#dfp #adsense

تشريع الضرورة بين الواقع والقانون

حجم الخط

تشريع الضرورة بين الواقع والقانون

لا يخفى على أحد الوضع المتردي الذي وصل اليه لبنان إثر الازمات التي مر ولا يزال يمر بها، واخرها الفراغ الرئاسي الذي كلما طالت مدته اكثر كلما زادت الفاتورة التي سيدفعها الشعب والسياسيين معاً. خلال فترة الفراغ الرئاسي هل يجوز لمجلس النواب أن يقوم بأعمال تشريعية تحت حجة تشريع الضرورة؟ وكيف يسير العمل في البلاد في حال عدم التشريع؟

تنص المادة 75 من الدستور اللبناني على “أن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أي عمل اخر”.

انطلاقاً من هذه المادة الدستورية الواضحة والصريحة، اذا اردنا تفسيرها بحرفيّتها كل الاعمال التشريعية التي يقوم بمناقشتها مجلس النواب مخالفة للدستور واحكامه طالما ان سدة رئاسة الجمهورية لا تزال شاغرة. تشريع الضرورة يعني تحجج المجلس النيابي بالضرورات العملية للتشريع حتى ولو لم يتم بعد انتخاب رئيس للجمهورية لكن ثمة حالات تفرض ذاتها وتكون تحت صفة الضرورة القصوى كالتمديد مثلا لقائد الجيش منعاً للفراغ في المؤسسة العسكرية.

على الرغم من انتقاص بعض صلاحيات رئيس الجمهورية واشراك مجلس الوزراء ورئاسته بها بشكل واسع، ان رئيس الجمهورية يبقى رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن ورئيس المجلس الاعلى للدفاع والقائد الاعلى للقوات المسلحة. ان سير الامور بصورة عادية في الدولة في ظل غياب الرئيس وعدم الاكتراث لوجوده من عدمه من شأنه التقليل من أهمية هذا الموقع. استطراداً، نحن هنا نتكلم عن الموقع بحد ذاته وضرورة المحافظة عليه لاستقامة المؤسسات وليس عن طائفة معينة. قد يؤدي ذلك الى تكوين قناعة لدى البعض ان وجود رئيس للجمهورية او عدم وجوده “لا يقدم ولا يؤخر” لأن جميع الامور المتعلقة بالقطاع العام والقطاع الخاص تسير بصورة عادية في الدولة، وكل ما يخالف الدستور والقانون يعتبر استثناء على القاعدة ويتم السير به على هذا المنوال.

لكن على الضفة الاخرى، منذ تشرين الاول من العام 2022 مع انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون والبلد في فراغ رئاسي. صحيح أنها ليست المرة الاولى التي يكون فيها البلد في فراغ رئاسي، لكن هذه المرة قد يكون هذا الفراغ قاتل بسبب وجود ازمة اقتصادية واجتماعية وسياسية مدمرة اضافة الى زعزعة في الوضع الامني وفوضى. من الواضح ان انتخاب الرئيس لن يبصر النور في المستقبل القريب بسبب تعنّت فريق معين. بالتالي يصبح جائز التوسع بتفسير المواد الدستورية وعدم الاخذ بها بحرفيتها كي تتلاءم مع الواقع. وقد يضطر المجلس الى التشريع لا ان يبقى فقط هيئة انتخابية لتسيير امور الدولة والناس. فعندما وضع المشرع هذه المواد الدستوية ربما لم يكن يتوقع ان تطول مدة الفراغ الرئاسي الى مدة غير محدودة، ولم يكن يتوقع ان يتعامل الحكام مع هذا الاستحقاق المصيري بسوء نية. في هذه الحالة ما هو ذنب الشعب اللبناني المسكين؟ كيف تتسيسير امور الدولة والموظفين والعاملين اذا لم يحصل تشريع طوال هذه المدة على ان يبقةى في اطار بالغ الضرورة وليس التشريع لمجرد التشريع.

هذه الاسئلة تبين اصطدام الواقع مع القانون. فالواقع احيانا يفرض نفسه حتى ولو كان مخالفا للقانون. ولكن لا يجوز ايضا دائما مخالفة القانون بحجة الواقع وكيف اذا كان هذا القانون هو الدستور الذي يتصف بالسمو والقدسية! اضافة الى ذلك، الاستثناء اذا يتم وضعه، يتم وضعه لحالة استثنائية ولمدة معينة وليس ليصبح الاستثناء هو القاعدة.

هكذا، مرة جديدة يتبين وجود ثغرات اضافية في الدستور وعدم ملاءمة بعض مواده مع الواقع. الحل بالطبع تعديلها لكن الامر ليس بهذه السهولة. لذلك في الوقت الحاضر هناك حل وحيد يمكن التعويل عليهما، وهو الانصياع للدستور وفتح جلسة انتخابية بدورات متتالية والتشاور على هامشها وصولا لانتخاب رئيس للجمهورية قادر على انتشال البلد من الهوة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل