48 عامًا على ولادة الجبهة اللبنانية.. “الحرية والإنسان” لتصويب البوصلة

حجم الخط

الجبهة اللبنانيةالجبهة اللبنانيةالجبهة اللبنانية

كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1750 

بعد مرور 48 عامًا على الجبهة اللبنانية التي انطلقت في 31 كانون الثاني 1976، تبدو الأهداف عينها منذ تلك السنة وحتّى يومنا هذا. الجبهة اللبنانية هذه، ضمّت الإنتلجينسيا المسيحيّة، تحت عباءة الرّهبنة اللبنانية المارونيّة، وهدفت إلى ضبط أداء الأحزاب المسيحيّة ومنعها من التفرّد بالقرار المسيحي. اليوم وبعد كل التجارب التي مررنا بها، تبدو الحاجة ملحة إلى إطار جبهويّ يحمل المشروع نفسه.

تختلف التسميات من زمن إلى آخر، لكنّ الحاجة هي نفسها. فلا يمكن العمل السياسي في لبنان إلا انطلاقًا من القاعدة المؤسّساتيّة. أيّ تجمّع سياسي لا يتّخذ إطارًا مؤسّساتيًّا له يسقط مع الزّمن. والتّجارب عديدة وما نعيشه اليوم بعد ثورة 17 تشرين خير دليل. والإطار المؤسّساتي يصبح أكثر صلابة عندما ينخرط في إطار أكبر منه، إطار جبهويّ يقوم على تبنّي القضيّة الوطنيّة التي وحدها تؤمّن له سيرورة عمله السياسي، وصيرورة مشروعه الوطني. وما لا يمكن القبول به تكرار تجارب الأمس الفاشلة، وإسقاط تلك التي أثبتت نجاحها. ولا يمكن الاستمرار في بناء أيّ نجاح سياسي على فشل الخصوم؛ لأنّه بلحظة نجاح هذا الخصم بتحقيق أيّ خرق، وليس بالضرورة أن يكون خرقه نجاحًا، سيكلّف ذلك حتمًا مسارًا تصويبيًّا قد يطول  أمده. ولعلّ ما حصل بعد تسونامي الانتخابات النيابيّة في العام 2005 هو خير دليل على هذه النّظريّة. حيث كلّف ذلك مجتمعنا المسيحي مسارًا نضاليًّا امتدّ حتّى أيّار من العام 2022 ليتمّ تصويب البوصلة من جديد. بمعنى آخر، 17 عامًا من عمر الوطن تمّت إضاعتها لإعادة البوصلة حيثما وجب من الأساس أن تكون.

الجبهة اللبنانيّة من مسار التغيير إلى المقاومة

بعد 48 عامًا على الجبهة اللبنانية التي انطلقت في 31 كانون الثاني 1976، من دير الكسليك تحت عنوان “جبهة الحرية والإنسان” ليتغيّر اسمها بعد سنة، في الشهر نفسه، وعلى إثر “خلوة دير سيدة البير” عام 1977 إلى “الجبهة اللبنانية”، تبدو الأهداف عينها منذ تلك السنة وحتّى يومنا هذا. تمّت مقاربة طرح نظام جديد للبنان يقوم على قاعدة فدراليّة تؤمّن حرّيّة الهويّات المجتمعيّة للمكوّنات الحضاريّة. ولقد اتّخذت هذه الطّروحات المبدأ الإثني الطائفي لأنّه جوهر الخلاف اللبناني – اللبناني. لكنّ الظروف التي رافقت هذه المرحلة حتّمت انصراف هذه الجبهة إلى العمل المقاوماتي المسلّح لاستعادة الدّولة من المحتلّين والغزاة وقتذاك، الذين أرادوا جعلها وطنًا بديلًا لهم.

كانت الجبهة اللبنانية تضمّ الإنتلجينسيا المسيحيّة، تحت عباءة الرّهبنة اللبنانية المارونيّة، التي هدفت من تبنّيها هذا الاطار الجبهويّ إلى ضبط أداء الأحزاب المسيحيّة ومنعها من التفرّد بالقرار المسيحي، من دون أخذ الآراء الأخرى الموجودة في المجتمع المسيحي بالاعتبار، وبخاصة آراء أصحاب الاختصاص، على حدّ ما ورد في مذكرات الأباتي بولس نعمان نقلًا عن الأباتي شربل قسيس.

وقتها كان الرّئيس كميل شمعون، الملك، رئيس حزب الوطنيين الأحرار، “بطريرك” الجبهة ورئيسها، وضمت رئيس حزب الكتائب بيار الجميّل والرئيس سليمان فرنجية وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني وشاكر أبو سليمان وإدوار حنين وجواد بولس وفؤاد الشمالي وسعيد عقل، والأباتي شربل قسيس إضافة إلى العديد من قادة الرأي المسيحيين الذين شكّلوا عماد اليمين المسيحي بوجه اليسار الذي جنح نحو الأفكار اليسارو – عروبيّة، متّخذًا من القضيّة الفلسطينيّة شمّاعة وجوده.

 

اختلاف وجهات النّظر وتعطيل المشروع

المعروف عن تلك المرحلة أنّ أقطاب هذه الجبهة لم يتوصّلوا إلى مشروع واحد يجتمعون حوله. فمنهم من تبنّى الطرح الفدرالي كالرئيس شمعون، ومنهم من رفضه وتمسّك بالطرح المركزي كالشيخ بيار الجميّل. ولعلّ هذا ما أضعف قدرة الجبهة سياسيًا يوم أعلن الرئيس الشهيد بشير الجميّل موت الصيغة اللبنانيّة كما كانت، في إشارة منه إلى تبنّي الطرح الفدرالي، ليعود بعد وصوله إلى سدّة الرئاسة ويطلق شعار لبنان الـ10452 كلم2.

واليوم بعد الفشل بتطبيق الطائف الذي أوصلنا إليه مَن دمّر بالتواطؤ مع المحتلّ السوري النّواة الاتحادية ـ الحيادية التي كان من المفترَض أن تحقّق حلم الجبهة اللبنانيّة الذي استشهد في 14 أيلول 1982، تبدو الحاجة إلى إطار جبهويّ يحمل المشروع نفسه، ولكن بتوافق داخليّ، من دون أيّ خلاف حول ضرورته، لاستعادة القدرة على بناء هذه النّواة. فالدّافع الذي أدّى إلى استنهاض هذه الفكرة كان سقوط السيادة اللبنانيّة على يد منظّمة التحرير التي صادرت السيادة اللبنانيّة عبر سيطرتها على قرار الحرب والسلم فيها من خلال اتفاق القاهرة في العام 1969؛ هذا الدّافع هو نفسه اليوم، ولكن مع فريق لبناني، أخرج نفسه بنفسه من صلب الكيانيّة اللبنانيّة.

أعني هنا منظّمة “الحزب” التي استطاعت إخراج جزء كبير من المكوّن الشيعي من صلب الكيانيّة اللبنانيّة بعد نجاحها بالتواطؤ وبالتّكافل والتضامن في السيطرة على السيادة اللبنانيّة، عبر استئثارها بقراري الحرب والسلم. هذا فضلًا عن اعتمادها النّهج الاستيطاني الديمغرافي نفسه الذي اعتمده العقل الصهيوني للسيطرة على أكبر رقعة جغرافيّة من دولة لبنان الكبير.

 

الحاجة أمّ الاستنهاض الجبهويّ

هذا كلّه يستدعي اليوم إعادة التفكير بشكل جدّيٍّ باستنهاض الإطار الجبهويّ نفسه، لأنّ الخطر الوجوديّ هو نفسه، ولكن هذه المرّة بأيادٍ لبنانيّة تخلّت طوعًا عن انتمائها اللبنانيّ لصالح انتمائها الإيديولوجيّ الأكبر. وما يساعد أكثر اليوم في نجاح هذا المشروع هو أنّ منظّمة “الحزب” نجحت في بناء كونفدراليّتها الخاصّة وهي تعمل تباعًا على قضم ما تستطيعه عبر السنين، ديمغرافيًّا وعقاريًّا ومؤسّساتيًّا في صلب تركيبة الدّولة اللبنانيّة، أي الجمهوريّة الثانية. وأيّ فريق يطالب حتّى بتطبيق اللامركزيّة المنصوص عليها في الدّستور، يخوّن و”يؤسرَل” و”يؤمرَك”.

لعلّ ذلك ما يجب استثماره بشكل جدّي من القوى المسيحيّة بشكل خاصّ ومن تلك السياديّة بشكل عام. والفارق الوحيد بين الأمس واليوم أنّ إطار الجبهة اللبنانيّة الجديد لن يقتصر على اليمين المسيحي في مواجهة اليسار اللبناني كلّه، بل سيتشكّل هذا الإطار من كوكبة من اللبنانيّين، يجسّدون الانتماء الكِياني اللبناني للكيانيّة اللبنانيّة وحدها، ويتنوّعون في انتماءاتهم الحضاريّة منطلقين من روحيّة التعدّديّة الحضاريّة الطوائفيّة اللبنانيّة. بينما الذي سيواجه هذا الإطار الجبهويّ لن يكون يسارًا متعوربًا، إنّما هو محور اصطلحوا هم على تسميته زورًا بمحور المقاومة، فيما هو محور العمالة الإيرانيّة لنشر الصفويّة الشيعيّة في لبنان، بدل الجعفريّة الشيعيّة التي انطلقت من جبل عامل، لتدخل وقتذاك في صلب الكيانيّة اللبنانيّة. والهدف هو إخراج هذا المكوّن من صلب هذه الكيانيّة بعد نجاح هذا الفكر المستورد بوهمه بالانتماء إلى ما هو أكبر من لبنان.

فالخلاف في الجبهة اللبنانيّة بين الفدراليّين والمركزيّين هو الذي أسقطها؛ أمّا اليوم فالرؤية باتت أوضح بكثير. ما من عاقل يطالب بالاحتفاظ بمركزيّة الدّولة اللبنانيّة إلّا لأنّه حتّى الساعة يغرف من خيراتها ومن جيبة غيره. لذلك، حتّى لو لم تتبنَّ المكوّنات اللبنانيّة كلّها بشكل علني الطرح الفدراليّ، حتّى الساعة، لا أعتقد أنّ أيًّا من هذه المكوّنات قد يرفض أن يتمّ مأسسة حقّه في عيش قناعاته الحضاريّة في إطار مؤسّساتيّ سياسيّ جغرافيّ يضمن له الاستقرار على الاستمرار في صلب تركيبة الكيانيّة اللبنانيّة؛ ليعيش هذا التنوّع في الوحدة وهذه الوحدة في التنوّع.

 

موت الفكرة البشيريّة مع بشير

هذا ما يدفعنا إلى الإعلان جهارًا بموت الفكرة البشيريّة أي لبنان الـ10452 كلم2 كما تمّ إطلاقها واستغلالها بهدف الاستئثار والاستيطان الجديد؛ تحت ذريعة التعامل والصهينة والحفاظ على القضيّة الفلسطينيّة، فيما الهدف الحقيقي هو تغيير الكيانيّة اللبنانيّة برمّتها. فلبنان سيبقى 10452 كلم2، وهويّتنا الكيانيّة ستبقى كما هي، ولكنّ ما يجب أن نصل إليه هو هذه الصيغة الجديدة التي تضمن لنا جميعًا أن نعيش حرّيّتنا. من هنا ضرورة إستعادة الجبهة اللبنانيّة بانطلاقتها الأولى؛ عنيت هنا “جبهة الحرّيّة والإنسان” وليس الجبهة اللبنانيّة كي لا تتكرّر أخطاء الماضي.

نرفض أن يقول بعضهم إنّ اللبنانيّين لا يتشابهون. بل الحقيقة في مكان آخر. جزء من اللبنانيين الذين تخلّوا طوعًا عن لبنانيّتهم هم لا يشبهون إخوتهم الكيانيّين. ولسنا مستعدّين بعد لانتظار شفاء هؤلاء من عمليّات الغسل الدّماغي التي تعرّضوا لها خلال أربعة عقود. إن هم أرادوا عيش قناعاتهم هذه في إطار لبنان 10452 كلم2 الجديد، فهم حتمًا في صلبه؛ ولكن أن يقولوا لنا احملوا صليبكم وهاجروا. فهذه لعمري آخر ساعات البشريّة كلّها!

 

جبهة الحرّيّة والإنسان 2024 … دقّت ساعة الحقيقة

جبهة الحرّيّة والإنسان 2024 ستضمّ كلّ لبنانيّ كيانيّ يؤمن بلبنان الجديد. والكياني لا ينتمي إلا إلى الكيانيّة اللبنانيّة، ويحتفظ بهويّته الحضاريّة لنفسه ليعيش قناعاته بينه وبين الخالق في العلاقة العموديّة التي تجمعه به وحده. وليعيش العلاقة الأفقيّة مع أخيه اللبناني الكياني الذي تجمعه به هذه الصيغة الكيانيّة.

قادتنا مطالبون بإعلان هذه الجبهة اليوم قبل الغد للحفاظ على ما تبقّى. والإطار الجغرافيّ الديمغرافيّ موجود، لا بل لقد اتّسع نتيجة اقتناع قسم أكبر من اللبنانيّين بانتمائهم الكياني الذي يغلب الانتماء الاثني التنظيمي فقط. واليوم نحن أمام فرصة حقيقيّة للوصول إلى ما طرحه شارل مالك وكميل شمعون وأمثالهم ووُجهوا وقتذاك بالرّفض. والطريق إلى ذلك عبر جبهة الحرّيّة والإنسان 2024. فهل تجرؤ القيادات السياديّة على تبنّي هذه المبادرة؟ أم أنّ الشعب الكياني سيطبّقها وحده على الأرض بحكم الأمر الواقع المفروض؟

إقرأ أيضًا

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل