.jpg)
محمد شقير ـ الشرق الأوسط
لم تحظ الوثيقة الفرنسية، التي قدمها وزير الخارجية ستيفان سيجورنيه إلى لبنان بهدف وضع حد للصراع بين “الحزب” وإسرائيل وتسهيل التوصل إلى تسوية للحدود المتنازع عليها بين الدولتين، بالاهتمام الكافي من قبل لبنان. وفقًا لما ذكره مصدر نيابي بارز لـ”الشرق الأوسط”، فإن قلة الاهتمام لم تكن بسبب عدم وجود توقيع أو تاريخ من جانب فرنسا على الوثيقة، بل بسبب أن الموافقة عليها تعني بشكل ضمني تخلي لبنان الرسمي عن الوساطة الأميركية في هذه القضية. وذلك يؤدي إلى إنهاء دور الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، الذي يعمل على توفير الظروف السياسية المناسبة لبدء تطبيق القرار الدولي 1701، الذي يُعتبر المعيار الأساسي لتحديد الحدود بين لبنان وإسرائيل.
ولفت المصدر النيابي البارز إلى أن سبب عدم مجيء هوكشتاين إلى بيروت، كما كان متوقعاً في ظل ارتفاع منسوب المواجهة بين إسرائيل و”الحزب” والذي يُنذر باحتمال توسعة الصراع على امتداد الجبهة الشمالية بين البلدين، يكمن في أنه لم يتوصل، حتى الساعة، مع تل أبيب إلى تفاهم حول مسوَّدة مشروع لإنهاء الصراع لصالح خلق المناخ المؤاتي لتطبيق القرار 1701.
وأكد أن “الحزب” ليس في وارد المبادرة لتوسعة الصراع. وقال: “نحن لا نريد الصراع، ونقوم بكل ما في وسعنا لمنعه من أن يتمدد من قطاع غزة إلى جنوب لبنان، ولا يمكن خفض منسوب التوتر الذي يسيطر على الجبهة الشمالية، وصولاً للدخول في مفاوضات غير مباشرة مع تل أبيب، برعاية الأمم المتحدة، وبضمانات دولية لتطبيق القرار 1701، ما لم تُوقف عدوانها على غزة الذي سيؤدي حتماً إلى تهدئة الوضع في جنوب لبنان”.
ورأى المصدر نفسه أن باريس تُولي أهمية للورقة التي عرضها وزير خارجيتها على لبنان، وأوفدت فريق عمل من وزارتي الخارجية والدفاع إلى بيروت، للوقوف على رأي لبنان حيال ما تضمّنته من أفكار للتعديل، “لكننا ارتأينا أنه لا مجال للغوص فيها ما دامت تشكل نسخة منقّحة من تفاهم نيسان عام 1996 الذي جرى التوصل إليه مُنهياً العدوان الإسرائيلي على الجنوب تحت اسم (عناقيد الغضب)، فيما لدينا الآن القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي لا يزال دون تطبيق منذ صدوره في آب بعد صراع تموز 2006”.
واعتبر أنه لا مبرر لاستبدال الورقة الفرنسية بالقرار 1701، خصوصاً أن واشنطن، من خلال هوكشتاين، تواجه صعوبة في إقناع تل أبيب بضرورة تنفيذه، فكيف ستكون الحال مع باريس، وهل لديها أوراق ضغط عليها تفتقد إليها الإدارة الأميركية.
وأكد المصدر النيابي أن هوكشتاين لم يُوقف وساطته، وهو لا يزال على تواصل يومي مع بيروت وتل أبيب، لبقاء الوضع في الجنوب تحت السيطرة والحيلولة دون تفلّته على نحو يؤدي إلى توسعة الحرب، رغم أن المواجهة مشتعلة على الجبهة الشمالية، إلى مزيد من التصعيد بلجوء إسرائيل إلى استهداف المدنيين، وهذا ما حصل في المجزرة التي ارتكبتها ضد عائلة في مدينة النبطية.
وكشف أن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي على تواصل دائم برئيس المجلس النيابي نبيه بري، وأطلعه على الأجواء التي سادت اجتماعه بالوسيط الأميركي، على هامش مشاركته في مؤتمر الأمن الذي عُقد أخيراً في ميونيخ بألمانيا، ونُقل عنه تأكيده أن واشنطن ما زالت تضغط على تل أبيب لمنعها من توسعة الحرب في جنوب لبنان، وهذا ما يلتزم به “الحزب” بصرف النظر عن خطاب نصرالله الذي يتوخى منه تحذيرها من استهداف المدنيين الذي سيُقابَل بردّ فعل مماثل.
في حين رأى مصدر بارز في المعارضة أن مصير الوضع في الجنوب بات عالقاً على الوضع الميداني في غزة، والآخر على الجبهة الشمالية.
وبكلام آخر، اعتبر المصدر في المعارضة، وفق قوله لـ”الشرق الأوسط”، أن لبنان يتموضع حالياً في منتصف الطريق، وبات رهينة الوضع الميداني في غزة وشبيهه في جنوب لبنان، ومن ثم لا قدرة للحكومة بأن تقول كلمتها ما لم تكن على تناغم مع “الحزب” الذي يتصرف وكأنه وحده مَن يملك قرار السِّلم والحرب، خصوصاً من مسؤولي الحزب على كل المستويات الذين يقفلون الباب أمام البحث بتطبيق القرار 1701 وتحريك ملف انتخاب رئيس الجمهورية، ما لم تُوقف إسرائيل عدوانها على غزة.
وغمز المصدر في المعارضة من قناة الثنائي الشيعي، وتحديداً “الحزب”، على خلفية إصراره على ربط مصير لبنان بالصراع الدائر في غزة، انطلاقاً من التزامه بوحدة الساحات، وقال إن دعم المعارضة للقضية الفلسطينية لا يعني إقحامه في صراع دون العودة إلى الحكومة التي يُفترض أن تمسك وحدها بقرار السلم والحرب.
لذلك لم يعد أمام الحكومة خيار سوى الرهان على الوساطة الأميركية والتعامل معها على أساس أنها تُؤمّن للبنان سترة النجاة للعبور به إلى بر الأمان، كشرط للانصراف إلى إعادة تحريك الملف الرئاسي الذي يدخل حالياً في إجازة مديدة، ما دام الحزب يعطي الأولوية لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.