أمام ما يجري من أحداث متفرقة متجمعة ومتشعبة، نحن أمام مشهدية نافرة من التناقضات العقائدية، توحدها الساحات المشتعلة بإرادة الخارج الإيراني، لتتقد الحرائق في سوريا البعث ولبنان الرسالة والعراق الفدرالي، وتطال في نهاية المطاف المحرّك الإيراني الإسلامي، من مثل ما حصل أخيرًا من استهداف للإيرانيين على أرض سوريا، وحتى داخل الأراضي الايرانية.
“صاحب الحاجة أرعن، لا يروم الا قضاءها”. مع استعار المعارك ومقدمات الحروب واستمرارها في غزة ومنطقة الشرق الأوسط وربما الى ما بعدها، تستعر التصاريح والمواقف والتلاميح، ذات السقوف العالية والمزايدة حول القضايا العربية والاسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
انبرى في هذا المجال اليساري البولشيفي الأممي واليساري العروبي الناصري والبعثي والقومي السوري، جنبًا الى جنب مع حملة مشاريع فرض الخلافة الإسلامية السنية وتعميم الولاية الإيرانية الفقهية الشيعية المطلقة على المسلمين وسائر القاطنين من غير المسلمين.
طبعًا ما بين الطرفين المختلفين المفترقين أحداث وحوادث كبيرة وكثيرة ليس المجال لذكرها في هذا البحث الا ما اقتضى ضرورته.
في حرب السنتين على سبيل المثال وما تخللها من معارك حملت الطابع الطائفي والمذهبي وق.ت.ل على الهوية، انضوت الأحزاب اليسارية العلمانية في ذلك الصراع المدمّر، مع طائفة ضد أخرى، ولم يكن لها أي جرأة حتى على الاعتراض أو الحياد، لترتسم بعدها مناطق مقسمة طائفيًا ومذهبيًا. ولعبت تلك الأحزاب العلمانية دور الدفاع عنها على خطوط التماس ودور المشاركة في إدارتها في كانتوناتها.
نقفز الى انسحاب الجيش السوري البعثي العلماني وتسليمه “شعلة الاحتلال” والاستغلال للحزب الاسلامي الاثني عشري المؤمن بولاية الفقيه في إيران، وفي هذا المجال يقول النائب السابق نواف الموسوي في 18 حزيران من العام 2005: “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” اتخّذ قراره بملء الفراغ الناجم عن الانسحاب السوري ووضع حدّ لقوى الغرب، لا سيما الولايات المتحدة وفرنسا من ممارسة تأثيرها على الشؤون الداخلية اللبنانية”، ليشرح لاحقًا نائب الأمين العام للحزب، “رعونة الحاجة المتبادلة” بين البعث العلماني والحزب الديني الإسلامي بقوله في 17 آب من العام 2005: “إن الحزب اتخذ قراراً لا رجوع عنه يقضي بعدم إشراكه بالحكومة طالما أن السوريين موجودون في لبنان، إذ ان وجودَهم يمنح ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه الحماية السياسية. كما ان التوجّه العام في لبنان، والتنسيق السوري ـ اللبناني ساعدا في تأمين هذه الحماية”.
انطلاقًا من هذه “الحاجة”، وهب رئيس النظام السوري بشار الأسد صفة المواطنية السورية على أعضاء الحزب الديني الاسلامي في تصريحه بتاريخ 25 تموز من العام 2015 الذي كشف فيه: “الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جنسيته وجواز سفره بل لمن يدافع عنه ويحميه”، وانطلاقًا من تبادل الحاجة ذهب “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” والفصائل الاسلامية الموالية لإيران لتدافع عن النظام العلماني في سوريا على الرغم مما سبق وقاله رأس النظام البعثي في 3 تموز من العام 2013 من ان ما يجري في مصر هو “إسقاط للإسلام السياسي”، ما أثار حفيظة النائب الموسوي الذي رد في اليوم التالي بقوله: “الإسلام السياسي تجربة غير ساقطة”، متوقفًا عند “تجربة ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه والجمهورية الإسلامية في إيران”، وكرّر “الأسد البعثي” على الرغم من الرد “الاسلامي” في 24 شباط من العام 2014 موقفه ورأيه نفسه بسقوط الإسلام السياسي، ولكن هذه المرة في سوريا وليس فقط في مصر.
وبالنسبة الى نظرة الجمهورية الإسلامية في إيران وحزبها في لبنان للنظام البعثي العلماني وأشباهه اليسارية، يقول مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران الإمام الخامنئي في 29 نيسان من العام 2013: “ليست حكومة سوريا حكومة شيعية ولا المعارضة العلمانية المعادية للإسلام مجموعة سنية”.
علمًا أن بشّار الأسد وحزبه ما زالا يكرران أنهما “قلعة العلمانية ضد الأصولية”.
وبالعودة الى أدبيات “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” من البدايات ومن المنطلقات العقائدية والتي ما زالت سارية المفعول حتى الساعة، نتوقف عند ما يلي:
في 13 آب من العام 1985 ندد “ح.ز.ب.ا.ل.ل.ه” بـ”جبهة الاتحاد الوطني بشتورا”، التي جمعت “أمل” الى الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي ومنظمة البعث العربي الاشتراكي ومنظمات ناصرية متفرقة، وأنكر صفة الأحزاب المتحدة صورة وشكلاً، مع “العلمانية صنو التعددية المارونية.. وقال إن خيار الإسلام هو القادر وحده على إخراج لبنان من دائرة التبعية للغرب والشرق، ليتهمها بـ”مصادرة جهاد الإسلاميين بلبنان وقبولها بالقرارات الدولية المقرة بالكيان ا.ل.ص.ه.ي.و.ن.ي ورضوخها لـ”اهل التسوية السلمية مع إسرائيل في المنطقة”.
إنها الحاجة الرعناء المتبادلة بين سوريا البعث الممر “غير الآمن” للسلاح والأموال والمسلحين وعلى خطّين، والجمهورية الإسلامية في إيران وفصائلها العاملة على طول وعرض الأراضي السورية، مستثمرة بالأمن والسياسة والاقتصاد في خدمة تحقيق “مشروع الحكومة الإسلامية في العالم”، لقاء بقاء الأسد متربعًا على “عرشه الخالي من السلطة”.
.jpg)
