قبل العام 2005 كان رهان هؤلاء على القضاء على أيّ طموح تحرّريّ من ربقة الاحتلال السوريّ الذي سلّطهم على الدّولة ومؤسّساتها. في ظلّ استمرار لتهميش الدّور السياديّ عامّة والمسيحي بوجه خاصّ، وفي ظلّ استمرار حلم تلاشي الدّولة في نظر هذا الفريق، ولو على حساب كرامة اللبنانيين كلّهم. فالمهمّ بالنسبة إليهم أن تبقى الدّولة دولتهم. ولكنّ ذلك لم يمنع حلم استعادة الدّولة في العقل المسيحي وكلّ السياديينالأحرار الذين رفعوا شعار لبنان والذي ترجمته قوى الرابع عشر من آذار وقتذاك بشعار: “العبور إلى الدّولة”.
حتّى التشاطر على الخلاف المسيحي – المسيحي لن يمنح هذا المحور أيّ مكاسب دستوريّة، في سبيل غزو الدّولة اللبنانيّة ومؤسّساتها. ولن يستطيع هذا المحور بعد اليوم فرض أولويّاته على سائر اللبنانيّين، ولاسيّما من منطلقات مصطلحات التّخوين التي برع فيها طوال سنين. لكنّ تجربته مع العدوّ الاسرائيلي بعد توقيعه اتّفاق السلام الصامت معه في 27 تشرين الاول 2022 في النّاقورة، وبمباركة الصهيوني آموس هوكشتين، كما دأب إعلامه الاصفر على تسميته، أسقطته في فخّ المقايضات.
والملاحظ في أدبيّات هذا الفريق الفلسفيّة في مقاربته للعداء مع إسرائيل، أنّه يعتبر هذا العداء عداء للصهيونيّة حيث ينسب هذا المصطلح لكلّ العبارات التي ترتبط بإسرائيل ” الدّولة”. فعمله على تثبيت مصطلح “العدوّ الصهيوني” في الأذهان ناجم عن قبوله بدولة إسرائيل. وهذا ما ترجمه بتوقيع اتّفاق السلام الصامت معها كما ذكر في وثائق الأمم المتّحدة.
• سقوط الرهان التوسّعي
سقط رهان هذا الفريق على بقاء سوريا الأسد كما يعهدها طوال فترة حكمه، وذلك لأنّ سوريا اليوم أضحت “سوريّات”، وكلّ سوريا منها تعتبر منطقة نفوذ لقوى دوليّة أو إقليميّة ما. والأدهى أن لا منطقة من هذه المناطق فيها خطوط حمر، إذ يتمّ استباحة سيادتها داعشيًّا وإيرانيًّا وروسيًّا وتركيًّا وحتّى أميركيًّا، والأكثر من قبل منظّمة حزب الله التي باتت تعتبر القصير السوري منطقة نفوذ جديد لها، عملت على جعله البيئة الحاضنة لكارتيلها الكبتاغونيّ؛ ومنطلقًا لتجارتها غير الشرعيّة بهدف تمويلها مشروعها الايديولوجيّ الثورويّ التوسّعي.
ومشروع السيطرة والاحتلال الذي كان مفروضًا على اللبنانيّين من العام 1990 حتّى العام 2005 قد سقط. فحلم استعادة هذه المشاريع على وقع استغلال الحرب الدّائرة في غزّة، وعلى حساب القضيّة الفلسطينيّة، دعمًا كلاميًّا للسنوار وحركته لن يؤتي سوى بالويلات على لبنان. وحلم تنصيب رئيس جمهوريّة على حساب كرامة اللبنانيّين، مواليًا لهذا المحور قد سقط ولا سيّما بعد التمديد لرؤساء الاجهزة الأمنيّة، وعلى رأسهم قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون.
إذا كان بعض المستكبرين الممانعين يستصعبون إجراء نقد ذاتيّ لآدائهم التّدميري في مؤسّسات الدّولة أوّلًا، ولرهاناتهم المستقبليّة على المغامرات السنواريّة، يكفي مراجعة فلسطينيّي الضفّة الغربيّة الذين يرفضون إبادة شعبهم الأبيّ في غزّة نتيجة لزجّ حركة حماس في المشروع الايديولوجي الذي تقوده الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران. فالفلسطينيّون يقتلون ويذبحون ويبادون في غزّة والخامنئي يفاوض من طهران على دمائهم.
• المستهدَف هو العقل
الهدف هو مخاطبة العقل الممانِع الذي يرفض قبول الفكر الآخر بهدف حثّه على قراءة اللحظة السياسيّة التغييريّة التي دخلتها المنطقة قبل أحداث 7 أكتوبر، أي في التّاسع من أيلول 2023، بعد قمّة العشرين في نيودلهي. وتسارعت خطواتها التنفيذيّة بعد هذه العمليّة. هؤلاء مدعوّون جميعهم للتصالح مع ذواتهم السياسيّة على قاعدة التواضع الوطني، وعدم خطاب أيّ فريق لبناني بطريقة استعلائيّة، وعدم التفكير بالمطلق خارج مبدأ الحوار الوطني من أجل استعادة الدّولة من بوّابة استعادة رئاسة الجمهوريّة سياديًّا.
الثابت الوحيد اليوم في منطقة تعتبَر الأغنى اقتصاديًّا واستثماريًّا وحضاريًّا هو هذه العلاقة مع المؤسّسات التي وحدها تثبّت الاستقرار الأمني وتضمن كرامة الشعوب. وليس مع المنظّمات المصنّفة إرهابيّة، حتّى لو امتلكت آلاف الصواريخ الذكيّة والمقاتلين الرّضوانيّين. ويعلم جيّدًا هؤلاء كلّهم أنّ الغرب عامّة والفرنسيّ خاصّة يتعامل مع الدّولة التي توفّر مصلحته من دون أن تبتزّه إرهابيًّا. لذلك هذه الادّعاءات الواهمة بأنّ فرنسا تتعامل مع مَن لديه القدرة، لا تعدو كونها ادّعاءات غير موجودة إلّا في عقول هؤلاء الذين لا يرون اليوم سوى بعض قدراتهم التدميريّة.
واعتقاد هؤلاء وتسويقهم الاعلاميّ الرّخيص والمدسوس بأنّ الادارة الأميركيّة، تعتبر أنّ ترغيب محور الممانعة ضمن ضوابط هو أفضل بكثير من محاولات ترهيبه، هو ضرب من السذاجة الاستراتيجيّة. لكأنّ هؤلاء لا زالوا قابعين في غياهب مرحلة ما قبل 9 أيلول 2001. فالتعامل مع هذا الفكر وفاقًا للقواعد الديبلوماسيّة والترغيبيّة ساقط. ولاسيّما بعد تكرار التجربة الاسرائيليّة مع حركة حماس واستخدامها كسلطة مواجِهَة للسلطة الفلسطينيّة الشرعيّة في الضفّة بعد فوزها في الانتخابات التشريعيّة ب 76 من أصل 132 في العام 2006.
• الموهومون المؤدلجون
ما يجب إسقاطه بالمطلق هو هذا التّعويل على الّدعم الوهمي لإيران. هذا الدّعم لا يتعدّى كونه استغلالًا للشعوب العربيّة باسم ” المقاومة” والعداء لإسرائيل. بينما إيران كونترا واتّفاق السلام الصامت في النّاقورة خير شاهدَين حيَّين على طبيعة العلاقة بين المملكة الداوديّة والأمبراطوريّة الفارسيّة. فحتّى اليوم لا ينكر اليهود فضل نبوخذ نصّر الفارسي في إخراجهم من سبي بابل بعدما أُسر فيها عدد كبير من اليهود من مملكة يهوذا القديمة في بابل، عاصمة الإمبراطورية البابلية الحديثة، وذلك بعد هزيمتهم في الحرب اليهودية البابلية وتدمير هيكل سليمان في أورشليم، بعد سقوط الإمبراطورية البابلية الحديثة أمام الإمبراطورية الأخمينية ومؤسسها قورش الكبير في معركة أوبيس عام 539 قبل الميلاد حيث سمح الفرس لليهود المنفيين بالعودة إلى يهوذا، ووفاقًا لـسفر عزرا بدأ بناء الهيكل الثاني في أورشليم عام 537 قبل الميلاد تقريبًا في المقاطعة الفارسية الجديدة “يهود ميدينات”.
لذلك كلّه، لا يعتقدنّ أحد أنّ الإيرانيّ معني بأمن المكوّنات الحضاريّة الشيعيّة الجعفريّة في العالم العربي، بل هو فقط معنيّ بمن نجح بتحويرهم عقائديًّا نحو الصفويّة وولاية الفقيه. أمّا فيما يتعلّق بأمن المكوّنات الحضاريّة الأخرى فواهم مَن يعتقد ذلك. إذ لا يمكنه سوى البحث عن التعامل انطلاقًا من مبدأ التقيّة الذي يتقنه مع المكوّن اليهودي الذي تحت لواء العداء له وللأميركي يحارب المكوّنات الحضاريّة الأخرى، من الأكراد في العراق إلى المسيحيين في سوريا والعراق فالمسلمين السنّة في سوريا والعراق وباكستان.
• مصلحة الشيعة اللبنانيّين
لا يمكن أن يبقى الشيعة اللبنانيّون مكتوفو الأيدي أمام هول الصراع الذي يعصف في المنطقة ككلّ. ولا نقبل كلبنانيين ارتضينا أن نبني معًا وطننًا يشبهنا، أن يتحوّلوا إلى حطب يابس تشعله إيران في مفاوضاتها مع الأميركي لترفع أسهمها. وهذا ما يجب أن يدفع المعنيين إلى السؤال عن وظيفتهم في حال نفّذ العدوّ الاسرائيلي تهديداته للبنان. وليس آخرها ما صدر عن بن غفير حيث صرّح ” لا مفرّ من بدء حرب حقيقيّة في الشمال مع لبنان”؛ أو في حال تمّ التوصّل إلى صفقة يتمّ على أثرها تحجيم دور الأذرع الإيرانيّة في المنطقة للقبول بإيران كلاعب في الساحة الدّوليّة، لأنّه على ما يبدو من مسار الأحداث أنّ اللاعب الايراني سيرفع سقف المواجهة إلى حدّها الأقصى. وطريق الإمداد إلى لبنان باتت شبه مقطوعة، فهل تقتضي مصلحة الشيعة اللبنانيين، كأفرقاء سياسيّين، أن يبادروا إلى تفاهمات داخيليّة يعودون بموجبها إلى صلب الكيانيّة اللبنانيّة؟ أم سيتحوّلون بدورهم إلى هذا الحطب الذي ستحرقه إيران لترفع بنار اشتعاله أسهم مفاوضاتها؟ فهم اليوم أمام خيارات ثلاثة:
– انتظار مَن يفرض عليهم التسويات.
– الخروج من وهم القوّة وقدرتهم على عرض التسويات على الأميركي والمبادرة المتواضعة بالعودة إلى لبنان.
– تلقّي الضربات وجرّ لبنان إلى عمليّة تدمير كلّيّ قد تكون عمليّة تدمير غزّة نزهة بالمقارنة معها.
فحذارِ الثقة بمَن لا يوثق بهم، لأنّه عندها سيوقّع معهم على شيء وينفّذ شيئًا آخر. فالصحوة الوطنيّة لا مفرّ منها. والتّجارب علّمتنا أنّ لبنان هو الكبير، والله وحده هو الأكبر. لا الأحلاف الايديولوجيّة أكبر من لبنان، ولا الطاعة للأولياء أكبر. ولن تجدي نفعًا تلك التقيّة التي نجحوا بممارستها طوال هذه العقود الأربعة. فالمطلوب في هذه المرحلة النزول عن الجمّيزة، والبحث عن قواسم مشترَكَة وشراكات وطنيّة تقوم على أسس سياسيّة جديدة، لتأمين ديمومة واستمرار هذا الوطن، والنقاش بعقلانيّة للتوصّل إلى خلاصات وجوديّة براغماتيّة والاجابة عن الااشكاليّة الآتية: أيّ المحورَين هو الخطر على الوجوديّة الشيعيّة، وبعدها الكيانيّة اللبنانيّة؟

