لا شك في أن مشروع قيام دولة قادرة في وطن سيد، يتصدر مطالب الناس بحقهم الثابت بالسلامة، والأمن، والعيش الحر، وبسط سلطان القانون على كامل مساحة البلاد، ما يعني تعلقاً بفلسفة البقاء والوجود. كل ذلك يواجه استحضاراً لنقيضه، حرباً تمدمك لتدمير شامل، وتضع لبنان تحت المقصلة، تمهيداً لبسط سلطان أحادية مستبدة تغتال الكيان، وتصعق الهوية، وتمسخ السيادة. من هنا، فالصورة القاتمة الجاثمة فوق رؤوس اللبنانين، خطرها ليس وهماً، خصوصاً في بيئة الذين يسكن الوطن في وجدانهم، انتماءً وولاءً، وحيثية مصير في كيان نهائي، في مقابل منْ انقلبوا على ثوابت الوطن لم يكن، مرةً، وطناً إلا في تخرصاتهم، ليوهموا الناس بأنهم لبنانيون.
وللأسف، هنالك، بعد، عندنا، عاجزون، أو معجزون، عن إدراك الخطر الداهم الذي يتربص بالبلاد، وهم كالواقف أمام الشمس وعيناه مغمضتان، أو مجبرتان على التغميض. وحتى هذه اللحظة، لا يريدون أن يعترفوا بأن قرار زج لبنان بحرب مدمرة من جانب المرتبطين بأجندة لا تمت للبنان بصلة، وبمرجعية هجينة منتدبة، إنما هو تدمير ممنهج للوطن بكيانه السياسي، ومؤسساته، وحريته، ونهائية حضوره، ما يقضي، تالياً، على أبجدية السيادة فيه، ويطعن بالأرض والتاريخ والثقافة، التي تدرجه في هالة التقديس.
إن المجاهرة السافرة بامتلاك قرار الحرب، ليست سوى طلاق إستراتيجي للوطن، وعطب ناجز لعصب الإنتماء والولاء، وسلوك تدميري للهوية الوطنية، وزج سافر للناس في أتون مغامرة قاتلة لا تنفع لتبريرها ذرائع ومسميات. من هنا، فإن النضال لمواجهة هذا السلوك، ينبغي أن يكون غير قابل للتراجع، وهذا، بالذات، ما تتولاه بكركي، على لسان سيدها الذي يجب أن تتكوكب حوله جماعة الأصيلين الذين يعانقون الوطن في مسيرة سرمدية. وما تتولاه بكركي ليس سوى تذكير واضح بمفهوم الأرض السيدة، وأبعاد الكيان النهائي، وبأن الهوية الوطنية تشكل منظومةً إجتماعيةً وأخلاقيةً، وقضية التزام بقيم جوهرية تتنزل في زمن الوطن، وتحدد حقيقة المنتسبين إليه. وأن الولاء سلوك، ونمط حياة، وطموح وجودي، وأساس ترسيخ الفرد بأرضه، وهو معطًى مقدس ثابت ونهائي، ما يبعده عن المراجعة والنقد والتقويم، وعن تشويهه بتفسيرات مستمدة من حفريات الأعراق المنتهية الصلاحية.
إن الصورة قاتمة بشدة، لأن مواقف المستقوين تجر البلاد الى حيث لا يريد أهلها، خراباً، وضحايا، واضمحلالاً للدولة، وسحقاً لبناها، وزعزعةً لكيانها، في مواجهة غير محسوبة مع آلة عسكرية شنيعة رأينا ما نتج عنها في غزة، من إبادة ودمار وتهجير وسفك للحجر والبشر. أما ما يصوغه المغامرون من خطب لتبرير هذه المواقف، فلا يمت الى المقبولية، بافتقاره الى الأخذ بالإعتبار مصلحة الوطن والمواطن، وبغوصه في تركيبات غريبة عن قناعة الناس المؤمنين بالسلام، والحياد، ما يجعل الوطن يقيم في حيثية معزولة عن مصالح أهله، وكأنه أسير في فوهة الإستقواء، والموت.
إن اللحظة الحاضرة هي في منتهى الخطورة، ففي ظل تحكم غير المنتمين الى لبنان بقراره، الذين لا يمحضونه ولاءهم، ويستهينون بمصلحته، يواجه الناس حالةً من الرعب، هي الأشد قساوةً، وسوءاً في تاريخهم، ويسقط البلاد في هاوية الدمار، ويدفع بها الى واقع هو أشد قبحاً من جهنم. إن قرار الحرب الذي يتماهى مع ثقافة الموت، يبرز الحاجة الملحة ليس الى تحفيزات في منشورات، وندوات، وخطب، فحسب، إنما الى تحرك فاعل ومستمر، في الداخل، وفي عواصم العالم، وتنشيط للوبي اللبناني في العواصم الكبرى، لمطالبة الممسكين بالقرار الدولي، صغارهم وكبارهم، وبدون انقطاع، لكي يسرعوا الى فرض حل لمعضلة لبنان، بإبعاد شبح الحرب عنه، بما يتلاءم مع مرتجى أهله بالسلام، والحرية، والطمأنينة الى مستقبلهم…وهذه، بالذات، هي الثوابت التي بني عليها الوطن، ويجب الدفاع عنها، ومواجهة منْ يريد تقويضها، حتى بالقوة…
اقرأ أيضاً: اللهم.. صن آذاننا من شر خلقك
