
الحديث عن صراع محورين راهنًا ليس سوى حقيقة لا يمكن القفز فوقها. أمّا ربط المحور المواجِه لمحور إيران بالسفارة الأميركية والصيفي ومفوضيّة اللاجئين وسفارة الاتّحاد الأوروبي ونحو مئتي جمعيّة، فهو محاولة ساقطة تسخيفيّة نابعة من نشوة وهج ووهم القوّة. هذا الشعور الاستعلائي أعمي بصيرة محور الممانعة المزعومة، تجاه المكونات اللبنانيّة الأخرى، حتّى بات لا يرى سوى صورته وحده. ومن لا يشبه هذه الصورة، تستحضر كلّ صفات التخوين والعمالة لتلصق به. لكأنّ هذا الفكر الصفوي لا يرى في مواجهته سوى الفريق المسيحي السيادي في لبنان. فهو يتعمّد تجنيب باقي المكوّنات الحضاريّة التي لا تتوافق مع مشروعه. وبذلك محاولة ساقطة منه ليفكّ عزلته. وهو الذي بات معزولًا تجاه المكونات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة، في مشروعه الممتدّ من الضاحية إلى طهران. فمن الذي يمنع الجيش اللبناني من أداء مهامه في الجنوب وفي لبنان كلّه؟ ومن الذي يصادر قرار المواجهة العسكرية والسلم؟ ومن الذي يتلاعب بالقضاء لدرجة تجريده من هيبته المطلقة؟ ومن الذي عاث فسادًا وخرابًا ودمارًا في الهيكل المؤسساتي للدولة؟
المطلوب صيغة جديدة اتّحاديّة – حياديّة
ألم يحن الوقت للتفكير بعقلانيّة وليس بغرائزيّة مذهبيّة للذهاب نحو صيغة جديدة اتّحاديّة – حياديّة من دون التماهي مع مطالب المحاور المتصارعة في المنطقة؟ فما هو الأخطر بالنسبة إلى “الحزب” وحلفائه: الضربات التي ممكن أن تطال لبنان من كلّ حدب وصوب ردًّا على وحدة المسار والمصير، أم خطر توطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين بعد توصّلهم إلى تدمير هيكل الدّولة اللبنانيّة ومؤسساتها بالكامل، فتصبح هذه الشروط لاستعادة الدّولة؟ أم حلمهم بدولة عنصريّة تمتدّ من الساحل العلوي شمالًا مرورًا بالبقاع الشرقي فالقصير السوري وصولًا حتّى الجنوب اللبناني ظنًّا منهم أنّ هذا ما قد يضمن لهم الوجود الذي لم يعد يتّسعهم في رحاب الكيانيّة اللبنانيّة؟
أمام هذه المخاطر التي إن وقعت، لن تُضمن أيّ سيرورة للمكوّن الشيعي لأنّ وجوده هو منبثق من عمق الحرّيّة الكيانيّة التي نبعت من التقاء الجبلين: جبل عامل وجبل لبنان. وهذا ما شكّل فرادة القاعدة اللبنانيّة التي ضمّت المدن الساحليّة والبقاع، وتماهت مع العمق العربي الحيوي الذي لا يمكنها أن تحيا بعيدًا منه. حتّى لو كان الارتباط إيديولوجيًّا. فلا يمكن لأيّ كيان يتمّ اصطناعه مستقبلًا بعد التسويات الكبرى أن يعيش لأنّه سيتحوّل إلى قوقعة انعزاليّة لن تستمدّ أوكسيجينها إلّا من الدّولة العنصريّة التي تشبهها أيّ العدو الاسرائيلي. من هنا، تقرأ أدبيّات هذا المحور السياسيّة – المصطَلَحيّة حيث أعلن عداءه لإسرائيل، ووقّع السلام الصامت معها في الناقورة، وأعلن صمته المطبق عن الجولان وانتهاك الأراضي السوريّة ليل نهار. فضلًا عن بيعه قضيّة استهداف مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 وطمسه التحقيق في هذه القضيّة، واستصداره أحكام البراءات المصطنعَة مؤخّرًا بعد تيقّنه من أنّه سيقبض هذا الثمن.
هل هذا ما يريده جمهور الممانعة؟ كيف يرضى هذا الجمهور العقلاني والوطني والذي يقدّم فلذات أكباده ضحايا على مذبح المصالح الدّوليّة، ويرفعهم فداء للقضيّة الفلسطينيّة، أن يتمّ استغلاله عقائديًّا وتقدمته أضحية ثمينة؟ وإلى متى ستبقى أولويّة هذا الجمهور التصفيق لخطاب تعبويّ تبعيّ غير منطقيّ، يدعو إلى رمي إسرائيل في البحر طوال أربعة عقود، وعندما تسنح له الفرصة بذلك، يعلن صبره الاستراتيجي؟ ويأتي بفلذات الأكباد ملفوفين بأكفان الشهادة وعلى طريق القدس؟ أوليس هذا وحده الدليل الصارخ على عدم وجود لبنان في فكر هؤلاء؟
الخطاب العقلاني
وحده الخطاب العقلاني الذي تحمله النّخب المنفتحة من هذا المكوّن يستطيع أن يبني مجتمعًا يريد الازدهار والرفاهية بعيدًا من الانعزاليّة الايديولوجيّة والمذهبيّة، ومن كلّ موجات الفتن التحريضيّة والعدائيّة والتخوينيّة لمَن يختلف معه في الرأي السياسي. فلا بدّ من عمليّة ثورة فكريّة حقيقيّة لاستنهاض هذا العقل، وهو موجود بوفرة، بهدف البناء على المشترَكَات الوطنيّة معه. وحدها عمليّة الانفتاح هذه والعودة إلى الدّولة تضع هذا المكوّن بوضعيّة رابح رابح. فهو سيكون خاسرًا لو قرّر أن يتشارك يومًا في وطن ما مع مَن يظنّهم يشبهونه بالعقيدة الصفويّة التشيّعيّة. ولنا مع هذا المكوّن الذي يقضي على شعبه منذ أكثر من عشرة سنوات خير دليل على الطريقة التي سيتعامل بها مع الذين يخطّطون للبناء معه، تماهيًا مع مشاريع الأوطان الموعودة في شرق أوسط جديد. فهل مصلحة “الحزب” وحلفائه اليوم تكون بإيجاد هذه المساحات المشترَكَة على قاعدة الحوارات الثنائيّة، أم انتظار التفاهمات الخارجيّة ليتمّ تبليغها بما يجب أن تلتزم به وإلّا…؟
فالمعادلة التي أطلقها العلامة السيّد علي الأمين التي تقوم على تحديد لبنان الوطن: الجغرافيا + التاريخ + الانسان هي التي تعطي الصورة الواضحة عن لبنان المستقبل. الذي لا يمكن أن يكون مساويًا إلّا للحرّيّة كما قال المفكّر شارل مالك. هذه هي المواقف الشجاعة التي يتمّ البناء على أسسها المتينة. وليس تلك التي تصدر مبايعة من هنا أو من هناك خوفًا من أن تقف في مواجهة هذه المنظّمة بما تحمله من فكر ومشروع في لحظة حربيّة غير مؤاتية. حريّ بهؤلاء كلّهم أن يمارسوا على أنفسهم الصمت الاستراتيجي، فالوقت اليوم ليس للكلام بل للعمل الدّؤوب بهدف استعادة الدّولة. هذه الدّولة التي يبشّر بها العلامة الأمين التي يجب أن تكون “انعكاسًا لصورة الوطن، وليست انعكاسًا لأيجديولوجيا خاصّة بفئة، فإذا كان الوطن للجميع فالدولة ينبغي أن تكون للجميع، وضرورة الدّولة كمؤسسة هي نابعة من حاجة الوطن والمواطن لها، وليست هذه الحاجة مقصورة على فئة دون أخرى”.
المزاج الشيعي الممانِع
لدى الثنائي الشيعي قدرات ماليّة تنظيميّة استطاع تكوينها من مصدرين: الأوّل هو الدّولة اللبنانيّة بعد سطوته على مؤسّساتها وتوظيفاته العشوائيّة في إداراتها؛ والثاني من الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران بحسب ما أعلن امين عام “الحزب” في أكثر من مناسبة. وبالتفصيل يتبيّن أنّ جمهور حركة أمل هو الذي انخرط في صلب الدّولة مقابل أنّ لجمهور “الحزب” مؤسّساته التي تؤمّن له شكلًا من أشكال الاكتفاء الذاتي. ولكن بعد إفلاس الدّولة الذي نتج عن ممارسات هذا المحور الحاكم، باتت تطرح بجدّيّة في أوساط الثنائي مدى الحاجة إلى الدّولة اللبنانيّة بشكل عام. فيما يفترَض بالمشاركة في المؤسسات أن تكون مشاركة استراتيجيّة على قاعدة البناء لا الهدم. ولعلّ هذا ما جعل الفريق السيادي المسيحي بأن يتّخذ القرار بعدم الدّخول في هذه اللعبة الرخيصة التي استشرف نتائجها. مقابل قصور في الرؤية العونيّة التي مدّت يد العمالة لمحور إيران، مع وجود بعض الفطريّين الذين نبتوا على مخلّفات الاحتلال السوري، وما زالت بعض فلولهم حتّى الساعة تصارع طواحين الهواء.
المطلوب تواضع وطنيّ
أخيرًا وليس آخرًا، يمكن لهؤلاء أن يلعبوا دور النّعامة وألّا يروا موجة التغيير الجيو – اقتصادي القادمة إلى المنطقة. ويمكن لهم أن يعتبروا أنفسهم أنّهم آلهة في ثياب بشر، ويمكن لهم أن يصوّروا تكنولوجيا الغرب بأنّها ساقطة أمام صلابتهم في الميدان، ويمكن أن يخرجوا بعد قضاء نصف شعبهم ودمار بيئاتهم الحاضنة ليقولوا أنّهم حقّقوا نصرًا إلهيًّا، ويمكن أن يكثّفوا جهودهم الفكريّة في مراكز الأبحاث في الغرب ليظهروا أنفسهم منتصرين، لكن ما لا يمكنهم التغاضي عنه هو هذا المستوى المعيشي المزري الذي وضعوا بيئتهم فيه، وفرضوه على الشعب اللبناني ككلّ. فهذا التكتيك السياسي الذي نجحوا بخداع جمهورهم فيه طوال أربعة عقود لن يدوم إلى الأبد لأنّ الحقيقة واضحة. فقليل من التواضع كفيل بإعادة الحياة بكرامة.
فالطامحون إلى شيعيّة سياسيّة ما سقطوا حتمًا في أخطاء الآخرين. فالزمن اليوم لم يعد زمن الهيمنات المذهبيّة. لأنّ العالم لا يحكم إلّا وفقًا لقواعد احترام الآخر والتعدّديّة لأنّها قاعدة الخلق الأولى. وكلّ ما ينافي وجودها لا يمكن أن يكون له أيّ وجود. والسؤال العقلاني الذي يجب أن يطرحه عقلاء جبل عامل: هل يكرّرون أخطاء المكوّنات اللبنانيّة الأخرى عبر التّاريخ فقط ليأخذوا دورهم في الحكم؟
وهم للحقيقة قد أخذوا هذا الدّور من العام 2008 وحتّى اللحظة. وجلّ ما نجحوا به هو إسقاط الهيكل على رؤوس مَن فيه. فالمكابرة والاستعلاء والتهديد والترهيب لم تعد نافعة بوجه مَن لا يهابون القضاء على الجسد لأنّ أرواحهم تبقى حيّة.
لا فراغ فكريّ في المكوّن الشيعي. فوجود الأعلام والمفكّرين اليوم أكثر من ذي قبل. وإلاّ لماذا تمّ اغتيال لقمان سليم؟ أوليس لأنّه صوت مزعج من داخلهم؟ وأمثاله كثر. فالندوات والحوارات تعقد في الجامعات. والناشطون السياسيّون يثبتون ذواتهم في أيّ لحظة انتخابيّة توفّر لهم. ولكن ما مِن ضرير أكثر من الذي لا يريد أن يبصر. وما من بصير أكثر من الذي يريد أن يبصر. مع ذلك، لا بدّ من مواصلة مخاطبة العقلاء من أينما انبثقوا. فالمنطَلَق هو الكيانيّة اللبنانيّة. فجبران تويني عندما رُفِعَ شهيدًا إنّما رفع “دفاعًا عن لبنان العظيم”. يكفي أن يتّعظ هؤلاء من هذه الشهادة ليدركوا أنّنا نسير قوافل قوافل ليبقى لبنان. أما آن الأوان لأن يستيقظ الممانعون؟