.jpg)
رحلت “أمل” الطفلة البريئة من جشع السياسة والأطماع. رحلت “أمل” زهرة الأطفال ولم ترَ من أمل الحياة سوى خمس سنوات من ربيع عمرها. رحلت مبتسمة بسمة “الأطفال” التي حرم منها كل من وقع تحت مجهر “التاريخ والجغرافيا” فكانت طفولته “كبش محرقة” لمن باعوا الأوطان والأحلام، “كبش فداءٍ” لمن يستغل الشعوب ويجعلها وقوداً لمحركات الأنظمة والسياسات الكبرى. رحلت “أمل” وهي ملاكٌ يزاد إلى قافلة الملائكة وإلى الأطفال الذين إنتزعت منهم أحلامهم، لأن هناك من أراد تقرير المصير بلا “رؤية” وبلا “ضمير”.
أطفال الجنوب اليوم باتوا في واقعٍ يضعهم بين أنياب القدر، لا بل يضعهم تحت استبداد أطراف طغاة، كل منهم يشكل صورة بهيّة تظهر المعنى الحقيقي لـ”انعدام الضمير”. و”أمل” ضحية جديدة ينزفها جنوب لبنان، ولكن هل تنتهي هنا؟ أم أن قلوب الأهل ستبقى كأقراص الجليد لا تعلم متى يأتي دور أبنائها؟.
قالها يوماً محمود درويش: “لنا أحلامنا الصغرى…”. أما اليوم، فبئس زمنٍ يجعل من هذه الأحلام “ملائكة” أبرياء من كل قرارٍ جاهلٍ عبثي فاقدٍ للحسابات الوطنية. بئس زمنٍ جعل من الجنوب ساحة تبكي في كل يومٍ أطفالها نتيجة ظلمٍ مزدوج يجمع الأطماع الخارجية والداخلية ويرمي بشوك إكليلها فوق رؤوس أطفالنا. ولا بدَّ من السؤال بعدما انتشر الكثير من المقاطع المصورة والصور التي تظهر أوضاع المدارس تحت وطأة الأحداث في الجنوب والتي تظهر “الخوف والرعب” في صفوف التلاميذ، وبالتالي بحكم الواقع والحقيقة والضمير: ما مستقبل أطفال الجنوب وكيف تتأثر طفولتهم؟
عندما نطرح الطفولة بحكم الحقيقة، نحن أمام مرحلة من أدق مراحل الحياة وأكثرها تأثيراً في الفرد وشخصيته، مما استدعى فريق موقع القوات اللبنانية الالكتروني للقيام بجولة حول هذه المسألة. وفي حديث مع الأخصائية في علم الاجتماع نتالي أبي يونس، اتضح أن “هذه الاحداث تؤثر بشكل مباشر على بنية المدارس والبنية التحتية التعليمية، مما يؤدي إلى تدمير المدارس وتشريد الطلاب، ويعرقل التحصيل الدراسي ويقلِّل من فرص الحصول على تعليم جيد، خصوصاً في بلدنا لبنان حيث الوضع الاقتصادي مدمّر مسبقاً”.
أضافت أبي يونس: “يتأثر التحصيل العلمي للتلاميذ بشكل كبير، إذ يجد الطلاب صعوبة في التركيز والتعلُّم في ظل الظروف القاسية وعدم الاستقرار، مما يؤدي إلى تراجع مستوى الأداء الدراسي وتراجع الإنجازات التعليمية، وذلك يؤثر سلباً على مواردنا البشرية وعلى كل صاحب حلمٍ وأمل”.
تابعت أبي يونس: “ما يزيد من تعقيدات الأمور ويجعل الوضع أكثر صعوبة، أن الأزمة تقتصر على مناطق محددة (الجنوب). في هذه الحالة، يمكن أن يكون تأثير الوضع على التعليم والصحة النفسية للتلاميذ أكثر تدميراً وعمقاً لأن المناهج لن تتقلص والعام الدراسي بقي على حاله من دون أي استثناءات”.
في حديثٍ آخر مع الاخصائية في “علم النفس” إليسا السقلاوي، أوضحت لموقع “القوات” أن “الأوضاع جنوباً تلقي بثقلها على كاهل الصحة النفسية مما يؤدي إلى خلق القلق لدى الأطفال والخوف، وبالتالي الدخول في حالة من “الإكتئاب” إضافة إلى التعرض للمشاكل المؤثرة على النوم وعلى المجرى الطبيعي للحياة، وبالتالي ينتج حكماً تأثيرا سلبياً على الوضع الدراسي والتحصيل العلمي”.
في ظل كل هذه الإيضاحات العلمية، تفقد الدولة اللبنانية سيادتها ليس فقط على المستوى الأمني، فحتى اللحظة لم نرَ قراراً واضحاً يحمي طلاب الجنوب وينقذ عامهم الدراسي، ولا وجود لأي خطة تؤمِّن الوضع السليم لكي لا يخسر لبنان أدمغته وموارده البشرية، فمستقبل الجنوب المكوَّن من أطفاله وأدمغته يسقط ضحية مستقبل غزة، من دون قرار دولة واضح وصريح.
نهاية، لعل هذه الطفولة تنجو من ظلم الطغات ومن ظلم القدر والتاريخ، فالجنوب لا يحتمل أن يدفع ثمن صراعٍ لا علاقة له بأصوله وليس له من تأثير على مساره، إنما فقدان قرار الدولة وسيادتها وتسليم ذراع إيران الحدود جعل لبنان ينزف من جنوبه، وللأسف إنه ينزف أطفاله.