البطريرك ليس صهيونيّا…

حجم الخط

البطريرك

إذا كان الأقلّون جاحِدين في معرفةِ بكركي وسيّدها، فأكثر الخلقِ، عندنا وأبعد من عندِنا، يعرف، تماما، أنّ بكركي بسيِّدِها، كانت، ولمّا تزلْ، اللّحظة النادرة في تاريخِ لبنان، وأنّ قيمتها الوطنيّة لا يدانيها قيمة أيٌّ من العناصرِ الثانويّةِ في هذه البلاد. وإذا كان غيرها يتوسّل الإستقواء اللّاشرعيّ، والأساليب الملتوية، ليفرض بصمته المعروفة المرجع، فسهلٌ أن نجد في بكركي المارونيّةِ اللبنانيّةِ ملامح العملقةِ، لأنّ الكرامة رسّخت بينهما تلازما تلقائيّا. وإذا كان البعض يستخدم خلايا جمجمتِهِ الرماديّة الضيّقة، ليرسم لنفسِهِ إطارا محدودا، فإنّ سيّد بكركي، وعلى مدى زمانِها، يستثمر خلاياه  الملوّنة الواسعة ليعيش، ويعيِّش لبنان، إشراقا دائما، ولطالما كان هذا هو الفارِق بين الرِّجالِ وبين أشباهِ الرِّجال.

لقد جهدتْ أبواق المؤدلجين المعوجّين، لإِلصاقِ التّهمِ ببكركي، وبسيِّدها، بهدفِ الطّعنِ، والإتّهامِ بالعمالةِ للصّهاينة، مروِّجة لبِدع هذيانيّة لا تؤدّي إلّا الى إنعاشِ مواسمِ الحقدِ في نفوس ممسوسة. فالتهجّم على البطريركِ من زاويةِ العمالة، ومن دونِ حجّة، يثبِت، بالإضافةِ الى التّلفيقِ الأرعنِ الجاهزِ لإلصاقِهِ بكلِّ سياديّ غيرِ مدجّن، أنّ البطريرك هو ذو مهابة، لا يطأطئ هامته أمام مدمِني التّرهيبِ، وهمجِ ثقافةِ الموت، مهما تمادت هلوساتهم، وكراهيّتهم غير المجدية.

إنّنا نعلم أنّ الذين يعيشون في العصرِ الرّديء، لا يكرهون الالى لعيوبِهم، وسيّد بكركي في طليعتهم، بل لمزاياهم. وإذا أطالوا الثّرثرة اتِّهاما، وكذِبا، فهذا دليلٌ على أنْ ليس لديهم ما يقولونه، ويحاجِجون به، وأنّ الحقيقة لا تورِق في أرضِهم البور. وبدلا من أن يصمتوا، في هذه الحقبةِ المأزومة، يغلِّبون طابع الجنايةِ على المتّصِفين بالحسِّ الوطنيِّ الرّاقي، بادّعاءات فارغة وشعبويّة، وكأنّهم لا يعلمون، أو يعلمون، أنّ بكركي هي الجزء القويّ من الوطن، وعليهم، لذلك، العمل على إفقادِها سمتها المميّزة، وهكذا، يعجل في منحى لبنان الإنحداريِّ سياسيّا، وكيانيّا، لتتمّ النّقلة، فيه، من الهواءِ النّظيفِ الى الطّينِ والرّمادِ حيث هم.

وإذا عدنا الى التّاريخ، نقف على مجموعة من الإنجازاتِ والمواقفِ التي لولاها ما كان لبنان كما عرفناه، وكما نريده. فقبل أن تلفح رياح الديمقراطيةِ شعوب الشّرق، بمئات من السّنين، عمد الرّهبان الموارنة الى صيغةِ الإنتخاب، وهو الوجه التطبيقيّ للديمقراطيّة، وهذا إنجازٌ متقدِّمٌ صنّف لبنان رأس رمح في قضيةِ الحريّاتِ، ومسارِ الحضارة. أمّا المواجهات  التي تزعّمت بكركي قيادتها، لِصدِّ المماليكِ، والصليبيّين، وبني عثمان، والإنتداب الفرنسيّ، فهي وقائع مشهودةٌ سطّرت ملحمة حيّة تشكّل حلقة اتّصال بين الخطرِ والخلود، وما إِنكارها سوى ضرب من الجهالة. أمّا مطالبة سيّدِ بكركي بلبنان الكبير، فهي برهانٌ على أنّ مشاركة المسيحيّين غيرهم من النِّحلِ والمِللِ في لبنان، ليست إلّا وليمة دائمة أطباقها الأساسيّة هي المحبّة، والعيش الواحد في وطن للجميع…

إنّ محاولة حذفِ بكركي وسيّدِها من متنِ نصِّ الوطنِ، الى الهوامش، هي فرض حصار على لبنان السيّد، وحفل تأبين للحريّة، وتسليم صكِّ البلادِ لمغتصِبي شرفِها. إنّ بكركي، بمواقفِ سيّدِها الإستثنائيّةِ وطنيّا،  أجهضت مؤامرة أنْ تعقد أقواس المبايعةِ للغاصِبين، وكانت انتفاضة تصنع مِفصلا، وتثري الشّعور بالإنتماءِ الى الكرامة، فبكركي لم تتحصّنْ إلّا بسلوك وطنيّ يتنفّس إباء، ولم تجدْ في الإباءِ إلّا قضية تمسّ الحياة بذاتِها، فهو أسمى من أن يعلو عليه شيء.

لقد طغت، عندنا، خطاباتٌ مفكّكةٌ، منهوبة المنطق، وما وراءها غير بريء، وطالت مقامات في مقدّمها بطريرك الموارنة، سيّد بكركي، الذي صرخته لها صدى غير قابل للمساومة، مؤمنا بأنّ الثّبات على الحقِّ الوطنيِّ هو واجب أصحابِ المخزونِ السياديِّ الذين ينتسبون الى النّبضِ الثّوريِّ الذي رافق لبنان في تطويعِ التاريخ. لقد هال التبعيّين، والأوصياء، خروج البطريركِ على خططِ تدميرِ الوطن، وتقويضِ الدولة، وضربِ مفهومِ الكيانِ والهوية، وإعدامِ التّشاركِ واختزالِ السلطة، ووقوفه في وجهِ انتزاعِ ولاءِ الناسِ بالخوف، وفضحه الأهداف الملتبسة التي لا علاقة لها بمصالحِ الشّعبِ والوطن، وزجّ البلادِ في مواجهة عسكريّة لا ناقة له فيها، تؤدّي الى دمار شامل لا قيامة من تحتِ ركامِه. ولم يكنْ في جيبِ البائسين إلّا اتّهامه بالخيانةِ…

فيا أيّها المزيّفون المغرِضون، وإذ ترتكبون، بهلوستِكم، الخطيئة الأصلية باتّهامِ سيّدِ بكركي بالصّهينة، إعلموا أنّ بكركي اللبنانيّة، بسيّدِها، ليست بحاجة لغيرِ اسمِها.​

خبر عاجل