
أحداث البحر الأحمر تشكل جزءًا مهمًا من التطورات الإقليمية والدولية التي تأثرت بها المنطقة خلال العقود الأخيرة. يقع البحر الأحمر في جنوب غرب آسيا وشمال شرق أفريقيا، وهو أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يرتبط بالبحر الأبيض المتوسط من خلال قناة السويس ويمتد جنوبًا إلى البحر العربي.
في هذا الاطار تمثل ه.ج.م.ا.ت المتمردون ا.ل.ح.و.ث.ي.و.ن في اليمن، المدعومون من إيران، على السفن التجارية، وما تبعها من تصعيد في منطقة البحر الأحمر، “اختبارا جديدا” لمساعي الصين، التي تطمح إلى أن تلعب دور “الوسيط” القوي في الشرق الأوسط، بحسب شبكة “سي إن إن” الأميركية.
وأدت الهجمات ال.ح.و.ث.ي.ة على أحد أهم طرق الشحن في العالم، إلى قلب التجارة العالمية رأسا على عقب، مثيرة مخاوف من نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقا، بعد نحو 4 أشهر من ا.ل.ح.ر.ب بين إسرائيل وح.م.ا.س.
والثلاثاء، التقى نائب وزير الخارجية الصيني، دنغ لي، نظيره اليمني في الحكومة الشرعية، مشددا على أن بكين “تدعم الحل السياسي لتسوية القضية اليمنية”، وفق ما ذكرت وكالة رويترز.
ونقلت وزارة الخارجية الصينية عن دنغ قوله، في بيان، إن الصين “تدعم اليمن في حماية سيادته واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه”، لافتة إلى أن الجانبين “تبادلا وجهات النظر حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والوضع في البحر الأحمر”.
ومع ذلك، أشارت “سي إن إن” إلى أن ردود الصين العلنية في تفاعلها مع أزمة بالبحر الأحمر حتى الآن، اقتصرت على الدعوة إلى وضع حد للهجمات على السفن المدنية، وتوجيه انتقادات مبطنة للعمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد التصعيد ال.ح.و.ث.ي بالمنطقة.
وقال مردخاي تشازيزا، وهو محاضر متخصص في علاقات الصين مع الشرق الأوسط، بكلية عسقلان في إسرائيل، إن “الرد الصيني الحذر أو المتردد، يلقي بظلال ثقيلة على طموحاتها في أن تصبح قوة عالمية مسؤولة”.
وأفاد تحليل شبكة “سي إن إن”، بأن تدهور الأوضاع بالبحر الأحمر، “يحمل مخاطر كبيرة” بالنسبة لأكبر دولة تجارية في العالم، إذ يتم شحن معظم الصادرات الصينية إلى أوروبا عبر البحر الأحمر، في حين تمر عشرات الملايين من الأطنان من النفط والمعادن عبر هذا الممر المائي للوصول إلى الموانئ الصينية.
كما أن الوضع هناك يمثل “تحديا دبلوماسيا” للزعيم الصيني، شي جين بينغ، الذي تعهد في السنوات الأخيرة بالمساهمة بـ”الحكمة الصينية في تعزيز السلام والهدوء في الشرق الأوسط”، كجزء من مبادرته لـ”تقديم بديل للنظام الأمني الذي يقوده الغرب”، على حد وصفه.
“رد فعل خافت”ومنذ 19 تشرين الثاني الماضي، يشن ا.ل.ح.و.ث.ي.و.ن الذين يسيطرون على أجزاء واسعة من اليمن، هجمات بواسطة صواريخ ومسيّرات، يقولون إنها تستهدف سفنا تجارية إسرائيلية أو مرتبطة بإسرائيل، تضامنا مع الفلسطينيين في قطاع غزة، فيما تؤكد تقارير عديدة أنها تطال سفنا تجارية لا صلة لها بإسرائيل.
ودفع الوضع في البحر الأحمر، شركات شحن الحاويات والنفط في العالم إلى توجيه سفنها بعيدا عن هذا الممر المائي نحو رأس الرجاء الصالح، في أقصى جنوب أفريقيا، مما يطيل الرحلة بين آسيا وأوروبا لمدة أسبوع تقريبا، ويؤدي إلى تضاعف كلفة النقل.
ولمحاولة صد هجمات الجماعة اليمنية الموالية لإيران، وحماية الملاحة بهذه المنطقة الاستراتيجية التي يمر عبرها 12 بالمئة من التجارة العالمية، شنت القوات الأميركية والبريطانية سلسلة ضربات على مواقع عسكرية تابعة لهم في اليمن.
وإضافة إلى العمل العسكري، تسعى واشنطن إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية ومالية على ال.ح.و.ث.ي.ي.ن، إذ أعادت تصنيفهم منظمة إ.ر.ه.ا.ب.ي.ة، بعدما أسقطتهم من لوائح ا.ل.إ.ر.ه.ا.ب، إثر تولي الرئيس جو بايدن منصبه.
وعلى مدار أسابيع، كان رد الفعل العام في الصين “خافتا بشكل ملحوظ”، حيث لم تدن بكين هجمات ال.ح.و.ث.ي.ي.ن، ولم تستجب سفنها ا.ل.ح.ر.بية لنداءات الاستغاثة من السفن القريبة التي تتعرض لهجوم، وفقا للشبكة التي أشارت إلى أن بكين “اكتفت بالدعوة إلى وضع حد للهجمات على السفن المدنية”.
وحثت بكين “الأطراف المعنية على تجنب صب الزيت على النار”، معتبرة أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لم يأذن قط باستخدام القوة من قبل أي دولة في اليمن، في انتقاد ضمني للضربات الأميركية.
واعتبر المسؤولون الصينيون أن أزمة البحر الأحمر “امتداد” للصراع في غزة، مشيرين إلى ضرورة التوصل لوقف فوري لإطلاق النار بين إسرائيل وح.م.ا.س، باعتباره أولوية.
ووفقا للشبكة، سعت بكين منذ بداية ا.ل.ح.ر.ب بين إسرائيل وح.م.ا.س، إلى تقديم نفسها “بطلةً للجنوب العالمي وبديلا للقوة الأميركية”، من خلال التعبير عن دعمها للقضية الفلسطينية، وانتقاد إسرائيل والولايات المتحدة بسبب الأزمة الإنسانية في غزة.
ويعكس إحجام بكين عن الخوض في أزمة البحر الأحمر، حضور حسابات جيوسياسية لدى بكين.
في هذا الجانب، يقول المحلل السياسي الإسرائيلي: “ليس للصين أي مصلحة في الانضمام إلى تحالف غربي بقيادة الولايات المتحدة”، معتبرا أن من شأن مثل هذا الإجراء أن “يعزز مكانة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة إقليمية ويضعف موقف الصين في المنطقة”.
ومع عدم إظهار الصين أي رغبة في التورط بشكل مباشر في الأزمة، سعت الولايات المتحدة إلى حثها على الضغط على إيران التي تدرب وتمول ال.ح.و.ث.ي.ي.ن، من أجل وقف هجماتهم.
وفي اجتماع مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بانكوك خلال عطلة نهاية الأسبوع، حث مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، بكين على استخدام “نفوذها الكبير مع إيران” لوقف الهجمات، حسبما صرح مسؤول كبير في البيت الأبيض للصحفيين، السبت.
وقال مسؤول في إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إن “سوليفان ضغط على وزير الخارجية الصيني وانغ يي، لاستخدام نفوذ بكين للمساعدة في كبح دعم إيران لجماعة ال.ح.و.ث.ي اليمنية”.
وذكر المسؤول، أن بكين قالت لواشنطن، إنها تثير هذه المسألة مع طهران، مضيفا أن الولايات المتحدة تنتظر لمعرفة ما إذا ما كانت الصين تفعل ذلك، ومدى فاعلية ذلك التواصل.
ونقلت رويترز، عن مصادر إيرانية، الجمعة، أن المسؤولين الصينيين طلبوا من نظرائهم الإيرانيين في عدة اجتماعات عقدت مؤخرا، المساعدة في كبح الهجمات التي يشنها ا.ل.ح.و.ث.ي.و.ن، وإلا فإن ضررا قد يلحق بالعلاقات التجارية مع بكين.
وذكرت المصادر الإيرانية المطلعة، أن المناقشات بشأن الهجمات والتجارة بين الصين وإيران جرت خلال عدة اجتماعات، عقدت مؤخرا في بكين وطهران. ورفضت المصادر إعطاء أية تفاصيل أخرى بشأن موعد عقد الاجتماعات أو من شارك فيها.
وقال مسؤول إيراني مطلع على المحادثات، تحدث إلى رويترز شريطة عدم الكشف عن هويته: “بشكل أساسي، تقول الصين ’إذا تضررت مصالحنا بأي شكل من الأشكال، فسيؤثر ذلك على أعمالنا مع طهران. لذلك اطلبوا من ال.ح.و.ث.ي.ي.ن ضبط النفس’”.
وأشارت المصادر الأربعة، إلى أن المسؤولين الصينيين “لم يدلوا بأي تعليقات أو يوجهوا تهديدات محددة بشأن كيف يمكن أن تتأثر العلاقات التجارية مع طهران إذا تضررت مصالح بكين نتيجة هجمات ال.ح.و.ث.ي.ي.ن”.
اقرأ أيضاً: البحر الأحمر.. تحركات بريطانية للضغط على إيران