.jpg)
نشرت “المسيرة” ـ العدد 1749
يهدف الدكتور نبيل خليفة (1) من هذا الكتاب إلى تحديد الخصوصية اللبنانية وتبيان تميّز لبنان عما حوله من عدة نواحٍ، وامتلاكه للعناصر الضرورية لقيام كيان ودولة ووطن مستقل وقابليته للاستمرار والحياة، إضافة إلى إبراز أهم آراء وعقائد المفكرين ورؤيتهم حول لبنان والخصوصية اللبنانية، ومنهم ميشال شيحا، جواد بولس، أنطون سعاده، يوسف السودا، سعيد عقل، شارل مالك وغيرهم.
د. نبيل خليفة
المقدمة
توصل اللبنانيون المنقسمون حول مشروعية وشرعية الكيان اللبناني إلى ما يُعرف بالوفاق الوطني عام 1943، فتم الاتفاق على نهائية الكيان اللبناني، وبالمقابل الاعتراف بأن لبنان ذو وجه عربي. ولكن هل حُلّت المشكلة هنا؟ وهل القبول بنهائية الكيان اللبناني يكفي كمقايضة أم يجب الوصول الى إقرار بواقع جغرافي ـ تاريخي موضوعي تعبّر عنه وتبرّره الخصوصية اللبنانية؟
استمد لبنان الكيان والوطن خصوصيته من شعبه وأرضه عبر التاريخ. وهو يتصل بالعالم العربي بروابط التاريخ واللغة والثقافة والتجارة والشعور، ولكنه بلد ذو سمات خاصة، مما يجعل منه وطناً غير بقية الأوطان. هذا وتكوّنت الشخصية المتميّزة للبنان منذ التاريخ القديم مع الفينيقيين حسب اعتقاد البعض، ومرورًا بالتاريخ الوسيط ووصولاً إلى التاريخ الحديث (متصرفية جبل لبنان ونظام القائمقاميتين)، حتى أصبح حقيقة في التاريخ المعاصر ككيان سياسي مستقل حديث ومستحدث حيث تكوّن، وبالتمايز عن باقي الدول العربية، تلبية لجماعة من أهله وإن كانت واحدة من جماعات أخرى.
انتقل اسم لبنان من كونه يدلّ على بقعة جغرافية ليعبّر عن كيان إداري قائم بذاته في ظل السلطنة العثمانية وأصبح يدل على اسم دولة معترف بها دوليًا ولها أراضٍ ذات طابع إداري خاص. إن إعلان لبنان الكبير عام 1920 سبق إعلان الدولة السورية بسبع سنوات، وبالتالي لم يكن هناك دولة سورية في الأصل لنعتبر أن لبنان انفصل عنها. كان لبنان ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها في العالم العربي في ظل السلطنة العثمانية انطلاقًا من الخصوصية اللبنانية المتمثلة بمجتمعه الجبلي من جهة، وبكون بيروت مفتوحة على الجبل والتجارة مع أوروبا عن طريق البحر، بالإضافة إلى كون بيروت مركزًا رئيسيًا للتعليم العربي الحديث والأفكار الغربية المتحرّرة في العالم العربي. وكان لهذا التمايز السوسيو-ثقافي دور مهم في تكوين الكيان السياسي للبنان كما نعرفه اليوم.
1 ـ عناصر الخصوصية اللبنانية
ارتكزت الدولة اللبنانية في نشوئها الى اسم لبنان انطلاقًا من بعديه الجغرافي ـ التاريخي والإنساني ـ النفسي. ولبنان وطن سابق على سوريا إن بالنسبة لأزليته في الكتاب المقدس أم بالنسبة لنواة كيانه الذاتي في بروتوكول 1861.
في العهد القديم من الكتاب المقدس، يرد اسم لبنان على لسان الأنبياء على أنه جبل شاهق في شمال نهر الليطاني يُتاخم أرض الميعاد عند حدودها الشمالية، حيث لم يفرّق الكتاب بين لبنان الغربي ولبنان الشرقي باعتبار أن الجبلين متشابهان (سلسلتي جبال لبنان) ويسيران في اتجاهين متوازيين كانا يشكلان جبلاً واحدًا، فشقهما عامل جيولوجي أعطانا وادي البقاع. ثم أتى كتبة اليونان، ففرّقوا بين السلسلتين الغربية والشرقية فأطلقوا على لبنان الغربي إسم لبنان، وعلى لبنان الشرقي اسم “أنتي ـ ليبان”.
عمليًا، إن عمر اسم لبنان يتجاوز أربعة آلاف سنة من التاريخ، فسبق ظهور اسم “سورية” بأكثر من ألف وخمسماية سنة على الأقل، وسبق تسمية “بلاد الشام” بأكثر من ألفين وثلاثماية سنة على الأقل أيضًا.
من ناحية أخرى، يتمتع لبنان بخصوصية مناخية مقارنة مع سوريا، حيث إن مناخه بحري متوسطي بينما مناخ سوريا قاري صحراوي، وذلك ناتج عن العازل بين المناخين الذي يبدأ بقمم السلسلة الغربية وينتهي بقمم السلسلة الشرقية.
إن ارتفاع الأرض في لبنان وتنوّع تربته والأمطار وجودة مناخه، كلها عوامل طبيعية جعلت من لبنان أرضًا تتنوّع فيها النبت والشجر. كما أن كثرة التضاريس ووجود الغابات جعلت منه ملجأ طبيعيًا للمضطهدين الذين كانوا يختبئون في مغاورة وكهوفه وغاباته، وهذا ما يؤكده المؤرخ جواد بولس بقوله “إن لبنان كبيئة جغرافية هو منطقة طبيعية ووحدة جغرافية واضحة التفرّد”.
لبنان بحدوده الدولية الحالية ليس نتيجة شحطة قلم للجنرال غورو أو لموقّعي سايكس ـ بيكو. ويقول أحد أبرز دارسي الجغرافيا الطبيعية للهلال الخصيب بول سانلافيل إن حدود سوريا تبدو حدودًا مصطنعة ما عدا حدودها الغربية مع لبنان المارّة عبر قمة حرمون وسلسة لبنان الشرقية، حيث تتخذ حدود الدولة السورية في هذه الجهة فقط مضمونًا جغرافيًا.
أما العالم الإنتروبولوجي كارلتون كون، فيؤكد أن كثر من أبناء لبنان لهم مظهر مختلف عن العرب، كما قاموا بتحرير اللغة العربية من قوالبها الجامدة. ويشير المؤرخون الى أن لبنان هو البقعة شبه الوحيدة في الهلال الخصيب التي احتفظت لفترات طويلة بلغتها الأصلية الآرامية على الرغم من عملية التعريب السريعة في هذه المنطقة أي الهلال الخصيب.
واجهت اللغة العربية مشكلة الثبات في الزمان والمكان، فعمد اللبنانيون (المسيحيون خصوصًا) عند انفتاحهم على اللغة العربية على تحقيق النهضة العربية لغويًا في مهمة ثلاثية الأبعاد:
ـ بعث اللغة الفصحى وإغنائها وتهذيبها وتنسيقها وربطها بالعصر (آل البستاني – اليازجيان – الشدياق وغيرهم…).
ـ ساهم كبار أدباء لبنان، في مقدمهم جبران خليل جبران في تحرير اللفظة العربية من محتوى وحدود الماضي في المضمون والشكل، وإقامة معادلة بين الأدب والحياة.
ـ اعتماد لغة الحياة (اللغة العامية) عبر اعتماد الحرف اللاتيني، وهذا ما حاول الشاعر سعيد عقل القيام به.
اعتمد لبنان تاريخيًا الثنائية اللغوية بل الثلاثية، فلبنان منذ ما يقارب الألفي سنة قد اعتمد اللغة السامية – الكنعانية (الفينيقية) كلغة أم، ثم اعتمد اللغة السامية – الآرامية (السريانية) كلغة أم، وأخيرًا اعتمد اللسان السامي – العربي كلغة أم. اعتمد لبنان منذ القدم لغات متعددة الى جانب اللغة الأم، فعرف سكان لبنان اللغة الأكادية والبابلية والمصرية الى جانب اللغة الفينيقية المحلية، ومن ثم الى جانب اللغة الآرامية السريانية عرف سكان لبنان اللغتين اللاتينية واليونانية كلغات مكمّلة. واليوم، يتكلّم اللبنانيون الفرنسية والإنكليزية وحتى الإسبانية والإيطالية والأرمنية والتركية، الى جانب اللغة الأم العربية.
في الخلاصة، إن رسالة لبنان الإنسانية تفرض عليه في شكل دائم اعتماد لغتين أو أكثر إلى جانب اللغة الأم الوطنية، وذلك في سبيل تحقيق الرسالة الإنسانية للبنان. بالإضافة الى ذلك، يتميّز لبنان بكونه صلة الوصل بين الشرق والغرب، وبالتالي اعتماد لغات مختلفة عامل مساعد لهذه الناحية، كما يساعدهم على الصعيد العلمي والتجاري والثقافي العالمي.
تأثر اقتصاد لبنان بعاملين، موقعه الجغرافي الخاص من جهة، وتركيبته الاجتماعية الخاصة من جهة أخرى. لذا يتميّز لبنان باقتصاد خاص سواء نُظر إليه من منظور اشتراكي أم من منظور ليبرالي.
يرى ميشال شيحا، رائد الإيديولوجية الليبرالية اللبنانية “أن لبنان يعيش بالحرية ويموت من دونها”، وبواسطة الاقتصاد ينفتح لبنان على العالم، وفي الاقتصاد تبرز الفرادة اللبنانية، وهي أن يكون لبنان بلد الحرية وبلدًا للحريات.
والحرية عند شيحا “هي المادة الأولية للبنان بغياب المواد الأولية فيه”، وبالتالي الحرية الاقتصادية هي البديل لافتقار لبنان الى الثروات الطبيعية. هذا ويطلب شيحا من أبناء لبنان أن يدافعوا عن الحرية “كما يدافع غيرهم عن مناجم الذهب أو منابع البترول أو حقول القطن”. ويخلص إلى فكرة أن تتجه السياسة الاقتصادية نحو الحرية، والحرية هي نقيض التوجيه، والاقتصاد الحر هو نقيض الاقتصاد الموجّه.
وبحسب شيحا أيضًا، فإن الاقتصاد المناسب للبنان واللبنانيين هو اقتصاد الخدمات، وذلك انطلاقًا من واقع لبنان الطبيعي والبشري، وعدم قدرة لبنان على أن يكون بلدًا زراعيًا أو صناعيًا ومنافسًا جديًا في هذا المجال. هذا ويوصي شيحا أبناء لبنان بأنه إن أرادوا أن يعيشوا بازدهار أن يجعلوا من لبنان، بصفة دائمة وحاسمة، ملجأ للرساميل، كما يجب أن يظل ملجأ للناس، ومكاناً للإقامة والترانزيت، وسهلاً للمسافرين والبضائع.
من ناحية أخرى، تتعدد الأقليات في الشرق الأوسط، بحيث يصح القول إنها المنطقة التي فيها أكبر عدد من الأقليات الدينية – الإتنية – اللغوية. إن الأكثرية في العالم العربي تتشكل من الطائفة الإسلامية والمذهب السنّي، وكل ما عداها من طوائف وأديان ولغات يشكلون الأقليات وسط هذه الأكثرية.
يقوم ميزان القوى في لبنان على معطيات اقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية، وبالتالي سياسية. ويتجسد هذا التوازن بالتوازن المسيحي – الإسلامي. والقضية اللبنانية، قضية التوازن، تشكل المثل النموذجي لمشكلة الأقليات في المنطقة كلها وفي العالم حتى.
وفي الشق المتعلّق بالأقليات، فإن أحد مصادر الشرعية هو “العقلانية القانونية” (2) حيث يكون الشعب المصدر الأول للسلطة والشرعية وهذا تجسيد لجوهر الديمقراطية، وهو أمر لا يأخذ مداه كثيرًا لدى عموم المسلمين.
ترتبط القضية اللبنانية بعدة أسئلة تلخص الأزمات والمشاكل التي مرّ ويمرّ بها لبنان، ومنها: لماذا لم يستطع اللبنانيون بمسيحييه ومسلميه من إقامة دولة متماسكة وثابتة تؤمّن الحرية والأمن والخبز لأبنائها؟ ولماذا بقيت دولة لبنان عرضة للعطب السريع أمام التجاذبات الداخلية والتدخلات الإقليمية والدولية على الرغم من الإنجازات والنجاحات النسبية التي حققت في فترات معينة؟
2 ـ لبنان في نظر مفكريه
ـ كمال صليبي: الخصوصية المعلّقة
يعتبر كمال الصليبي أن الكيان اللبناني يمتد تاريخيًا، وأثناء العهد العثماني، في المنطقة التي تبدأ بقمم جبال لبنان الشرقية وحتى البحر، وبالتالي لا تختلف عن حدود لبنان الحديث، حيث أخذ لبنان منذ مطلع القرن السابع عشر الى اليوم، طابعًا خاصًا وشخصيّة مميّزة ووحدة سياسيّة. وفي هذا الكيان، لم يَحل الاختلاف الديني من تعاون الطوائف في ما بينها على الصعيد السياسي والعسكري من دون الاجتماعي، حيث كانت تتضامن في أوقات الخطر لمحاربة العدو المشترك.
ويرى الصليبي أن بروز الكيان التاريخي اللبناني هو نتيجة للالتقاء الذي تم بين المسيرة التاريخية المارونية والمسيرة التاريخية الدرزية. وإن للبنان تاريخًا خاصًا به وهو قابل للرواية الحقيقية من دون الحاجة الى اختلاق الأساطير والتزوير والتزييف. كما أن التركيب الطبيعي للمجتمع اللبناني هو التركيب الطائفي، وهذا ما يفسّر عدم نجاح بعض الباحثين الذين حاولوا تجاهل هذا التركيب واقتراح حلول مستأجرة لإسقاطها على الوضع اللبناني.
ويخلص الصليبي الى أن للبنان بعدين: فهو وطن لأبنائه ولهم الحق بإدارة شؤونه باستقلالية، ولبنان وطناً لجميع العرب فيسمح لهم بالاتصال بالعالم وتبادل الآراء والخدمات في جو ديمقراطي. إلا أنه يؤكد أن اللبنانيين لم يحسنوا إدارة شؤون بلدهم، في المقابل لم تحترم القوى العربية لبنان وطناً سيدًا مستقلاً، ولم تحترم حياد لبنان كذلك… فجرّ لبنان إلى الصراعات المباشرة، مع العلم أن دوره السياسي وشبه المحايد أجدى وأنفع للقضية الفلسطينية مثلاً وغيرها من القضايا العربية.
ـ يوسف السودا: الخصوصية الموصوفة
يرى يوسف السودا أن حرية لبنان واستقلاله حق مقدس، وحق لبنان بالاستقلال هو حق جغرافي وسياسي. فالاستقلال الجغرافي يتمثل بردّ الأراضي المسلوخة (طرابلس، عكار، بيروت، صيدا، صور، مرجعيون، حاصبيا، راشيا، البقاع وبعلبك)، حيث إن حرمان لبنان من هذا الحق يمثل حكم إعدام اقتصادي بحقه. أما الاستقلال السياسي فهو حق تاريخي سجله لبنان بدماء أبنائه على مرّ الأجيال.
أما حدود لبنان الجغرافي، فرسمتها الطبيعة من النهر الكبير الى ناقورة عكا، ومن البحر الى العاصي والجبل الشرقي، وتحكم العلاقات بين لبنان وسوريا المنافع الاقتصادية مع التأكيد على أن “استقلال لبنان السياسي هو قضية راهنة وواجب محتم لا محاباة به ولا تساهل”. الى ذلك، آمن السودا بأن الوطني اللبناني الصادق يعمل على توطيد العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا مع الحفاظ على استقلال لبنان السياسي التام. “فخير لسوريا أن تصادق لبنان مستقلاً من أن تدغمه بها سواء مرغمًا أو راضيًا: فإذا أرغم أو رضي أبناء اليوم فلن يُرغم ويرضى أبناء الغد”.
(يتبع)
جو حمورة ـ غدي لحود ـ مكتب الأبحاث ـ دائرة الإعداد والتدريب في جهاز التنشئة السياسية ـ آب 2023
هامش:
1 ـ هو كاتب وباحث في الفكر السياسي. عمل محررًا في صحيفة “العمل” اللبنانية، ومساعدًا لرئيس تحرير مجلة “المستقبل” ومسؤولاً عن المركز العربي للدراسات الدولية. صدر له عشرات الكتب وجلّها حول لبنان وتاريخه وموقعه الاستراتيجي ودوره في الصراعات الدائرة حوله.
2 ـ يقصد بها “القوانين الوضعية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]