بين مصلحة لبنان ومشروع الممانعة… الصراع مستمر

حجم الخط

كتب لوسيان شهوان في “المسيرة” ـ العدد 1749

لم يتمّ قياس حجم الضرر الذي ألحقه الاحتلال السوري ونظامه بلبنان طيلة فترة وجود جيشه على الأراضي اللبنانية وما بعدها، بالأرقام الدقيقة ربّما، لكنّ الأكيد أن ثقافة الحكم التي تركها هذا الاحتلال هي أسوأ ما عرفه وطن الأرز في العقود الماضية. وما هو مضرّ أكثر هي امتدادات ذاك المحتلّ عبر جماعات وأحزاب وشخصيّات وتركيبة داخل الحياة السياسية في لبنان، أرادها آل الأسد وأتباعهم اللبنانيين لرعاية مصالحهم وتثبيت نفوذهم طيلة الفترة المنصرمة.

 

خطايا لا تُغتفر

تجلّت امتدادات نظام الأسد في تحالف ما عُرف بقوى 8 آذار أو “شكرًا سوريا” الذي يستمر “حزب الله” بترؤسه بأجندة إيرانية وتعاونه بصورة رئيسية حركة “أمل”، بالإضافة الى غطاء قدّمه التيّار الوطني الحرّ في لحظات حاجاته للنفوذ والقوّة والحضور في السلطة، أي في جميع محطّات التيّار في مساره السياسي.

بعد العام 2000، عام انسحاب إسرائيل من لبنان، واستنادًا لوقائع اليوميّات السياسية في لبنان، لم يعرف وطن الأرز انتهاكًا لسيادته سوى عن يدّ هذه القوى التي لم تحترم شيئًا يتعلّق بالقرار الوطني، وسَلَبت الدولة سيادتها فاستباحت الأمن مرّات عديدة تحت عناوين “الممانعة” و”المقاومة” و”القدس” و”التحرير” وغيرها من مفردات معجم الوهم الذي استندت إليه لتبرّر أفعالها. كل ذلك أتى بغطاء من جماعة الشعارات؛ الشعارات التبريريّة لتيّار اختار الخضوع لنفوذ الحزب مبرّرًا أفعاله عبر ادعائه أنه يستعيد “حقوق المسيحيين” ويحاول “لبننة حزب الله”. لم تقتصر أفعال هذه القوى على انتهاكات السيادة، فكانت الاغتيالات السياسية بحق شخصيات ثورة الأرز التي بدأت مع محاولة اغتيال مروان حمادة ولم تنتهِ باغتيال محمد شطح… عمليّة انقضاض صريحة من حلفاء سوريا ووكلاء إيران على أحرار لبنان.

في الاقتصاد شهد لبنان نموًا معاكسًا، باتجاه الهاوية، بفعل تجربة هشّة خاضها فريق “الممانعة” عبر التعطيل الممنهج والفشل في إدارة الملفات التي حملها في مشاركاته العديدة في الحكومات. لم ينجحوا بإدارة ملف واحدٍ على الأقل، وقطاع الكهرباء أحد الأمثلة الواضحة لإخفاقات نذكر البعض من التي تجسدت عبرها، كعقد “سوناطراك” أو عقد الفيول الذي أصبح مغشوشًا؛ هو الذي تم توقيعه عام 2005 عندما كان الوزير السابق محمد فنيش وزيرًا للطاقة واستمرّ مع وزراء “ما خلّونا”، أو عبر سلف المال التي صرفها بحجّة دعم القطاع، وزراء “أمل” وغير “أمل” من الذين تعاقبوا على مالية الدولة، وصولاً الى فشل تطبيق الخطط “المُكهربة” عام 2010 و2017 و2019، خطط الوزير السابق جبران باسيل، سيزار أبي خليل وندى البستاني. هؤلاء سلّموا شعلة الفشل الى الوزراء الذين خلفوهم. هذا القطاع كان من المُفترض أن يدرّ الأرباح لخزينة الدولة ويقدّم خدمة الكهرباء للمواطن. وهذا ما لم يحصل وبوضوح!

يلاقي العجز الكهربائي وملياراته المهدورة شرايين التهريب وملياراتها المفقودة التي أنعشت لسنوات عديدة النظام السوري “المُعاقب”، وذلك على حساب المواطن اللبناني الذي قبل بدعم متطلبات حياته الأساسية من ودائعه، ولكنه لم يتنبَّه في حينه أنه كان يتقاسم هذا “الدعم” مع من نهب مقدراته طيلة المرحلة السابقة، أي النظام السوري. لم يكتف “حزب الله” برعاية التهريب الذي باركه الشيخ صادق النابلسي وأشرف عليه مسؤولون مُعاقبون من تركيبته، بل استمرّ بتعزيز شبكة اقتصاده الموازي الذي بناه وطوّره منذ مراحل النشأة على حساب الاقتصاد الوطني؛ وفي هذا المجال الجيوب عديدة وتطال كل القطاعات الإنتاجية في سوق العمل. بالإضافة الى كل ما سبق، أراد حزب الله ادخال لبنان دائمًا في دهاليز النزاعات والحروب الإقليمية التي بدأت بحرب تموز 2006 التي كبّدت الاقتصاد اللبناني أكثر من 7 مليار دولار بين خسائر في البنى التحتيّة وخسائر في المالية العامّة من حيث الإيرادات والنفقات وخسائر إضافية طالت الناتج المحلي. استكمل “حزب الله” ذلك بدخوله الحرب السورية عام 2013 مما فاقم النزاع مع الدول العربية، فبدأ لبنان يفقد تدريجيًا ثقة محيطه العربي. دخوله القتال في سوريا من جهة وبراميل الأسد من جهة أخرى عزّزا موجات النزوح السوري القاتل للاقتصاد الوطني. ها هو اليوم الحزب نفسه يربط مصير استقرار لبنان بمصير حرب غزة التي لا نعرف متى وكيف تنتهي، وذلك بعد كل الضرر الذي ألحقه بالشعب اللبناني خاصة بعد مرحلة حراك 17 تشرين 2019 ودخول لبنان نفق ثالث أكبر أزمة اقتصادية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.

مشاغلة إسرائيل من الجهة اللبنانية، لم توقف حربها الحالية على غزة والضفة الغربية والتي تهدف من خلالها الى القضاء على حركة حماس. ها هي تلك الممانعة التي تحطّ في لبنان من خلال “حزب الله”، تستمرّ في عملها غير آبهة بمصلحة الوطن المرهق، فهي تهتمّ بتحقيق مصلحة إيران الاستراتيجية. وبالرغم من ادعاء أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله أن ساحات “الممانعة”، على أنواعها، مستقلّة عن بعضها البعض في العمل الجهادي ولكل ساحة حريّتها في الحركة، ولكنها وبحسب الممارسة، من الواضح أنها موحّدة انطلاقا من إعلانها الصريح عن إستراتيجية “وحدة الساحات” بقيادة إيران.

 

تحديات الحاضر

تحديات كبيرة ومصيرية تنتظر اللبنانيين مع إنطلاقة العام 2024، إنطلاقة صعبة على وقع الحرب المندلعة جنوبًا وأزمة اقتصادية مستمرة في دولة من دون رئيس. دولة تغيب عنها الاستقامة في الحكم، لا إصلاحات داخل مرافقها العامة، قطاعاتها مشلولة وقرارها مخطوف تحتكره دويلة موازية للدولة في الأمن والاقتصاد معًا.

اليوم أكثر من أي يوم، “حزب الله” لا يناسبه انتظام الدولة من جديد، فهو إن أراد انتخاب رئيس للجمهورية “ممانعًا” وإذا لم يحقق ذلك، فيريده ضعيفًا لا لون له ولا موقف. رئيس في عهده تتشكل حكومات باهتة غير منتجة على شاكلة الحكومات السابقة. بالفعل “حزب الله” لا يريد حضورًا وازنًا لأحد في السلطة التنفيذية قد يؤثر على أساسات حكمه، بل يريد أتباعًا له يعطيهم هو ما يريده من فتات السلطة؛ لذلك نراه حتى الساعة المعطّل الأول لانتخاب رئيس جدّي. ليس من مصلحته أن يأتي الى الرئاسة من يريد ضبط الحدود ومراقبتها، ومن يريد ضبط السلاح المتفلّت داخل المخيمات وخارجها، ليستمر ببساطة بدوره الذي يمتدّ اليوم تقريبًا داخل كل المخيمات الفلسطينية، فيما يستكمل المتاجرة بورقة الفلسطينيين على أنه وحده ضابط الأمن داخل المخيمات وليس الدولة والجيش. وهو أيضًا لا يريد أي رقابة فعليّة على المرفأ أو في المطار حيث يقوم بما يريده من تهريب لكافة السلع والأسلحة وحتى الأشخاص.

لا يهمّ الحزب إعادة انتظام العمل المصرفي الذي قد يعيد بعض الاستثمارات الأجنبية والثقة الى الأسواق اللبنانية، بل يناسبه بقاء القطاع في حفرة اللاثقة وتحويل اقتصاد لبنان بالكامل الى اقتصاد نقديّCash Economy، فهذا يريحه في حركته المالية بين الداخل والخارج. باختصار لبنان من دون ضوابط يفيد “حزب الله”، في المقابل إن مصلحة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين تتحقق بعكس ما يريده هذا الحزب المسلّح، في الأمن والاستقرار، في الحضور والشراكة، في النمو والتنمية.

 

التشخيص الصحيح والمبادرة

لن يتمكن “حزب الله” من إقناع غالبيّة اللبنانيين بنظرته الإيرانية للبنان، وهذا واضح من خلال آراء الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الذين يفضلون استبعاد كل مظاهر الحرب، فهم يرفضون الحروب على أنواعها. وبغض النظر عن اتساع رقعة الحرب الحالية من عدمها في الجنوب، فمن المفترض ألّا يعيش الشعب اللبناني قلق الحرب هذه التي لا تعنيه. في المقلب الآخر، لم تتمكن غالبيّة المكوّنات اللبنانية المعارضة لنهج “حزب الله” من إقناعه بأهميّة قيام دولة فعليّة ترعى شؤون كل اللبنانيين، و”لبنانييه” تحديدًا، فتضمن حضورهم ومشاركتهم في الحكم… لأن الحزب بكل بساطة لا يريد ذلك من الأساس. أمام هذه الوضعيّة المقفلة لا حلول عمليّة خارج إطار البحث عن مخرج جديد لإدارة الحكم. مخرج يضع الكلّ أمام مسؤولياتهم وعندها فليتحمّل الجميع تبعات قراراته التي تعكس نظرته للبنان. من هنا، أصوات تطالب اليوم بحقوق من لا يريد الحرب ومن يبحث عن الاستقرار الدائم والنمو عبر دورة حياة طبيعية، من باب حقّ هذا المواطن أن يقرّر مصيره ويسهر على أولوياته بعيدًا من تأثيرات “حزب الله”.

صحيحٌ أن الأسرة الدوليّة عمومًا والعربية خصوصًا تُطالب اليوم وكأولويّة بإيجاد حلّ للقضية الفلسطينية انطلاقًا من تطوّر الحوادث الدمويّة التي بدأت في 7 تشرين الأول 2023، لكنها أيضًا تُطالب بالسعي الى حلّ للقضية اللبنانية عبر مبادرات أبعد من حسن النوايا والحرص الساعي الى حلول موقّتة للبنان لا تحاكي الأزمة في عمقها. أصدقاء لبنان مُطالبون بمؤتمرٍ مدخله الحياد يأخذنا الى “إتحاديّة فعّالة” بين اللبنانيين. فالحكم في ظلّ السلاح غير الشرعي وقنواته أظهر نتيجتين واضحتين، الأولى تكمن في استحالة العيش في شراكة صريحة ومتوازنة معيارها وثيقة الوفاق الوطني بين المكوّنات اللبنانية، لأن هناك فريق يحمل السلاح ويريد الانقضاض على الجميع والتفرّد بالحكم، وهذا ما يقوم به. والثانية من خلال قرار اتخذه “حزب الله” ولن يتراجع عنه عبر تفضيله دائمًا مصلحة إيران الاستراتيجية على مصلحة لبنان ومستقبل شعبه.

الاعتراف بهذا الواقع والتشخيص الصحيح، هما المدخل الرئيسي للبحث عن حلول، أصغر من الانفصال الكامل، وأكبر من الترقيع الذي لن يعطي نتائج مختلفة عن نتائج الماضي. صحيح أن اتفاق الطائف أنهى الحرب اللبنانية، ولكن مراسيم تطبيقه السورية التي استكملتها سوريا مع حلفائها في لبنان بعد خروجها منه، ضربت التوازن بين المكوّنات اللبنانية ولم ترعاه. وبدلًا من أن تُنتج حصريّة سلاح بيد القوى الشرعيّة وصحّة تمثيل ولامركزيّة إدارية مريحة، حمت تنظيمًا مسلحًا في الجنوب كمرحلة أولى، ليمتدّ فيما بعد الى البقاع وضاحية بيروت الجنوبية على حساب القوى المسلّحة الشرعيّة، في ظلّ إدارة عامّة معتورة اعتمدت الفساد والزبائنية السياسية قاعدة لحكمها مكلّلة بهيمنة سورية ـ إيرانية على القرار اللبناني ضربت سيادته وقوّضت استقلاله.

اللبنانيون أعطوا فرصًا عديدة لوعود النهوض والتعافي في ظلّ التركيبة الحالية ولكنهم تعبوا ولم يحصلوا على أي نتيجة ملموسة تتخطى فرملة الانقضاض الكامل لـ”حزب الله” على لبنان. هناك من يستمرّ في وضع حدٍ للحزب وبما توفّر، ولكن تحدّيات الهجرة والديموغرافيا وتحلّل مؤسسات الدولة (بإستثناء الأمنية منها) وغياب لبنان الرسمي عن قرار السلم والحرب، شكّلت لهم معضلات جديدة أعاقت تحقيقهم لأحلامهم. اللبنانيون المناهضون لمشروع “حزب الله” يبحثون اليوم عن أفق جديد يعيد لهم شيئًا من الأمل، فربما يرون خلاصهم بدولة تُبعد تأثيرات «حزب الله» ومشروعه عن يوميّاتهم.

 

مصلحة لبنان الآن

من المتوقع أن كل الاستحقاقات اللبنانية هي بحكم المؤجلة ومرتبطة بمصير الحرب القائمة بين إسرائيل وحركة حماس، مع العلم أنه من الخطأ أن تتعطّل حياة اللبنانيين بسبب حرب لا علاقة لهم بها. فماذا يمنع اليوم مثلا أن يدعو رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الى جلسة انتخاب رئيس للجمهورية، جلسة مفتوحة وبدورات متتالية؟ فيكون للبنان رئيس في أقرب وقت؟ هذا مدخل لانتظام الإدارة من جديد، إن توفّر القرار!

لا شك اليوم أن خلاص لبنان الوحيد هو في استبعاد كل مبررات الحرب القاتلة، ومدخل هذا الخلاص هو بالتزام لبنان بتطبيق القرار الدولي 1701 الذي لا بدائل عنه. فعلى لبنان الرسمي أن يكون واضحًا في موقفه عبر تبنيه كل بنود الـ1701، وأن يتوقف عن لعب دور العاجز أو المتفرّج في أحسن الأحوال، ويستمرّ بتذكير الجميع أن لا خيارات أخرى متاحة في هذه الظروف. من الصعب أن يحصل لبنان اليوم على خشبة خلاص دوليّة تشبه الـ1701 أو ما يعادله، كون دول القرار منشغلة بتحديات تبدأ بأوكرانيا ولا تنتهي في غزة والسودان، وصولًا الى الصراعات المتعدّدة في القارة السمراء. يبقى عرض “الدبلوماسية” المتوفر حاليًا والتي ترعاه الولايات المتحدّة الأميركية الخيار الأنسب لتجنّب ما لا قدرة للبنان على مواجهته، والكلّ يعرف ذلك.

وإذا كان “حزب الله” ينتظر إشارة إيرانية للتصعيد جنوبًا، فباقي اللبنانيين ينتظرون فرصة تخرجهم من الأزمة التي أغرقهم بها المحور الذي ينتمي إليه “حزب الله” والذي يعمل بعكس مصلحتهم.

ربّما مصير اللبنانيين اليوم، أشبه بمصير الرهائن المدنيين الذين لا علاقة لهم بالحرب ولا بالصراع التاريخي القائم، ذنبهم أنهم ارتضوا شراكة معيارها القانون مع تنظيم قال عن نفسه إنه لبناني ويعمل لمصلحة الدفاع عن لبنان، ليكتشفوا تدريجيًا أن هذا التنظيم هو الأخطر على حياتهم ومستقبل أبنائهم لأنه لا يعترف بتعدّدية لبنان وقراراته مرتبطة بالتوقيت الإيراني أولًا وأخيرًا.

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل