خاص – بين “الحد الأدنى” والحاجة.. مجتمع لا يعرف النوم

حجم الخط

المجتمع

لنخرج اليوم من حدود “الورقة” ومن فن السياسة وأرقام الاقتصاد، لنخرج من القفص الدراماتيكي الذي يحكم الحبر والورق وأحكم جذوره في الفكر حتى تمكن من نقل المجتمع من خانة “الثورة” إلى وضعية “التأقلم”. هذا التأقلم الذي إذ ارتقى إلى مستوى “تقبل الظلم” بات اسمه “عبودية”. الجرأة تبقى أن نخرج لتكون النتيجة رؤية واقع لا تنقله الشاشات الصغيرة، ولا تراه أنت عندما تقلب الـREELS مساءً. هذا الواقع موجود ولذلك اسمه “واقع”، ليس غريباً وليس خيالياً، إنه قدر الكثيرين الذين لا تسمعون بهم بين إعلانات المحافل ولا ترونهم في زحمة المقاهي.

هي عائلة من خمسة أفراد، ثلاثة منهم تلاميذ مدرسة، ومسكنهم بيت صغير بـ”الإيجار” في أزقة تلك المدينة. هم أفراد يعيشون ويأكلون. هم أطفال في كل صباحٍ لديهم “صف” وكل منهم يحمل “زوّادة”. هم عائلة إن جمعنا حاجتها الشهرية بين إيجار ومأكل ومشرب وتنقّل فقط!!! نصبح أمام رقمٍ أعلى بأشواط من أدنى حدٍّ للأجور.

على قيد الحياة؟. نعم. كيف؟. ليل الأب كنهاره لا يعرف من الحياة سوى العمل لكي يصل في آخر شهره إلى تعادلٍ غير متكافئ مع الحاجة الدنيا.

هذا ليس نثراً لحكاية.. هذا واقع لا مهرب منه، إذ أنه حال الكثير من الأحياء والأشخاص والعائلات التي لا تراها شاشة الخليوي أو story الـ instagrame والتي تعمل بجهدٍ وكدٍّ لتبقى على قيد الحياة.

بات الواقع المخفي يطرح نفسه. ما قيمة الحد الأدنى ما دام أدنى بأشواط من حاجة العائلة؟ وهل تسلم الحياة من نتائج الظلم الاجتماعي الاقتصادي أم أنه يتجلى بصورٍ وآفات مختلفة؟

لننطلق من إحدى المقولات المتعارف عليها في فلسفة المجتمع والدولة، “إن كنت تقاضي الموظف أجراً تعلم مسبقاً أنه لا يكفيه مأكلاً، فأنت تخلق منه فاسداً”. بالتالي، لا يمكن التكلم عن الأمن الاجتماعي طالما الظلم يستشرس في المجتمع بكل كيانه.

في هذا السياق، وخلال جولة لفريق موقع القوات اللبنانية الإلكتروني على الأرقام الموجودة في السوق والمتعارف عليها، تبيّن أن إيجار منزلٍ بلا “فرش” يتراوح بين 250$ و600$ بحسب الموقع الجغرافي، أي من ضواحي بيروت صعوداً، إذ أن الأرقام في بيروت مشتعلة وتتخطى الحد المطروح. كما أن كلفة العيش الشهري لعائلة مؤلفة من خمسة أفراد تتخطى الـ300$، وهذا ما تبيّن خلال جولة على المحلات التجارية الكبرى للتحقق من أرقام الحاجات الأساسية، كالزيت والغاز والحبوب وغيرها. بالإضافة إلى كلفة المحروقات الشهرية وصولاً إلى كلفة التعليم. هذا ونحن لم نتكلم بعد عن أرقام الكماليات التي باتت بالنسبة لهذا المجتمع حلماً بعيد الأمد.

بالتالي، كيف لموظف قطاع عام أو حتى قطاع خاص أن يتحمّل كلفة عيش تتراوح بين 550$ و1000 إلى 1200$ لعائلة؟ (هذه الأرقام طبعاً ليست حصراً). مع الإشارة إلى أننا نتوجه في الدراسة إلى الشريحة الكبرى من المجتمع، أي إلى موظفي القطاع العام وأكثرية موظفي القطاع الخاص باستثناء من أبرموا العقود مع الشركات الأجنبية والشركات الكبرى.

لا بد من التطرق إلى أن هذه الأرقام تأتي في ظل أزمات تتحكم بالبلاد، وفي ظل أوضاع اقتصادية وأمنية استثنائية. إنما الإشكالية الكبرى تبقى أن الدولة افتقدت لمعاييرها، فلا نجد أي طرحٍ واقعي منطقي يحاكي بالأرقام الحالة العامة التي يعيشها الشعب اللبناني. نذكر أن من آخر هذه الطروحات سلسلة الرواتب المعدلة منذ أيام، والتي قدت أرقاماً بعيدة نسبياً عن الحاجة الحقيقية. كذلك ملف “الإسكان” الذي من المحتمل أن يشهد انطلاقة جديدة بين حزيران وتموز، إنما يشترط القرض سند معاشٍ بقيمة 1200 دولار أميركي، وبالتالي عدنا إلى النقطة الأولى. هذا الواقع يخلق في الكثير من الأحيان تطرفاً أمنياً وكسراً لحواجز الأمن الاجتماعي والاتجاه إلى الكثير من الأعمال الممنوعة لكسب الأرباح.

نستشهد بمقولة مارتن لوثر كينغ جونيور “الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان”، ليتضح من هذه المقولة العلمية أن وجود طبقة معينة من المجتمع في حالة “فقر وعجز” لا يعني أن المجتمع الباقي بسلام، ويُستمد من هذه المقولة الكثير من الشرح والتفصيل. وفي مقابلة لفريق موقع “القوات” مع المختصة بعلم الاجتماع نتالي أبو يونس، تبيّن أن “الوضع الاقتصادي الرديء يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الأمن بطرق عدة. على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي البطالة المرتفعة وقلة الفرص الاقتصادية إلى زيادة مستويات الجريمة، حيث يلجأ البعض إلى السرقة والتجارة غير المشروعة كوسيلة للبقاء على قيد الحياة”.

تضيف: “كما يمكن أن يؤدي نقص الدخل إلى تزايد التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مما يزيد من احتمالات الصراع والعنف. وقد يؤدي الوضع الاقتصادي السيء إلى زيادة التطرف والتشدد، حيث يبحث الأفراد عن مصادر للتحول والانتقام، وقد ينضمون إلى جماعات متطرفة أو ينتهجون أفكارًا متطرفة كوسيلة للتعبير عن استيائهم وغضبهم تجاه الوضع الاقتصادي”.

أخيراً، لعلّ هذه الكلمات أضاءت على واقع شارع وعائلات نكبها الزمن وجعلها على هامش الحياة، لأن هناك مسؤولاً غاب وشاشة لا تظهر سوى أرباب العملة، فتأتي هذه الوقائع استذكاراً لضرورة وضع الرؤية الوطنية الحقيقية المستقلة التي تعيد هيكلة النظام الاقتصادي الاجتماعي، ليس بهدف المساواة في الرواتب، إنما بهدف “العدل الاجتماعي” أساس البناء والتطور.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل