
ترخي المواجهات الحاصلة في الجنوب بثقلها على الواقع الاقتصادي في لبنان، المأزوم أساساً بفعل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ العام 2019، فأتت هذه المواجهات لتعمّق الأزمة التي تعاني منها مختلف القطاعات أكثر، ومن بينها القطاع السياحي، خصوصاً الفنادق، والذي يمرّ بأصعب ظروفه حالياً. فبعد الانتعاشة المؤقتة خلال فترة الصيف الفائت التي شكّلت جرعة أوكسيجين ساعدت القطاع السياحي على الصمود، طارت تلك الجرعة مع اندلاع المواجهات على جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول الماضي، وأكثر ما تطاول الأزمة قطاع الفنادق الذي يعاني من شبه “موت سريري” حالياً.
سريعاً انعكست المواجهات في الجنوب على الاقتصاد، وأول القطاعات المتأثرة كان القطاع السياحي، خصوصاً لناحية الحجوزات في الفنادق التي ألغي معظمها تباعاً مع تطور الأحداث والتصعيد المتدحرج في الجنوب. وليس سراً أن قسماً كبيراً من الفنادق اضطر للاستغناء عن عدد من موظفيه بعد اندلاع المواجهات في الجنوب، ويتردد أن دفعة جديدة ضمَّت أعداداً كبيرة من الموظفين في القطاع السياحي صُرفت من العمل قبل فترة وجيزة، فيما تتحدث معلومات عن لوائح صرف جديدة لدفعات أخرى من موظفي القطاع السياحي، وتحديداً من موظفي الفنادق شبه الخالية، تستعد للانضمام إلى اللائحة.
الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية في لبنان جان بيروتي، يوضح أن “القطاع السياحي، خصوصاً على مستوى الفنادق لا المطاعم، يرتكز على الزوار والسياح من الخارج، بالإضافة إلى قطاعات تأجير السيارات والشقق المفروشة وغيرها. هذه القطاعات ترتكز على الوافدين من خارج لبنان، لا على الذين يعيشون في البلد ويخرجون إلى المطاعم وأماكن السهر والترفيه إذ تصلهم أموال من الخارج من أحد أفراد العائلة الذي يعمل خارج لبنان”.
بيروتي يؤكد، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الواقع الذي نعيشه في لبنان منذ 5 أشهر، ودخلنا اليوم في الشهر السادس، وضعنا في أزمة كبيرة جداً”، كاشفاً عن أن “ما يحصل كلَّف القطاع السياحي لغاية الآن خسائر بملياري دولار أميركي تقريباً، خصوصاً القطاع الفندقي، لأن الفنادق هي المتضرر الأكبر”.
يضيف: “القطاع السياحي يدخل إلى البلد ما يقارب الـ6 مليار دولار سنوياً، ومضت 5 أشهر حتى الآن، من ضمنها فترة عيدي الميلاد ورأس السنة التي يمكن أن نقول (ما اشتغلنا فيها أبداً)”، لافتاً إلى أن “المطاعم فقط شهدت نشاطاً خلال هذه الفترة نتيجة حركة الوافدين من الخارج لقضاء فترة الأعياد مع العائلة في لبنان، لكن هؤلاء بغالبيتهم ينامون في بيوتهم ولا يحجزون غرفاً في الفنادق”.
بيروتي يشدد، على أنه “لا يمكن الاستمرار والعمل بظل هذا الوضع، وللأسف هذا هو الواقع على الأرض الذي رتَّب على معظم المؤسسات السياحية العاملة في القطاع السياحي أن تقفل أقساماً معينة داخلها وتستغني عن بعض الموظفين. الفنادق وغيرها من مؤسسات القطاع السياحي تحاول أن تتحمّل بأقصى ما تستطيع لتمرير الوقت، لعلّه تحصل هدنة ما أو تتوقف هذه المواجهات ونخرج من هذا الوضع، وهي تحاول الصمود لربما يأتي موسم سياحي صيفي مزدهر يمكّنها من تعويض بعض خسائرها”، معرباً عن أسفه “لأن الرؤية لغاية اليوم ضبابية ولا أحد يطمئننا إلى أين نتجه وما يحصل، والخيارات محدودة أمامنا ونحاول أن نتحمّل بقدر استطاعتنا”.
بالنسبة لصرف أعداد من الموظفين في القطاع السياحي، الفنادق وغيرها، يوضح بيروتي أن “هناك موظفين كفروا بهذا الوضع ويتقدّمون باستقالات طوعية وينتقلون للعمل خارج لبنان، في بلدان وأسواق سياحية تقدّم عروضاً مغرية، ولديها طلب كبير على موظفي الفنادق والقطاعات السياحية المختلفة من أصحاب الخبرة والكفاءة، مثل السعودية والإمارات وغيرها. بينما في لبنان، نهدر حياتنا ووقتنا ومستقبلنا وكل شيء في ظل هذا الواقع المؤسف وما يحصل، ونحن نحاول الصمود بأقصى طاقتنا مع موظفينا الباقين الذين يتحمّلون معنا وينتظرون مثلنا لتمرير هذه المرحلة التي نمرّ بها اليوم، على أمل موسم الصيف المقبل وأن نكون خرجنا من هذا الوضع”.
بيروتي يكشف لموقع “القوات”، أنه “تم استدعاء نحو 10.000 آلاف موظف من الخارج قدموا مع بداية صيف العام 2023 للعمل في الفنادق ومؤسسات القطاع السياحي المختلفة خلال موسم الصيف، على أن نكمل العمل معهم باعتبار أن الحركة في القطاع السياحي كانت نشطة ومزدهرة والآمال معقودة على استمراريتها واستدامتها، وإذ أدخلنا اليوم في المجهول. إلى متى وماذا سيحصل؟ لا أحد يعرف أو يعطينا جواباً للأسف”.
