبط بالمصلحة العامّة لكلّ اللبنانيين، في حين أنّ ما تمّ سرده عن العرقلة ليس سوى تردادًا “عونيًّا” أقحمه الكاتب في مقاله التضليلي، عن سابق تصوّر وتصميم، وقد فاته أنّ ذاكرة اللبنانيين تُدرك تمامًا بأنّ مَن انقلب على “اتفاق معراب” هو “التيار السلطوي” الذي أصرّ على وضع أولويّة مصالحه الضيّقة فوق مصلحة اللبنانيين، وواظب على تسليم قرار الجمهورية للدويلة مقابل ترسيخ سطوته في الحكم.
ويُضيف الكاتب “سقط رهان القوات على سقوط سوريا…”.
وهل من عاقِل يملك حرّية التعبير والفكر، قادر على اعتبار أنّ “سوريا” في تركيبتها الحالية التي تتقاسمها جيوش ومخابرات وأنظمة وتنظيمات العالم برمتّه هي “سوريا الأسد” التي تُطبّل لها “صحيفة سعود”؟ أيّ قرار يستطيع أخذه الأسد دون العودة إلى كلّ مَن يقبض على نظامه؟ وعلى الهامش “أين هو بشار من غزة؟ قد يكون الجولان خير مُجيب”.
وكان لا بُدّ للكاتب سعود أن يعود إلى قناعه الحقيقي في ارتداء مهمّة “القلم المُوَجَّه” التي يحترفها، مع قوله “سقط رهان سمير جعجع على سحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليحيى السنوار وحركته خلال بضع ساعات أو بضعة أيام، ليتقدّم بعدها نحو بيروت لتنصيبه رئيسًا للجمهورية فوق الدبابات في تكرار لتجربة 1982.”
وقد تناسى سعود، بأنّ المُراهِن على الاسرائيلي هو مَن سارع لتبرئته من تفجير الرابع من آب، ومَن أبرم معه صفقة الترسيم البحري معترفًا بحقوق إسرائيل النفطية، ومَن يُراهِن على إبقاء هرطقة “قواعد الاشتباك” من جهة وبدعة “مزارع شبعا اللبنانية” من جهة ثانية، كمتلازمتين قائمتين للإبقاء على سلاحه، راميًا إزالة إسرائيل في سلّة “الزمان والمكان المناسبين”.
ويُجاهر سعود بقوله “لا أحد يسأل الحكومة اللبنانية أو القوات اللبنانية عمّا ينبغي فعله لتهدئة الجبهة الجنوبية، بل يجري الحديث مع ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه مباشرة…”
ولا شكّ أنّ العرض هذا، يتلاءم تمامًا مع ما دأبت “الممانعة” على تسويقه زورًا عن تقدّم أسهمها وتراجع وضعيّة القوى السيادية التي تنشد الدولة، في حين أنّ جُلّ ما يحصل من “مفاوضات” والتي يدخلها حزب الله بشكل مباشر أو غير مباشر، ليس سوى لكونه ذراعًا إيرانيّة، يملك السلاح حدوديًّا، لا لكونه مقرّرًا باسم اللبنانيين ولا باسم الدولة، وبالتالي وظيفته بحت إيرانية، وقد كانت لتجربة بعض الخارج في محاولة تعويم مرشّح الممانعة على مدى أشهر، الجواب اليقين، بأنّ لا ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه ولا مَن يقف خلفه ولا على جانبيه، قادر على فرض إرادته على اللبنانيين، متى قرروا الوقوف والتكاتف والتصدّي.
وبعد، إنّ مصلحة المسيحيين واستطرادًا اللبنانيين، لا تكمن في الهرولة إلى طاولة يُرسّم حدودها فريق السلاح والفساد، بتاتًا، بل في الثبات على مندرجات الدستور والمقوّمات الوطنية، وما عدا ذلك ليس سوى تسويقًا باليًا، أثبتت كلّ التجارب من حوارات 2006 إلى “إعلان بعبدا” وما بعدها، أنّها ألغام تُغلّف بالإيجابية وتكون نتائجها قضمًا إضافيًّا من جسد الدولة وحياة أبنائها الأحرار، مسلمين ومسيحيين.
والكلام عن محور يبدأ من عوكر ويمرّ معراب، يسعى إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وتدمير سوريا وتوطين اللاجئين السوريين في لبنان أيضًا، ليس سوى كلامًا باليًا وقد دفعت “القوات” أثمن التضحيات في وجه كلّ مَن حاول القضم من هويّة هذا اللبنان، عدا أنّ الفريق الذي لطالما جاهر سعود نفسه بالانتماء له، هو مَن سعى لصفقة مرسوميّ تجنيس لحساب حاشية “الأسد”، الأول مرّ والثاني تمّ إحباطه، محور سعود نفسه، الذي سيطر على الحكومات والاكثريات والرئاسات والاجهزة في لبنان منذ بدء “النزوح السوري” ولم يُحرّك ساكنًا لمعالجة هذه المعضلة، وبالتالي عوض رمي موبقات فريقه على معراب فليتوجّه بها إلى فريقه والمحور الذي يروّج له.
أمّا بعد، ورغم التجنّي الفاضح للكاتب سعود على “القوات” يواصل في إسداء المواعظ، معتبرًا أنّه “لا يمكن للقوات التعامل مع لحظة التماهي الايراني – السعودي إقليميًّا بالطريقة نفسها كما في لحظة تقاتلهما”، وبالتالي يُطالب سعود من “القوات” أن تضع إطار الدولة الذي تسعى إليه وبالتالي مصير المسيحيين وهويّتهم على وتر المصالح الاقليمية، حيث أنّ موقف “القوات” من التدخل الإيراني في لبنان هو قائم بحدّ ذاته ولا يتبدّل مع التحالفات الخارجية بل يتغيّر مع تبدّل النهج الإيراني في لبنان، وإلّا تكون مواقف “القوات” ترتبط بإملاءات خارجية. أوليست “صحيفة سعود” نفسها، وضمنًا الكاتب نفسه، امتهن التصويب على “القوات” من باب رشقها بالتبعية للخارج، ما الذي تغيّر؟ ما المطلوب؟
إنّ مصلحة المسيحيين كما بقيّة المسلمين تكمن حتمًا في التفاهمات الداخلية، لكن شرط التزامها بسقف الدولة والقانون، لا أن تتحوّل تفاهمات على حساب اللبنانيين أنفسهم، بشكل ملتوي غير مضمون المسارات والنتائج، فالشعب اللبناني شبع من هرطقات “العيش المشترك المدجّج بالتكاذب”، وأكثر، إنّ التفاهم اللبناني – اللبناني، يأخذ مكانه الطبيعي يوم يعود الجميع إلى الدولة، ويُسلّم الجميع بقرارها وبسلاحها وكينونتها، فهل يُبادر سعود إلى مطالبة مَن يشذّ عن هذه القاعدة بالعودة إلى الداخل ويفكّ ارتباطاته الجهنّميّة التي تخنق اللبنانيين جميعًا؟
ويتحدّث الكاتب سعود عن أنّه “لا يمكن أن يكون المشروع عام 2024 هو نفسه المشروع عام 2004 أو 1990 أو 1982 أو 1975، من دون الأخذ في الاعتبار كل ما يحصل من تطورات قريبة وبعيدة”، ولا شكّ أنّه في مقاربته هذه يدعو إلى التسليم بما يعتبره “وضعيات مستجدة” لمحوره، انطلاقاً من النهج الإستعلائي الذي تروّجه الممانعة، وتظنّ نفسها بذلك قادرة على فرض شروطها، مع اعتبارها أنّ المعادلات الحالية تضعها في خانة متقدمة، وقد فات سعود ومَن خلفه، بأنّ مشروع كرامة الانسان وحرّيته الذي رفعته “القوات” منذ إنطلاقها والذي يعدّ استمرارًا لأجيال متلاحقة من المقاومين على مرّ آلاف السنوات، لا يتبدّل، وبالتالي إن كان المقصد هو تغيير التركيبة كي تتلاءم مع متطلبات كلّ مكوّن لبناني، “فعلى قولة” السيد حسن “أهلًا ومرحب”، وإلّا على الجميع أن يعود إلى الالتزام بالكيان اللبناني دستورًا وممارسة، وهو ما تلتزم به “القوات” والأغلبية العظمى من أحرار لبنان حتّى إشعار آخر.
إنّ دور النعامات قد تجلّى بشكل بارز على مدى عقود، عندما تمكّن “يوضاساً سلطوياً” من “الاستخفاف” بالعقل المسيحي، فوعدهم بالتحرير والحرية والكرامة والشرعية والوطن، لكنّه لم يُنتج سوى الهروب والنكران والانقلاب والسلطوية البائسة، إنّ دور النعامات قد بدأ بالأفول مسيحيًّا وهو ما تُثبّته كلّ الأرقام، وهو دون أدنى شك، ما دفع بوّاقًا يحترف كما معشره انتهاك كرامة رجالات الكنيسة ومقدّسات المسيحيين، على وضع سطور تحت عنوان “الحرص على المسيحيين”، فيما هي تُقارب “محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء”، إغراقًا للمسيحيين في مستنقع “تجّار الهيكل”. لقد أتيت متأخّرًا يا سعود، إنّ المسيحيين يدركون تمامًا أنّ وجودهم ليس ورقة للمساومة ولا أداة تُوضَع في خدمة أجندات خارجية أو مصالح فئوية. إنّ المسيحيين قد استيقظوا منذ زمن و”عَقبالَك غسان”!
