
منذ 8 تشرين الأول 2023 لم تغب لغة التخوين واسقاطات التهم بالعمالة، عن خطابات وأدبيات وتعليقات المتحمسّين لانزلاق لبنان في لعبة المحاور وتوريطه في فخ الحديد والنار. إنه الحديث المتميز الممتاز بنظر هؤلاء. مع العلم أن آليات التخوين والاتهامات الجاهزة المعلّبة، غالبًا ما تكون مفتقدة للوقائع وواقعة تحت ارتباك “معلوماتي” غير منطقي ونفسي متناقض اصطلح على تسميته المفارقة ـ Le Paradoxe. ولا تخرج كلمة المفتي الجعفري الممتاز الأخيرة عن هذا السياق.
“ما يقوم به الحزب على الجبهة الجنوبية للبنان ضرورة سيادية… الحياد انحياز لصالح الإسرائيلي، والتنديد بأشرف وأهم جبهة هدية مجانية للإسرائيليين وإضعاف علني لموقف لبنان، والكلمة الفصل للميدان، ولا قيمة للسياسات الوطنية والتسوية الرئاسية من دون المرور بجبهة لبنان. لسنا معنيين بأي وعود خارج سيادة لبنان ومصالحه، وما ينتظر تل أبيب لحظة المواجهة المفتوحة سيكسر كل التوازنات، وحذار من الخطأ الإستراتيجي، لأن الأصبع على الزناد”. المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان في 3 آذار 2024.
في العلوم الفلسفية والنفسية يبرز Le Paradoxe ويُعنى به في العربية “المفارقة”، ووفقًا لتعريف الفيلسوف الإنكليزي مارك سينسبري هي: “خاتمة قد تبدو غير مقبولة، مستمدة من فرضيات قد تبدو مقبولة من خلال منطق قد يبدو مقبولاً. يمكن أن تعبر المفارقة عن تناقض خارجي عندما تُناقض معرفة أو فرضية سابقة، أو تناقض داخلي عندما تحتوي نفسها على شيء وعكسه”.
على ما ورد في كلام المفتي قبلان، نحن اذًا أمام “مفارقة” أو “paradoxe” التناقض الداخلي اذ تحتوي نفسها على الشيء وعكسه”، وهذا ما نحن بصدد شرحه وتشريحه.
إن “التناقض الداخلي” في كلمة قبلان مثلًا، يتجلى في متن كلامه فهو بعد أن رأى أن “ما تقوم به المقاومة على الجبهة الجنوبية ضرورة سيادية”، عاد واعتبر أن “لا قيمة للسياسات الوطنية والتسوية الرئاسية من دون المرور بجبهة لبنان”، وفي قراءة لما قال، فإن لا قيمة للسيادة ولا للرئاسة المؤتمنة مبدئيًا عليها، من دون المرور بجبهة لبنان أو ما يقصده بالمقاومة المتمثلة بعتاد الحزب الواحد الحاكم بأمره في قرار السلم والمواجهة العسكرية.
كما أن الـparadoxe الآنف الذكر يتجلّى باعتبار الأغلبية الصامتة على الساحة الجنوبية والشيعية، والأكثرية المعبّرة من مختلف المناطق والطوائف والمشارب، هي متماهية مع العدو الإسرائيلي وناطقة بلسانه وعميلة لمصالحه كونها تطالب بالحياد عن مواجهات المنطقة العسكرية وتندّد بانزلاق لبنان الى مواجهة واسعة مدمرة من دون جدوى وفائدة تذكر، لا على غزة ولا على لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، على ما رأيناه وسمعناه من تصاريح ومناشدات من كل من البطريرك الماروني ومطران بيروت والرئيس السابق ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر والزعماء السنة والدروز ومنهم حليف “المقاومة” وئام وهاب وقسم كبير من الشيعة والدروز.
وparadoxe أحمد عبد الأمير قبلان يتجلّى وينجلي أمام كلام سلفه في الافتاء الجعفري الممتاز، والده الشيخ عبد الأمير قبلان، وفي “وقوعه” سابقًا في مثل ما وقع به “المتّهَمون” العملاء المفترضون الحاليون الذين ذكرهم الممتاز الابن، إذ يقول الوالد السلف مهاجمًا “الحزب” في 12 أيار 1988: “…نصركم يكون بتحرير القدس لا بالسيطرة على ضاحية الضحايا، ولا بالهيمنة على المشردين من الشريط الحدودي ومن البقاع المهمل ومن الضاحية التي نبت فيها الرجال…يا ابناء الضاحية قولوا بصوت واحد لا لقوة الارتزاق ولا للهيمنة المفتعلة، وكلنا يعرف التوجه وأين تصب هذه الأعمال”، كما يقول مؤنّبًا نجله في 31 تموز 1990″…نريد ان نقول للقاصي وللداني أن هناك ظالمًا ومظلومًا وبتقديرنا أن حركة أمل مظلومة ومعتدى عليها والحزب هجم عليها. ليس حركة “أمل” فحسب بل إن الجماهير في الجنوب هي المظلومة ويجب أن يوضع حد لهذه الهجمة على جماهير الجنوب، التي أصبحت تتوق الآن وبشكل قاطع الى وضع حد لهذه الاعتداءات، وقد آن الاوان لهذا الشعب أن يعيش وأن يحيا وأن يستقر بأمان، وهذا الاستقرار لا نراه الا من خلال خروج كل المسلحين… من منطقة اقليم التفاح”.
يبقى أن “الخطأ الاستراتيجي” الذي تحدّث عنه “الممتاز” الابن هو في مخالفة تنبيهات “الممتاز” الأب، وفي مخالفة للمبدأ العام الذي يقول بـ”عدم جواز الكيل بمكيالين”، وفي مخالفة شرعية لكلام الكتاب المقدس انجيل لوقا 41:6، “لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟”… وفي ما نقل من حديث نبوي شريف عن أبي هريرة: “يُبصِرُ أحدُكم القَذاةَ في عَينِ أَخيه، و يَنْسَى الجِذْعَ أو الجِدْلَ في عَينِه مُعتَرِضًا”.
.jpg)