لا تزال أصداء الموقف الذي أعلنه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في عظة الأحد الفائت تتردد في معظم الأوساط السياسية، خصوصاً في معسكر الممانعة الذي استوقفه كلام الراعي غير المسبوق، وبالتحديد “الحزب”، فضلاً عن مراجع رسمية متماهية مع الأخير في ربط مسألة رئاسة الجمهورية بالحرب على غزة. فالراعي أكد بشكل حاسم أنه “لا يمكن القبول بربط انتخاب رئيس الجمهورية بوقف الحرب على غزة”، مشيراً إلى أنه “كثر الحديث عن حركة دولية تهدف إلى ترسيم الحدود على الرغم من أن هذه الحدود مرسَّمة ومُثبَّتة، وكل هذا يجري وموقع الرئاسة الأولى شاغر، ومع حكومة غير مكتملة الصلاحيات”، داعياً “إلى تنفيذ القرارات الدولية بشأن الحدود الجنوبية، ولعدم إجراء أي تعديل حدودي في ظل الفراغ الرئاسي”.
أوساط كنسية عليمة، تؤكد لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “كلام البطريرك الراعي في عظة الأحد الفائت رفع السقف إلى مستويات غير مسبوقة، بل إنه كان واضحاً وصريحاً في رفض الكثير من الطروحات الملغومة التي تملأ الفضاء السياسي والدبلوماسي. وهذا يعني أن سيد بكركي قرَّر تحمّل مسؤولية أساسية في مواجهة التحديات المصيرية، برفع سقوف عالية في وجه أي تنازلات أو مناورات أو محاولات لإمرار صفقات أو مقايضات على حساب لبنان وسيادته، وعلى حساب الدستور اللبناني، وعلى حساب مبدأ الشراكة الوطنية التي هي في أصل الميثاق والدستور”.
الأوساط الكنسية ذاتها، تشير إلى أن “رفض ربط انتخاب رئيس الجمهورية بوقف الحرب على غزة، هو بحدِّ ذاته موقف متقدّم جداً لسيد بكركي، ويمثّل رداً مباشراً على كلام السيد ن.ص.ر.ا.ل.ل.ه.”، وعلى الكلام المتماهي معه لرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وغيره في بعض الدوائر الرسمية، ولو سعى البعض إلى تبرير كلام ميقاتي بأن الحكومة عاجزة وليس لها إلا أن تسلّم بالأمر الواقع”.
كما تلفت الأوساط الكنسية، إلى أن “تناول البطريرك الراعي لأول مرة بهذه الصراحة مسألة ترسيم الحدود البرية، يشكّل نقلة نوعية على صعيد موقف بكركي والكنيسة المارونية بشكل خاص، لا سيما وأن الراعي ربط أي معالجة لمسألة الترسيم، إذا بدا أنه لا بدَّ منها، بوجود رئيس للجمهورية. بالتالي، إن استغياب الرئيس هو بمثابة أمر مرفوض كلياً، باعتبار أن الدستور نصَّ على أن للرئيس وحده صلاحية التفاوض على الصعيد الدولي باسم لبنان، وأي تفاوض في غياب رئيس الجمهورية هو غير شرعي ويشكّل تحدياً للمكوّن المسيحي”.
تضيف: “هذا فضلاً عن أن البطريرك الراعي كان حاسماً في موضوع الترسيم، إذ اعتبر أن الحدود عملياً مرسَّمة ومُثبَّتة. وهذا يعني ألا معنى لافتعال إشكالات حول الحدود بما لا يستحق تهديد مصالح لبنان، أو الرهان على مقايضات مقابل تسويات مشبوهة، لاعتبار أن بعض التفاصيل الخاصة بالحدود الجنوبية يمكن معالجتها من دون هذه الضجة، فضلاً عن أن مسألة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا مرتبطة بالقانون الدولي وبشرط اعتراف سوريا بلبنانيّتها قبل أي أمر آخر”.
“في مطلق الأحوال، لا يمكن الخوض في أي مشاريع لترسيم الحدود في ظل غياب رئيس الجمهورية، لأن هذه المسألة قد تعني في طيّاتها إما احتمال التخلّي عن بعض الحقوق السيادية اللبنانية كما حصل في الترسيم البحري والخط 29، وإما الإصرار على تعويد اللبنانيين على غياب رئيس الجمهورية وبالتالي غياب الشراكة حتى إشعار آخر، وهو أيضاً أمر ينافي جوهر وجود لبنان كوطن للشراكة الفعلية”، تختم الأوساط الكنسية.

.jpg)